ثقافة وفن

محمود البزاوي.. قصاصات فنية تصنع البطولة

أتمنى أن أكون وصلت لدرجة الغرقان في الميلودراما.. محمود البزاوي

“محمد سيد الغريب”.. الذي رصد الصهاينة 20 ألف جنيه لمن يدلي بمعلومات تمكنهم من الإيقاع به، مات غدرا أثناء حصار السويس على يد الخائن “فرج الأكتع” الذي نال أجر خيانته ثروة هي رواتب ضباط وجنود الجيش الثالث الميداني.. هذه الشخصية التي غادر من أجلها محمود البزاوي موقعه خلف الكاميرا مساعدا للمخرج عاطف الطيب، لم تغادره إلى يومنا هذا رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود.

ثلاثة مشاهد في “كتيبة الإعدام” ستمتد دقائقها لتكون سمتا ثابتا لمحمود البزاوي، ابن حي المنشية الجديدة بمدينة المحلة الكبرى.

موهبة على الحافة

محمود البزاوي مع أحمد زكي في فيلم الهروب
محمود البزاوي مع أحمد زكي في فيلم الهروب

بعد ذلك بنحو عامين مع الطيب تتقلص العبارات في “الهروب” مع ظهوره في دور “عبد الله”، الأخ الأصغر لـ”منتصر”، أحمد زكي، لكن ذلك لا يُحزنه لأنه يجزم بأن “التمثيل بالصمت أبلغ من التمثيل بالكلام”، كما أنه يسلم للطيب بالعبقرية التي تجعله يقنع بهذا، بل بأقل منه.

لكن محمود حذِر أيضا من القناعة التي تنقلب إلى تسليم بالأمر الواقع.. فلم يمنعه الرضا بالمقسوم من البحث والجد لاقتناص الفرص المناسبة لحجم مواهبه المتعددة التي تعرّف عليها مبكرا عندما كان يستمع باهتمام إلى قصائد أخيه مصطفى، المثَّال الموهوب خرِّيج الفنون التطبيقية.

في هذه الأجواء كان طبيعيا أن يحاول محمود كتابة الشعر، بعد استغراقه في قراءة دواوين أمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وغيرهم.. لكن قراءة المسرح الشعري جذبته، ليستولي عليه بعد ذلك المسرح بالكلية فيتجه إلى كتابة نصوص مسرحية، ويشغله هذا العالم الرحب عن الدراسة فيخفق أكثر من مرة.

في هذه الحالة الباعثة على الإحباط والتسليم بانكسار الحلم كانت أمه الداعم الأول له، إذ كانت تؤكد للجميع أنه قادر على تحقيق النجاح، بل الوصول إلى مكانة مرموقة بقولها: “بكرة تشوفوا محمود ابني هيبقى إيه”.

على سبيل حسم الخيارات يذهب محمود البزاوي إلى القاهرة وهو دون العشرين من عمره.. لم ينه بعد أمر الثانوية العامة.. ليسجل اسمه في إحدى المسابقات المخصصة لاكتشاف المواهب التمثيلية.. يؤدي مشاهده في المسابقة بقدرة وتمكّن واستيعاب كامل لمتطلبات الأداء/ لينال إعجاب أعضاء اللجنة.

يناديه الفنان نور الشريف، وكان أحد أعضاء لجنة المسابقة، ليهنئه ويحييه على براعة الأداء ويسأله عن أحوال دراسته، ثم ينصحه: “روح خُد الثانوية وقدم ورقك في معهد فنون مسرحية.. فالموهبة الفطرية التي لا تنمَّى بالدراسة تخبو وتندثر”.

كانت هذه النصيحة هي ما يبحث عنه محمود البزاوي، وربما كانت بمثابة الضوء الذي حدد له اتجاه المسير.. حسم الأمر ولم يُضيّع الوقت، فكان في العام التالي طالبا بقسم التمثيل في معهد الفنون المسرحية، ينظر إلى العالم بعيني متأمل يُمحّص المشاهد بعقل متقد.

حفل عقد التسعينيات بالنسبة للبزاوي بالعديد من المشاركات في المسرح والسينما والتليفزيون.. دور “الشاذلي” في مسلسل “ذئاب الجبل“، الذي يُعد من أنجح المسلسلات جماهيريا.. فرض “البزاوي” حضورا خاصا وسط الكبار، رغم محدودية الدور.

وفي مشهد واحد من “طيور الظلام” في دور القاضي يبدع “البزاوي” في رسم شخصية القاضي المحافظ الذي تسيطر عليه النزعة الدينية، فتأتي أحكامه وفق هواه وليس بمقتضى القانون.

وإلى جانب أحمد زكي يبدع محمود البزاوي مجددا في دور الرئيس “السادات” في “ناصر 56“، ومع هنيدي في “همام في أمستردام” صنع بحرفية دور “طه القناوي”، الصعيدي المغترب الباحث عن فرصة.. وكان الدور الأهم في الفيلم بعد دور “همام”، حيث كان محمود البزاوي قاسما مشتركا في معظم المشاهد الكوميدية بالفيلم.

مع الألفية الجديدة تهيِّئ الظروف للفنان الموهوب الاشتراك في العديد من الأعمال التليفزيونية، ما يؤثر على وجوده في السينما والمسرح دون غياب كامل.. بداية من دور “طارق” وكيل النيابة في “أوبرا عايدة” مرورا بأعمال درامية متميزة للغاية مثل “أمانة ياليل” و”زمن عماد الدين” و”ريا وسكينة” و”حارة الزعفراني“.

ترك محمود البزاوي بصمات واضحة في الدراما، خاصة بشخصية الأبنودي في مسلسل “العندليب.. حكاية شعب“، ما جعل الشاعر الكبير يشيد بأدائه، واصفا إياه بـ”المذهل”، معبرا عن دهشته من استحضار محمود البزاوي لمشاعر بعينها أثناء أداء الدور في المشاهد المختلفة.

يحتفظ محمود البزاوي بتقدير كبير لدوره القصير في فيلم “زي النهارده” لأنه جاء مُرتجلا دون نص مكتوب.. نراه يُشَخِّص تاجر المخدرات وهو يحاول مغالطة “موعادل” الشاب المدمن الذي دفعه الإدمان لارتكاب العديد من الجرائم -قام بالدور آسر ياسين- يتألق محمود البزاوي في المشهدين على ما فيهما من عنف ينتهي بقتله وإلقائه من أعلى البيت الذي كان يختبئ فيه “موعادل”.

مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كانت مصر تتنسم عبير الحرية.. بينما يحاول محمود البزاوي مغالبة مصاعب الطريق مع اقترابه من نهاية عقده الخامس، لكن قدرته على التحدي تزيد بعد تحقيق بعض النجاحات على مستوى الكتابة في أعمال درامية جيدة: “مكان في القصر“، “لحظات حرجة“، و”الأدهم” وكتابة المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار لمسلسل “الريان” وفي السينما كتب فيلم “كلاشينكوف“.

الملامح الطيبة وفرصها الضائعة

محمود البزاوي في مسلسل بدون ذكر أسماء
محمود البزاوي في مسلسل بدون ذكر أسماء

في رائعة المؤلف وحيد حامد “بدون ذكر أسماء” نرى محمود البزاوي في مشهد بالغ العمق والتأثير تختلط فيه الكوميديا بالتراجيديا حين نرى “دياب” الكومبارس يُلح في الظهور كواحد من الكفار في أحد مشاهد عمل ديني يشارك فيه.

إذ تكمن مشكلته، كما فسرها بعد ذلك، في ملامحه الطيبة التي تجعله ضمن المؤمنين في كل عمل يظهر فيه.. المؤمنون لا ينالهم نصيب من طعام أو شراب أثناء التصوير، فهم بين الصيام والقيام والدرس والجهاد فقط لا غير.. إلحاحه على المخرج ليكون بين الكفار كان هدفه أن يغتنم “فخدة” خروف ينشب فيها أسنانه ولا يتركها إلا عظما، بعد أن صم أذنيه عن نداءات المخرج المتكررة بالتوقف لقول الجملة.. مشهد تنفتح دلالته على أكثر من مغزى!

“صدِّيق البكري” في “جراند أوتيل” دور يحمل الكثير من الومضات الإبداعية.. بين حال العاشق وحكمة العارف وانكسار رجل عانى كثيرا من الهزائم المتلاحقة، يصنع لنا محمود البزاوي في هذه الدراما أداءً يستحق التأمل.. في عمل متكامل كهذا يبرع الفنان في منافسات الأداء مع سوسن بدر وأنوشكا ومحمد ممدوح وأحمد داوود وعمرو يوسف لنشاهد مسلسلا سيظل لسنوات أحد أهم أعمال الدراما الرمضانية.

محمود البزاوي في فيلم شيخ جاكسون
محمود البزاوي في فيلم شيخ جاكسون

“الشيخ عاطف” في “شيخ جاكسون” في دور الخال يمتعنا محمود البزاوي مجددا بأداء هادئ متمكن لرجل من مشايخ صحوة التسعينيات يحترف إنتاج الكتب وشرائط الكاسيت الدينية.. يدفعه وفاؤه لذكرى أخته وأمور أخرى إلى احتضان ابنها ورعايته، خاصة بعد خلافه الشديد مع أبيه الذي يعيش الحياة دون ضوابط.

يصنع “الشيخ عاطف” من ابن أخته نسخة منه، كما يصنع نحَّات تمثالا لنفسه، لكن تمثاله يبدأ في التصدع والانهيار بعد أن يرده خبر موت “جاكسون” إلى عالمه الأول الذي غادره على سبيل الهرب من واقع تعيس.

في مباراة الأداء بين أبطال العمل “أحمد مالك” و”أحمد الفيشاوي” و”ماجد الكدواني” في دور الوالد، لم يكن محمود البزاوي بعيدا، بل أثبت فيها حضورا متميزا في أكثر من مشهد بأداء يبتعد كثيرا عن المبالغات الفجة التي تحفل بها كثير من الأعمال الفنية عند تقديم مثل هذه الشخصيات.

في نفس العام 2017، يشارك محمود البزاوي في دراما رمضان من خلال مسلسل “كلبش” في دور العميد صلاح الطوخي بإدارة التفتيش الذي يتولى البحث عن الضابط الهارب “سليم الأنصاري”.

وفي الجزء الثاني من العمل يشارك محمود البزاوي في الكتابة، فتظهر للعميد “صلاح” مساحة أكبر يتألق فيها محمود البزاوي بشكل لافت.. ما جعله يطغى في أحيان كثيرة على الشخصية الرئيسة في المسلسل.

محمود البزاوي في أفيش مسلسل سابع جار
محمود البزاوي في أفيش مسلسل سابع جار

أما شخصية “مجدي” في مسلسل “سابع جار” فكانت من أهم علامات مسيرة محمود البزاوي لأسباب عديدة لا تتعلق بالنجاح الجماهيري غير المسبوق الذي حققه المسلسل في جزأيه فحسب، بل تتعلق بتفجر ينابيع الأداء الكوميدي لدى محمود البزاوي.

لنرى “مجدي” النصاب الذي يستغل طيبة زوجته وأهلها ولا يكف عن الكذب والتحايل والاختفاء ومعاودة الظهور.. وعندما تقرر زوجته الانفصال عنه يأسا من انصلاح حاله، ينكسر “مجدي” لكنه لا يراجع نفسه بل يستمر في طريقه ويعاود الهرب.

تناديه السينما مجددا مع انقطاع الأمل في مساحات أكبر في الأدوار فيشارك في 4 أعمال هي: “البدلة” و”تراب الماس” و”ليلة هنا وسرور” و”بني آدم“.

في عام 2019، يشارك البزاوي في العديد من الأعمال منها مسلسل “بدل الحدوتة تلاتة” و”علامة استفهام” و”الزوجة 18” و”أبو جبل”  و”أهو ده اللي صار” بالإضافة إلى مشاركته في فيلم “كازابلانكا“.

وفي العام الماضي خاض محمود البزاوي تجربة سينمائية جديدة في فيلم “خان تيولا“، حيث تدور أحداث الفيلم في حقبة الأربعينيات خلال الحرب العالمية الثانية داخل أحد الفنادق بمدينة العلمين، ويلعب البزاوي دور صاحب الفندق الذي يعيش مع أسرته المكونة من زوجته وابنه وابنته، ويصل إليهم ذات ليلة نزيل جديد، لِيُفَاجَأ الجميع بالكثير من الأشياء الغامضة والأحداث الغريبة.

وكان محمود البزاوي قد اعتذر أكثر من مرة عن أداء الدور لكنه قبله في النهاية، ليصاب أثناء التصوير بإصابة بالغة يتوقف معها التصوير عدة أيام.. وقد تراوحت ردود الفعل حول العمل، وما زال يثير العديد من التساؤلات حتى الآن.

في الدراما الرمضانية هذا العام يشارك محمود البزاوي في ثلاثة أعمال هي” “بين السما والأرض” في دور عارف، وفي مسلسل “قصر النيل” وهو عمل درامي متميز تدور أحداثه في الأربعينيات من القرن الماضي في دور “ممدوح” مدير حسابات وكاتم أسرار الباشا الراحل “فهمي السيوفي”، حيث تحوم الشبهات حول “ممدوح” كونه الوحيد الذي يعلم أين أخفى الباشا ثروته.. وفي دور ثالث في مسلسل “هجمة مرتدة” الذي أحدث مردودا طيبا مع عرض أولى حلقاته.

تمتع محمود البزاوي بموهبة حقيقية أنضجت على مهل انتزعت مساحات الإبداع انتزاعا رغم اختلال ميزان الفن الذي تحكمه ضوابط أخرى، لكنه ما زال “يعافر” دون كلل.

ماهر الشيال

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى