محمود شاكر.. تأملات في المنهج المخبوء

 

تتمثل حروف هذا الاسم بنفسها للقارئ شيخًا وقورًا مهيبًا جهوريّ الصوت حادّ البصر كأنّ عينيه لسانانِ ناطقان. يُعتَبر الأستاذ عند عامّة متلقِّي تراثه حاميَ الثقافة العربية ومرجع العلم بها وبمسالك السالفين منها، فإذا انتهى الكلام إلى ثنائية التراث والتحديث/التجديد -على عَوارها في نفسها- كان الأستاذ رأسَ حزب التراث ومرجعَ الأمر فيه.. هذا هو السياق الأبرز الذي يُتناوَل فيه الرجل وعقله.

في محاضرةٍ ألقاها الأستاذ في جامعة الإسكندرية سنة 1980 تطرّق الكلام عن قضيّة القديم والجديد -التي حُصر الأستاذ فيها- وهي ذات رسوخ تاريخي قديم تناولها كثيرٌ من متقدِّمي نقّاد الشعر وعلماؤه، فنقل عن الدكتور طه الحاجري قولَه إن هذه القضية من أسخفِ القضايا التي وُجِدَت في تاريخ النقد.

وعلى النسق نفسه ينحصرُ نظر أرباب التجديد والتحديث في تراث الأستاذ، فهو عندهم المناهض للتجديد المُبغِض له ولمناهجه. وكأنّ الفريقين- رغم خلافهما الكبير في الرجل متفقون على حصرِه في هذه الدائرة لا يعدوها ولا تعدوه!

لكنّ على فكر الأستاذ وتصرّفه في العلم إشكالاً يتردّد كثيرًا في كلام مَن يعالجون منهجه، خلاصتها أن حقيقة منهجه شيءٌ غامضٌ لا يكاد يتأبّى على التنظير والتقعيد الموضوعيَّين فلا يكاد يتبيّن، إذ يرتدّ في جوهره إلى “التذوُّق” وهو شيءٌ خفيٌّ راجعٌ إلى نفس الناظر وذاته ليس مما يشركه غيرُه فيه، فإن كان أمرُ منهجِه كذلك ففيمَ كان الرجل؟ ولمَ دارت تلك المعارك التي خاضها وحدَه مُستَعديًا رؤوس في الفكر والأدب في عصره؟ بل فيمَ كانت خصومته لعموم المناهج الأدبية التي استشرَت في الفكر والثقافة والتي لم يفتأ أن ينعتَها بالحياة الأدبية الفاسدة معلنًا محادّته إياها بلا هوادة؟ ومن وراء ذلك، فيمَ كان عداؤه المُحرِق للاستشراق والمستشرقين، إن كان أمر المنهج وهو الضابط للفكر العاصم له من الزلل على هذا النحو من الغموض والخفاء وعدم الاشتراك!

لم تكن هذه المشكلة غائبةً عن الأستاذ إذا همَّ لكتابة شيءٍ من أجلِ النشر، فقد كان متبيِّنًا أن النهج الذي يسلكه ليس مما يشركه غيرُه في معرفةِ أصوله وخباياه في نفسه، ولذا كان كثيرَا ما يردد أن منهجه مبثوثٌ في كل ما كتب لم ينخرم في شيء منه، حتى ما أنشأه فنًّا مبتدئًا كـ”القوس العذراء” فمنهجه مخبوءٌ تحتها. وكأنّه يَحفِزُ قارئه أن لا ينشغل كثيرًا بالمعالم النظرية لمنهج “التذوّق” وأن يسعى لتبيُّنِه في ثنايا ما يكتبه تطبيقًا له. ولعلّ إحساس الأستاذ ذلك كان أحد أسباب قلّة إنتاجه والعُزلة التي لفَّ نفسَه بها.

“منهج التذوّق” هذا المركّب الذي أداره الأستاذ بكثرة في كتاباته لا يكاد يخلو منها شيءٌ؛ فمن “المتنبي” إلى “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا” إلى “الأباطيل” فـ “نمط صعب” فمقدمات تحقيقاته كـ “طبقات ابن سلام” و”كتابَي عبد القاهر” وجمهور مقالاته.

ولعل الإشكال الكامن في حقيقة هذا المركّب لم يلفت نظرَ كثيرًا ممن تعاطى تراث الأستاذ شاكر، إذ لو حُمِل ركنا هذا المركب على ظاهرهما لأنتج تعارضًا واضحًا. فكيف يُضاف “التذوّق” الذي من شأنه الخفاء والتستّر ومخالطة نفسه إلى لفظ“المنهج” الذي لا تقوم دلالته في نفس سامعه إلا على معاني الوضوح والإبانة والاستقامة والاطِّراد، وهي معانٍ كلها على الضدّ من مدلول لفظ “التذوّق”.

إن لفظ “المنهج” في أعم مدلوله هو سبيلٌ عقليٌّ مركَّبٌ من مقدمات معلومة متراتبةٍ فيما بينها تراتبًا مناسبًا للتوصّل إلى نتيجة مجهولة، وأخصُّ صفاتِ المنهج الاشتراكُ في معرفته فيكونَ موضوعيًا مطَّرِدًا. أمَّا التذوّق فمدلوله غامضٌ لا يكاد يتبيّن، إذ مردُّه إلى النفس المشخَّصة بما يعتمل فيها من أقطاب متناقضة، ولكلِّ نفسٍ نهجٌ في التذوّق بحسب ما رُكِّبَ فيها، وهو أمر شديد التعقيد والتشعّب ممتنع بنفسه على الضبط والاطِّراد. فلو حُمِل هذا المركَّب على الظاهر منه بلا تروٍّ لانتهى الكلام إلى وصف الأستاذ بالخلل في بنائه الفكري كله. ولم يكن الأستاذ كذلك بلا ريب.

ولمعالجة هذا الإشكال ينبغي أن نقرِّر أولاً أصلاً محكمًا، صورته أن أعظم جنايةٍ يجنيها باحثٌ على تراثِ عالمٍ يدرسه أن يريد الدارس من العالم ما لم يُرِدْه هو من نفسه، كأن يحصرَه في نمط محدودٍ بنظره لا بنظر عالمِه الذي يدرسه فيكون كالآخذٌ بأنفاسه أخذًا، ونظيره في الجناية أو أكبر أن يقطِّع الباحث أوصال تراث عالمه مِزَقًا فيعالج كلَّ مِزقَةٍ مستقلةً برأسها لا شأن لها ببقيّة إرثه، فكأن لكلّ قطعة منها واضعًا غير الأخرى، صاغها عقلٌ غير عقل الآخر. هذا خلل شائعٌ إذا دب إلى عقلِ باحثٍ أفسده بقدر ما أصاب منه.

وتأويل ذلك في شأن الأستاذ شاكر واقعٌ من جهتين متداخلتَين: أولاهما: قَصْرُ النظر على مواضع  الكلام عن منهج التذوّق ومعالجة الأستاذ وصفَه والإبانة عنه ثم لوازم كلامه فيه بشأن المنهج بشطريه: جمع المادة ثم التطبيق، وما يسبقه ذِهنًا بشأن ما أسماه “ما قبل المنهج” بتفصيله وشعَبه وما يعصم من الزلل فيه؛ أقول قَصرُ النظر على تلك المواضع أو بعضها مؤذِنٌ بغموضٍ يكتنف عقلَ الباحثِ، أما إن توسَّع النظر فشمِل تنزيل الأستاذ شاكر ذاك المنهج على موادَّ درسها وعالجها معالجته الخاصة بتتبّع ذاك كله تحت كل حرفٍ كتبه فلسوف يزداد عقلُ الأستاذ جلاءً لناظره. وضرورة إشفاع المنهج بتطبيقه معنىً نادى الأستاذ بوجوب تنبُّه قارئه إليه. وهذا مأخذٌ عامٌّ في نظرِ كلّ ناظر.

ثانيهما: أنّ مما استأثر الأستاذ خالصًا له أن كلامه عن المنهج وشطريه وما قبله وشروطه وأدواته، لا سيما كلامه عن الثقافة ومعناها وموقعها من الإنسان ذاك الصندوق المغلق المنطوي على رغبات وأهواء وشهوات، المصطِرع فيه الخير والشرّ، ذاك الإنسان الذي هو محلّ المنهج ومناطه؛ كل ذلك لم يكن نهجًا قَصدَ الأستاذ إلى إذاعته لمحض بيان الاعتبارات الداخلة في تحديد مفهوم “المنهج” بقدر ما أرادَ أن يصِف نفسَه هو وما انتهى إليه نظره في رحلته الشاقّه التي أدار ذكرها عند أدنى ملابسةٍ عرَضت، فكأنّه يقول إن هذا الذي أقصّه عليك هو نتاج الأزمة التي عانيتها في شبابي ومكثت في أوارها عشر سنوات أو قريب معتزلاً الناس. فمنهجُه بعضُه، بل هو جوهره ومقوِّمُه.

إن الاشتراك في معرفة معنى “المنهج” هو اشتراك في أمرٍ شديد العموم، والأمور العامّة لا تكاد تفيد إلا من حيث وضعُها عامَّةً لا مشخِّصات لها، فالكلام عن المنهج بالاعتبار السابق أو حتى باعتبار ما وضعه الأستاذ ببيانه أن المنهج ينقسم إلى شطرَي جمع المادة ثم إعادة تركيبها؛ كل ذلك شيءٌ عامٌّ يسري على أيّ موضوعٍ يقصِد الناظرُ إلى بحثه في أيّ علمٍ كان في أيّة لغةٍ كانت.

لكنّ هذا المنهج لا يعمل في فراغٍ مطلَق، بل لا يكون واقعًا إلا من خلال “إنسان” هو محلُّه ومناطه، ومن هنا يأتي كلامُه عما قبل المنهج، وعن الثقافة ومكوِّناتها، إذ كل ما ذكره من ذلك هو المحدِّد الأوَّلي لانضباط سَيْر المنهج في مسارٍ سديدٍ مُوصِلٍ إلى مطلوبٍ مطابقٍ للواقع أو أقرب ما يكون إليه. وعلى هذا المعنى حَمَل الأستاذ حَملتَه على نتاج المستشرقين وأوضح ببيانٍ لا لبس فيه أن عمل المستشرقين عارٍ عن الوصف بالعلميّة. إذ إن شطرَي جمع المادة وتركيبها لو توافر لهم أو لبعضهم فأنَّى لهم شروط ما قبل المنهج بالغًا ما بلغوه من الجهد في معرفةِ لسانٍ لم يرتضعوه في الصغر، أو ثقافةٍ لم تكنْ لهم يومًا إلا حروفًا مقروءة لا واقعًا خالطهم وخالطوه.

إن “الإنسان” هو جوهرُ المنهج الذي تناول الأستاذ بيانه. فالمادة متى جُمِعَت ورُكِّبَت فإنّها لا تصير حقيقةً قائمةً إلا من خلال بصر إنسانٍ وبصيرتِه. فالذي يتولَّى وضع مناهج أدبية لثقافة أمّةٍ من الأمم لا يُتَصوَّر إلا أن يكونَ من صلائب هذه الأمّة، إذ الثقافة مكوِّنٌ إنسانيٌ ممتدٌّ فيه، لا يُمِدّه بها إلا المعرفة الواقعية باللغة والدين اللذين هما المكوِّنان الرئيسان فيها. أما اختزال هذا الواقع الحيّ في حروفٍ مكتوبة ترمز إليه بلا اتصالٍ حقيقيٍّ بين الناظر والثقافة فلا تكاد تفيد إلا معرفة ذهنية غايتها انطباع صورة الثقافة في ذهن متعلِّمها. والغرض من مناهج الأدب هو تبيين السبيل التي يستعاد بها تمثّل الامتداد التاريخي لأمّةٍ ما تمثّلاً صحيحًا وغايته أن يمتدَّ بها أهلها ويبني خالفهم على ما وضع سالفهم. وكل ذاك لا يكون إلا لرجلٍ من أبناء تلك الثقافة.

من هذه الحيثيّة تتوارى الموضوعيّة التي يفترض أن يشترك جميع الناس في العلم بموضوعها، إذ يداخل الموضوعَ ركنٌ أساسٌ هو الـ “الإنسان”.والإنسان في هذا السياق هو ذاك الموصول عقلاً ونفسًا بهذه الثقافة، فينحصر من ثّمَّ الاشتراك في معالجة المنهج بهذا المستوى على أهل الثقافة الناشئين فيها من أوّل أمرهم.

ومن تتمّة القول في هذا المستوى من مفهوم المنهج وهو أصلٌ دقيقٌ فيه، ومعنىً أساسٌ صدر عنه الأستاذ وإن لم يصرِّح به تصريحًا: أن أمر المعرفة في الإنسان نتاجٌ لأمورٍ سابقة على نفس التحصيل العلمي والنظر، وليس الإنسان يصدر أول أمره من مبتدأٍ فارغٍ كصفر الخوارزمي لا حمولةَ فيه، إنّما يصدرُ في أبواب المعرفة – لا سيما الإنسانية منها – من مركّبٍ معقَّدٍ تعقيدَ الإنسان نفسِه. فليس الأمر كما يتراءى أولاً من أن المنهج أمرٌ عقليٌّ صِرفٌ يشترك الناس في العلم به لاشتراكهم في العقل، فالذي ينهج ويسلك سبل المعرفة هو الإنسان عقلاً وروحًا ونفسًا وثقافةً ممتدّةً وتنشئةً ولغةً ودينًا ورغباتٍ وأهواء. بل حتى المعرفة العقلية التي يُزعَم أنها خالصة من علائق تلك الاعتبارات لا تنفكّ هي الأخرى عن التأثر بها، إذ العقل لا يعمل في دائرةٍ مفرغةٍ ولا يبتدئ رحلته في هذه الحياة من نقطة مسبوقةٍ بالعدمٍ.

فإذا انفصل ذلك ووَضَح واحتجبت موضوعية المنهج وصرامته وازدادت دائرة النظر ضيقًا أطلَّ إشكالٌ آخر، مُفاده أن أمر المنهج إن كان على هذا النحو فإن النظر الأدبي سيكون في حالٍ من السيلان لا ضابط له، إذ الأشخاص يتفاوتون فيما بينهم من حيث الاعتبارات السابقة، فلكلٍّ نفسٌ خلاف نفسِ الآخر.

إنّ الذي يفصل وجه النظر في هذا الإشكال قضيّة أزعم أنّ الأستاذ تنبّه إليها وأحسَّها من نفسه بوضوح. فهاهنا أمرانِ منفصلانِ: منهج نظريّ لبحث قضيّةٍ ما، وموضوعٌ مبحوثٌ فيه. وبحسب تبيين العلاقة بين هذين الأمرين وانفصالهما يتبيّن مقصِد الأستاذ من إضافته لفظة “التذوّق” للفظة “المنهج”. ولنبتدئ القضية بسؤال ساذَج: فأيُّ الأمرين سابق على الآخر؟ وأيّهما مهيمِن على الآخر حاكمٌ له؟

إنّ للذهن أن يقدِّرَ منهجًا بلا موضوعٍ وموضوعًا بلا منهج، أما واقعًا فإن أُخِذ موضع الإنسان من عمل الاستدلال عاد هذا التفريق ذهنيًّا صرفًا فيتداخلان معًا واقعًا. هذا أمرٌ، وآخرُ صورته أن المنهج في جوهرِه مستنبَطٌ أولَ أمرِه من الموضوع نفسه ولم ينشأ مستقلاً عنه. فلا انفصال بين منهج اللغة واللغة نفسها من حيث هي ألفاظ وتراكيب مستعملة في لسان أهلها، فمنهجها مأخوذٌ من استقرائها نفسها، وكذا الحديث والأصول والتفسير وبقية العلوم، فمنهجُ كلِّ موضوعٍ كامنٌ فيه.

والغرض من هذه الجملة بيان أن تعاطي المناهج نظريًا بمعزِلٍ عن مادّتها مظِنَّة خللٍ يقع وهو واقعٌ قدرًا، فمع استقرار الصناعات العلمية وجنوح الإنسان بفطرته نحو التنميط وضبط الموضوع نظريًا تستقرّ المناهج وتنضج وتنفصل عن موضوعها شيئًا فشيئًا حتى تصير في بعض أمرها بناءً مستقلاً بنفسه، فإذا استتبّ أمرها على هذا النحو كانت منظارًا يُنظر إلى الموضوع من خلاله ويطوَّع له تطويعًا، فيستحيل المنهج من ضابطٍ ذهنيٍّ للموضوع إلى مُعَرِّفٍ به لا يكاد يُرى الموضوع إلا من خلاله. وآيةُ ذلك شيءٌ كثيرٌ واقعٌ في علوم الإسلام فاستحالت القاعدة هي منتهى نظر الناظر، وأصبحت محكمًا من المحكمات يؤوَّل من أجلها الموضوع ويطوَّع حِفظًا للبناء النظري من الثلم.

قصَّ الأستاذ قصَّته مع علوم المسلمين وقراءته إياها مرةً أخرى بمنهجٍ اهتدى إليه، وما يلفت في حديثه ذاك ذِكْرُه أنّه ابتدأ بقراءة ما وقع له من هذا التراث الأقدم فالأقدم. وهذه إشارةٌ مهمّة تبيّن جانبًا من القضيّة، فأمر المناهج في أوّل الأمر – إذ ابتدأ الأستاذ إعادة النظر – كان على غيرِ ما وصلت إليه عند المتأخرين حيث استحكمت واستتبّت واحتجبَ الموضوع أو ضعُفَ نوره، فالمتقدِّمون سبقوا بتنظير الموضوع باستقراءٍ مباشرٍ له وملابستِه حيًّا في نفوسهم، ولذا كانت مناهجهم أدلّ على الموضوع وأقربَ منه رُحمًا، ولم تنفصل المناهج عندهم انفصالا تامًّا عن موضوعها، فكان استدلالهم صاعدًا من الموضوع ثم هابطًا إليه مرة أخرى كأسفار الشيرازي، أما النظر المتأخر فالغالب عليه الاستدلال الهابط من المنهج النظريّ إلى موضوعه ومن ثَمَّ ينحبس الموضوع ولا يتنفّس.

وأثر ذلك فيما نحن بصدده جللٌ، إذ سيُحَدّد بناءً عليه كيف يتعاطى الناظر مع التقعيد المنهجي العام. فعامّة المتأخرين يراعون القواعد وينتهون عندها ويتم أمرهم ببيان تطابق المنهج لموضوعه، أما ما شذّ منه أُلحِقَ بغيره بصرامةٍ لا تكاد تنخرم، أما الأوائل فكان أمرهم على غيرِ ذلك، فالسائر على سبيلهم يبتدئُ من المنهج النظري أو القاعدة كمنظارٍ مبدئيٍّ على الموضوع ثم يهبط إلى الموضوع يتأمّله، ويختبر المنهج جزءًا جزءًا ثم يعيد تقويم المنهج وتعديله مرةً بعد مرةً حسبما يهتدي إليه من التبصُّر في الموضوع. وهذا عملٌ يتأبّى على المناهج الصارِمة التي ترسم للباحث طريقًا لاحبًا موضوعيًّا شديد النصاعة والنقاوة يشترك الناس في العلم به.

فالمنهج أنضرُ ما يكون في ابتداء نشأته وقربه من مادته، والذي لفتني إلى خبر بدء الأستاذ بقراءة الأقدم فالأقدم من تراث السالفين أن هذا كان عامةُ طريقهم في الاستدلال والعلم، إذ أمر القواعد لم تكن بعد قد استويَت واستقرّت، ومع ذلك كانت حاضرةً في نفوسهم كأشدّ ما يكون وضوحًا. وما ذهب إليه الأستاذ من شأن المردّ إلى العلم بالموضوع وأنه أمرٌ ذاتيٌّ لم يكن بدعًا ذهب إليه، بل هو فاشٍ منتشر في تراث المتقدمين في أبواب كثيرة من العلم. وأدلّ شيءٍ على ذلك وأبينه هو طريق متقدِّمي المحدِّثين في النقد والتعليل إذ وسّعوا الاعتماد على “القرائن” وهي الأمور التي لا تنضبط بقاعدة عامّةٍ ولكنها تدلّ على الموضوع دلالةً أشدّ من القاعدة النظرية، فاستندوا إليها في نقد المرويات وتعليلها، لأنهم عاينوا المرويات وسبروها، فكان منهجهم متلبسًا بموضوعهم فكان أسلمَ وأعلمَ. ولذا فشا في هذه الطبقات الأولى من العلماء المعنى نفسه الذي انتُقِد الأستاذ به، إذ وصف كثيرٌ منهم – محدثين ونقاد شعرٍ – بأن علمهم هذا “إلهام” وهو يشبه علم الصيرفي بالدرهم الزائف ما أن يتحسسه بيده. وقديمًا قال إسحاق ابن إبراهيم الموصلي في صفة الألحان التي ينشئها “إن من الأشياء أشياءَ تُحيط بها المعرفة ولا تؤدِّيها الصفة” فهذا من ذاك بابًا واحدًا لا فرق.

وهذا اللون من المعرفة لا يفتح باب السيلان وعدم الانضباط لانعدام الاشتراك في العلم به كما يُظَنّ، إذ ضابطه العامّ وحماه الذي لا ينهتِك هو الدربة الطويلة بالموضوع وكثرة التفتيش والبحث فيه حتى تنشأ في نفس الناظر مَلَكةٌ تقوِّم وتحكم وترجِّح وتزيِّف، فكأنّ الموضوع خالَطَ مُلابِسه وتسرّب في دمه فحلّ فيه نوعَ حلول. هذه المَلَكَة على فرديّتها ونزوعها الذاتي مشتركةٌ بين من ساروا على الدرب ذاته وسلكوا السبيل نفسه حتى يتوصّل أحدهم بها إلى نتيجة من دقائق المسائل تكون مطابقةً لما توصّل إليه آخر من غير مواطأة فيما بينهم.

فلهذا المأخذ أضاف الأستاذ التذوّق إلى المنهج، وطبّقه بصنعةٍ غايةً في الدقّة في عموم كتاباته، ومكث عمرَه وفيًّا له متمتِّعًا به مكتفيًا به معاديًا بقية المناهج الحادثة وأربابها.

بمشاركة

رسوم

أحمد بيكا

قصــة

د. أحمد وجيه

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram