محمود عزت

اصطياد ثعلب

في ساعة متأخرة من ليل الخميس، وقف عدد من أفراد الشرطة المصرية، يراجعون التعليمات النهائية لـ”المهمة الجديدة”، قبل أن يستقلوا السيارات المخصصة لهم، وينطلقوا في طريقهم، ولم يطلع فجر اليوم التالي، حتى أعلنت وزارة الداخلية نبأ القبض على محمود عزت القائم بعمل مرشد الإخوان منذ عام 2013.

بملامحه المُتعبة التي بدا عليها الشيب، ظهر “عزت” وقد كست وجهه علامات الاستغراب من المفاجأة التي لم يحسب حسابها طوال 7 سنوات من المطاردة، ففي ذلك الحين، نجح “صقر التنظيم القطبي” في الهروب من عدة محاولات لإلقاء القبض عليه، تمامًا كما فعل رفيقه السابق في التنظيم فرج النجار مسؤول التسليح في تنظيم 65، الذي نجا من الحملات الأمنية التي شنها الرئيس جمال عبد الناصر على الجماعة في ستينيات القرن الماضي.

محمود عزت بعد القبض عليه

كانت صورة “النجار” الهارب ماثلة في ذهن “عزت” الذي تصور أن التاريخ يعيد نفسه من جديد، بمحنة جديدة للجماعة، ورحلة هرب أخرى لصقر من صقورها، لكن التاريخ الذي تصوره “مرشد الإخوان الفعلي” لم يكن سوى مأساة، نهايتها انضمامه لرفاقه خلف القضبان.

بداية من خلف القضبان

في أحد أيام عام 1954، توجه الطفل محمود عزت ذو العشر سنوات، صوب مقر شعبة الإخوان بالعباسية التي اعتاد على أن يذهب إليها ليلهو ويتريض، غير أنه لم يجد الشعبة كما كانت، إذ سبقه رجال المباحث العامة (جهاز الأمن السياسي وقتها)، وأغلقوا مقر الشعبة، واعتقلوا عددًا كبيرًا من قيادات الإخوان ووضعوهم خلف القضبان فيما عُرف بأزمة 1954.

أثر الحدث في نفسية الطفل الصغير، وصار أحد المكونات التي ساهمت في صقل شخصيته، مع انطوائيته وخجله وصمته الطويل، وكل هذا أهله ليصبح “صقر التنظيم الإخواني”.

شعار جماعة الإخوان

في أوائل الستينيات، وبينما كانت مصر غارقة في نشوة التحرر الوطني بنسختها الناصرية، بقي “عزت” منعزلًا عن المجتمع مفارقًا له لائذًا بمسجد كلية الطب الصغير بجامعة الزقازيق، والذي سيشهد في عام 62 ميلاد خلية إخوانية حركية، تضم “عزت” ورفاقه”، على يد مروان حديد السوري، مؤسس تنظيم “الطليعة المقاتلة” بحماة السورية لاحقًا.

جنّد “حديد” محمود عزت ورفاقه الـ20 ضمن ما عُرف بـ”خلية مصر الجديدة”، وربطهم بـ”عبد الفتاح إسماعيل” (دينامو تنظيم 65) الذي سقط بأكمله وقبض على أفراده، ليساق “عزت” وأفراد الإخوان إلى السجون، حيث أُعدم سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل عام 1966.

السوري مروان حديد مُجند محمود عزت، ومؤسس تنظيم الطليعة المقاتلة

بقيت ذكرى “إعدام قطب” وقيادات تنظيم 65، ماثلة في عقل ونفس محمود عزت، الذي اعتبر نفسه وريثًا للأفكار القطبية داخل جماعة الإخوان مع مصطفى مشهور (المرشد الخامس للإخوان فيما بعد).

حارس الأيدولوجيا القطبية

خرج القطبيون من السجون منقسمين على أنفسهم: فريق أُخرج من الجماعة بعد “محاكم تفتيش فكرية” وعلى رأسهم أحمد عبد المجيد (قائد مخابرات تنظيم 65)، وعبد المجيد الشاذلي (المنظر القطبي البارز)، وفريق آخر استمر في الجماعة، وعلى رأسه محمود عزت وصبري عرفة الكومي (أعضاء مكتب إرشاد الإخوان لاحقاً)، وبقي الرجلان يعتبران أنفسهما مكلفين بالحفاظ على النقاء الإيديولوجي للإخوان.

سيد قطب بعد القبض عليه عام 1965

عاد عزت لمقاعد الدراسة بالجامعة التي كانت تشهد حراكًا متصاعدًا للجماعة الإسلامية الطلابية التي سترتبط بالإخوان لاحقًا، وبالفعل تخرّج في كلية الطب جامعة الزقازيق عام 1976، والتحق بالدراسات العليا إلى أن حصل على الماجستير عام 1980.

بحلول عام 1981، كانت الهدنة غير المعلنة بين الرئيس المصري الأسبق أنور السادات وبين جماعة الإخوان قد انتهت فعليًا، وأدرك “عزت” بحسه الأمني أن الجماعة في خطر، ففر إلى العاصمة اليمنية، دون أن يحصل حتى على موافقة مرشد الإخوان، وقتها، عمر التلمساني، والتحق بالعمل في قسم المختبرات بجامعة صنعاء.

خيرت الشاطر نائب مرشد الإخوان

ومن اليمن عمل مع مرشده الروحي مصطفى مشهور في تأسيس التنظيم الدولي للإخوان وترسيخ قواعده، قبل أن يعود لمصر في منتصف عام 1986، ليلتحق بالعمل في “طب الزقازيق”، في الوقت الذي أشرف فيه على الأسر الإخوانية من أعضاء هيئة التدريس والتي كانت ضمن قسم الطلاب بالجماعة.

بالتزامن مع مسيرته الأكاديمية أسس “عزت” مع خيرت الشاطر، شركة “سلسبيل” التي داهمتها الأجهزة الأمنية المصرية عام 1992، وقضي الأول 6 أشهر في السجن، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا.

مصطفى مشهور المرشد الخامس لجماعة الإخوان

انقضت “قضية سلسبيل” لتبدأ قضية أخرى عام 1995 وهو نفس العام الذي اختير فيه ليكون عضوًا بمجلس الشورى العام (الهيئة التشريعية للجماعة)، لكنه قضي 5 سنوات في هذه المرة خلف القضبان، ليفرج عنه في عام 2000، ويعود للانضمام لمكتب إرشاد الإخوان (الهيئة التنفيذية العليا).

صراع داخل الجماعة

قبيل ثورة يناير، أحكم التنظيم القطبي برؤوسه الثلاث محمود عزت، وصبري عرفة الكومي، وجمعة أمين عبد العزيز، على مفاصل الجماعة، وصار متحكمًا بشكل فعلي في عملية تصعيد القيادات الإخوانية، واستبعاد الأسماء غير المرغوب فيها، وأثبت “عزت” وفاءه للقطبية وقدرته على حراسة الجماعة من التيار التجديدي الذي برز في ذلك الحين، بقيادة عبد المنعم أبوالفتوح ومحمد حبيب نائب المرشد، وقتها.

محمد حبيب نائب مرشد الإخوان سابقًا

وفي هذا السياق، جاء استبعاد “حبيب” من الجماعة تجسيدًا لتوجه محمود عزت نحو الحفاظ على النقاء الإيديولوجي للإخوان، وسارت الجماعة في مسار واحد إلى أن وصلت لسدة الحكم عام 2012، ولم تلبث طويلًا فأطيح بها خلال عام واحد.

اعتصمت الإخوان بميداني رابعة (شرق القاهرة)، والنهضة (بالجيزة)، وظنت أن حالة الحشد التي قامت بها كفيلة بقلب الموازين السياسية، وعودتها لسدة الحكم مجددًا، قبل أن تنقلب الموازين فعليًا لكن في غير صالح الجماعة، بفض الاعتصاميين في 14 أغسطس 2013.

لم تستوعب الإخوان ما حدث بسرعة، وحصلت حالة من الخلخلة الضاربة في بنائها الهيكلي، واعتُقل مرشد الجماعة، وأكثر من نصف أعضاء مكتب الإرشاد وعشرات من القيادات الفاعلة والوسيطة، لتفقد الإخوان القدرة على التنسيق المركزي الذي لطالما اتبعته.

فض اعتصام رابعة

نُصب محمود عزت قائمًا بعمل مرشد الإخوان، ورئيسًا للتنظيم الدولي، بينما كان نائبه ومساعده جمعة أمين عبد العزيز في لندن التي سافر إليها ليخضع للعلاج قبل أيام معدودة من الإطاحة بحكم الإخوان، لكن “عزت” توارى عن الأنظار لاعتبارات أمنية وتنظيمية عدة ورفض أن يحضر أي لقاء تنظيمي واكتفى بأن يكون تواصله مع قيادات الجماعة عبر عضو مكتب الإرشاد محمد وهدان، وأن يوصل رسائله أحد أقاربه والذي كان معروفًا بـ”فرد الدعم اللوجيستي”، فيما كانت قيادات المكاتب الإدارية وما تبقى من أعضاء مكتب الإرشاد وعلى رأسهم محمد كمال، ومحمد وهدان يحاولون لملمة فلول الجماعة المهزومة.

محمد وهدان عضو مكتب الإرشاد

بحلول نهاية عام 2013، تواصل أعضاء مكتب الإرشاد المتبقيين مع “عزت”، وعرضوا عليه تشكيل مكتب جديد لقيادة الإخوان تحت مسمى مكتب الإرشاد المؤقت، فوافق الأخير على مقترحهم شريطة أن يسمى هذا المكتب بـ”اللجنة الإدارية العليا”.

نحو العنف

كان الصف الإخواني يبحث عن الثأر والانتقام من خلال العنف، وعزز من هذه الرغبة وجود قيادة تنظيمية جديدة تتفق مع أطروحات العنف التي علا نجمها داخل الجماعة، وبالفعل تشكلت لجنة إخوانية لإبداء الرأي في التحول نحو العمل المسلح، وانتهى الأمر بوضع خطة عمل سميت بخطة “الإنهاك والإرباك والحسم” وعُرفت أيضًا بـ”خطة أغسطس” وأقر محمود عزت هذه الخطة، وبدا لجميع قيادات الإخوان أن سقوط نظام الحكم المصري قريب المنال.

مكتب إرشاد الإخوان سابقا

آمن القائم بعمل مرشد الإخوان طوال عمره بفكرة العمل المسلح، وأيد تحول الجماعة لها، قبل أن ينشب خلاف بينه وبين اللجنة الإدارية العليا الأولى بسبب فشل الحركات الإخوانية المسلحة في ترك أي أثر استراتيجي هام، ومحاولة اللجنة الإدارية العليا إحكام السيطرة على بنيان الجماعة الذي يعتبر عزت نفسه وصيًا عليه، ودخلت الجماعة في شقاق بين جبهتي القيادات التاريخية (محمود عزت)، والقيادات الشبابية (محمد كمال).

الانقلاب على الجبهة الشبابية

في مايو 2015، قرر محمود عزت حسم الشقاق الإخواني لصالح جبهة القيادات التاريخية التي اعتادت أن تُدير الجماعة على طريقتها، وأصدر قرارًا بحل اللجنة الإدارية العليا وإحالة قياداتها للتحقيق والمسائلة، قائلًا: “جوهر الأزمة، أن مجموعة من الناس المحسوبين على محمد كمال، أعطت لنفسها حق إدارة الجماعة بدون وجه حق”.

محمد كمال رئيس اللجنة الإدارية العليا الأولى للإخوان

وفي نفس الشهر، سقط “محمد وهدان” في قبضة الأمن، واضطر عزت لأن يهرب مجددًا ويختفي تمامًا عن الساحة حتى أكتوبر 2015، والذي شهد إصدار قرارات بفصل عدد من قيادات اللجنة الإدارية العليا، وتكليف محمد عبد الرحمن عضو مكتب الإرشاد بتشكيل لجنة إدارية ثانية تحت قيادته.

نجح “عزت” في إبعاد معارضيه، وكمن في “سرداب” يدير منه شؤون الجماعة بمعاونة محمد عبد الرحمن الذي كُلف بإدارة شؤون الجماعة داخل مصر، ومحمود حسين، أمين الجماعة، وإبراهيم منير، نائب مرشد الإخوان، الذين عملا بالتنسيق مع عزت على إدارة التنظيم الدولي، ورفض القائم بعمل المرشد في ذلك الحين 13 طلبًا (6 من قيادات إخوانية بارزة، و4 من أعضاء مجلس شورى الجماعة، و3 من قيادات اللجنة الإدارية الأولى) من قيادت إخوانية للقاءه لحل الأزمة وتسوية الخلاف بينه وبين محمد كمال.

عضو بجماعة الإخوان

من داخل سردابه، أعاد “عزت” هيكلة الدوائر التنظيمية الإخوانية، مستعينًا بعدد من أعضاء مجلس الشورى الإخواني الذين كان يتواصل معهم عبر برامج اتصال مشفرة، كما عمل على قطع الدعم والإعانات الشهرية عن المكاتب الإدارية للإخوان بالمحافظات والتي لم تكن تدين له بالولاء بشكل كامل.

وبحلول عام 2016، استتب الأمر للقائم بعمل مرشد الإخوان، لاسيما بعد مقتل غريمه الأبرز محمد كمال في اشتباك مع قوات الأمن في أكتوبر من نفس العام، ودأب “عزت” منذ ذلك الحين، على إصدار خطابات توجيهية لأفراد الجماعة تحت عنوان: “رسالة المرشد الأسبوعية”.

إبراهيم منير نائب مرشد الإخوان

اختفى صقر التنظيم الإخواني تمامًا داخل مصر منذ عام 2017، وطالب أعضاء اللجنة الإدارية العليا بتبرير اختفاءه بالضرورات الأمنية والتنظيمية لكي تستمر الجماعة بالعمل، بينما راجت شائعات عدة حول وفاته أو تواجده في غزة تارة، وفي تركيا تارة أخرى، وعزز الإخوان هذه الشائعات عبر عدم نفيها.

ومؤخرًا، أشرف محمود عزت على الانتخابات الداخلية التي أجرتها جماعة الإخوان لاستكمال الشواغر في مكتب إرشاد الجماعة، ومجلس شوراها، وهي الانتخابات التي تمت بسرية تامة، كما ذكر إبراهيم منير في حديثه الأخير مع “موقع الجزيرة نت”.

محمود عزت قبل اعتقاله

أمس قررت الأجهزة الأمنية المصرية، محو الهالة التي تحيط بـ “رجل الإخوان القوي” وحسم مادة الشائعات بخصوصه، وتمكنت في نهاية المطاف بعد متابعة ورصد دقيق من قِبَل أحد أجهزتها المعلوماتية؛ من القبض عليه في 28 من أغسطس الجاري، ليعود مجددًا خلف نفس القضبان، التي شهدت بداية رحلته مع جماعة الإخوان.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد سلطان

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram