محمود مختار.. أغثنا

هيثم أبو زيد

كاتب مصري

وصل الشاب الممتلئ بحب الفن إلى باريس، آملًا أن يجد موطئ قدم له في عاصمة النور، بين دهاقين الفن الفرنسيين والقادمين من أرجاء الأرض. لم يكن شاعرًا، ولكنه وضع بيتين يُحدد بهما غايته ومراده، فقال: “أعلل نفسي بالمعاني تخيلًا.. فياليت آمال الخيال تكون.. سأرفع يومًا للفنون لواءها.. ويبقى لذكراها بمصر رنين”.

لم يطل الانتظار، إذ فتحت مدرسة الفنون الجميلة الفرنسية “البوزار” أبوابها لقبول عدد محدود من المتقدمين الذين تجاوزوا المئة، فيتفوق الفتى المصري عليهم جميعًا، ويأتي ترتيبه الأول.

محمود مختار، نحات مصر العظيم، وفرعون الأحجار، وجبار الجرانيت، ورائد المثالين العرب جميعًا، صاحب الأحجار الناطقة، والتماثيل الحية الموحية، أحب الفن، ووهبه عمره، قدّرته بلاده، وسانده الشعب، بعد أن جعل كل أعماله صدى لصوت التاريخ المصري، ووفاء لأجداده من المثّالين الفراعنة العظام.

في قرية طنبارة بالمحلة الكبرى، ولد “محمود مختار” عام 1891 ليواجه أوضاعًا أسرية غير مستقرة، اضطرته للانتقال إلى قرية نشا قرب المنصورة ليعيش مع جدته لأمه، لكن يبدو أن الفتى أدار ظهره لكل هذه المصاعب، فكان يقضي جل وقته على شاطئ الترعة، مستخدمًا الطين في تكوين تماثيل تصور مشاهد القرية المصرية.

وتجبر الظروف المرضية الأم على الانتقال إلى القاهرة للعلاج، ويطلب “مختار” أن يلحق بها، أقاربه يرفضون، فيقرر الهرب بمفرده، لكن خاله قابله، ورق لحاله، فاصطحبه إلى أمه التي كانت تقيم قرب حي عابدين، حيث التحق بالمدرسة الابتدائية، وبعد عدة سنوات، تفتح مدرسة الفنون الجميلة أبوابها بحي درب الجماميز قرب منزله، فيكون أول المتقدمين، وتكون المدرسة أول خطواته العملية على طريق الفن، لا سيما بعد أن لاقي تشجيعًا كبيرًا من أستاذه النحات الفرنسي مسيو “جيو لابلاتي” ناظر المدرسة. كان “مختار” قادرًا على تنفيذ أي فكرة تخطر بباله، فكتب “لابلاتي” تقريرًا عن نبوغه وتفوقه، ورفعه للأمير “يوسف كمال” مؤسس المدرسة وراعي الفنون الأول، فوافق الأمير على ابتعاث “مختار” إلى فرنسا للدراسة.

وفي باريس، يحظى “مختار” برعاية واهتمام أستاذه الجديد النحات الفرنسي الشهير “كوتان”، ويتقدم عام 1913 إلى المعرض السنوي للفنانين الفرنسيين بتمثال “عايدة” بطلة أوبرا فيردي، فيقبل التمثال في المعرض، وينال اهتمام الفنانين، وتتحدث عنه الصحف الباريسية، كل ذلك والفتى العبقري لم يتجاوز 21 عامًا!

يعود “مختار” إلى مصر لمعاينة روائع النحت الفرعوني المعروضة بالمتحف المصري، بعد أن رأى بنفسه إشادة كبار أساتذة الفن في فرنسا بالنحت المصري القديم، ثم يعود إلى باريس، ليبدأ مواجهة المصاعب، إذ انقطع عنه راتب الأمير “يوسف كمال” بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى فيضطر “مختار” للعمل شيالًا في مصانع الذخيرة الفرنسية دون أن يتوقف عن الدراسة، إلى أن يلتقي مصادفة بأستاذه “لابلاتي”، الذي يدعوه ليحل محله مديرًا لمتحف “جريفين” للتماثيل الشمعية، فيقبل “مختار” الوظيفة المرموقة، ويستمر بها حتى عام 1919.

مع تصاعد المشاعر الوطنية، وتزامنًا مع الموجة الثورية الهادرة، ولدت في ذهن “مختار” فكرة تمثال نهضة مصر، فعرضها على الوفد المصري الذي زار فرنسا برئاسة “سعد باشا زغلول” لعرض قضية الاستقلال، فلما عاد الوفد إلى القاهرة نشر أعضاؤه فكرة التمثال في الأوساط السياسية والثقافية والفنية، فلاقت ترحيبًا كبيرًا.

ويقرر “مختار” العودة إلى مصر عام 1920، ليجد تأييدًا شعبيًا واسعًا جدًّا متمثلًا في دعوة للاكتتاب العام لإقامة تمثاله المنتظر، بعد أن توالت مقالات كبار الكتاب من أئمة الفكر والأدب تشيد بمختار وفنه وفكرة تمثاله، ومن بين هؤلاء الكتاب: مجد الدين حفني ناصف، ومحمد حسين هيكل، ومصطفى صادق الرافعي، ومي زيادة، وإبراهيم عبدالقادر المازني، كما نظم كبار الشعراء قصائدهم، وعلى رأسهم: أحمد شوقي، وخليل مطران.

ويقرر “مختار” تنفيذ تمثاله بحجر الجرانيت المجلوب من محاجر أسوان، سيرًا على نهج التماثيل الفرعونية العظيمة، وتشكلت لجنة حكومية استطاعت أن تجمع 6500 جنيه، ثم طلبت من الحكومة إقامة التمثال في ميدان “باب الحديد” ليكون في وجه القادمين والمغادرين للقاهرة بالقطار.

استمرت جهود “مختار” في نشر الفن، والتشجيع عليه، وأشاد بأعماله كبار النحاتين في العالم، ونقلت كبريات الصحف أنباء تماثيله ومعارضه، ورأى فيه قادة الفكر والرأي أنه الأب والرائد لحركة الارتقاء بالفن في المجتمع المصري، يقول عنه “طه حسين”: لقد كان ظاهرة فذة، وكان حدثًا معجزًا أثار إعجابنا دون أن ندرك له تفسيرًا، وكانت هذه الفجاءة وتلك الدهشة التي صاحبت ظهوره هي التي جعلتنا نسميه جميعًا “النابغة”.

نفتقد في مصر الآن تلك الروح التي أحياها “مختار” في تماثيله، واستنطق بها أحجاره، بعد أن أوجد الاستسهالُ والمحاباة مساحات يرتع فيها القبح، يؤذي الأعين والأنفس، ويفسد الذوق، ويقتل الإحساس بالجمال والإتقان.

والمؤكد أن مصر لم تنضب من المبدعين، وفيها عشرات من النحاتين الممتازين، لهم أعمال تنم عن رؤية وذوق وجهد، لكنهم بحاجة لتسليط الضوء على ما قدّوه بأيديهم من آيات الفن، وما أبدعوه بأناملهم من روائع التماثيل.

لقد رحل “محمود مختار” عام 1934، لكنه أبقى اسمه في الخالدين من أفذاذ النحت في العالم، وترك لشعب مصر ثروة من التماثيل والأعمال التي تمثل مصدر فخر وإعزاز دائم، فـ”نهضة مصر” يقف شامخًا، مذكرًا بقصة ملحمية في الفن والإخلاص والوطنية والعمل الجماعي.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram