رياضة

صانع الألعاب الخفي.. كيف ساهم غياب “فان دايك” في تراجع ليفربول؟

التاريخ: 17 من أكتوبر/تشرين الأول 2020.

 المكان: ملعب جوديسون بارك، معقل نادي إيفرتون.

 الحدث: ديربي الميرسيسايد.

يدخل ليفربول الديربي بهدف الانتقام بعد خسارته المُذلة أمام أستون فيلا.. اهتزت شباك الريدز 7 مرات في مباراة واحدة، وأصبح بذلك أول حامل لقب دوري إنجليزي يخسر بهذه النتيجة منذ 70 سنة، إلا أنه كان ما زال منافساً على عرش البريميرليج آنذاك، وثلاث نقاط أمام غريمه اللدود، إيفرتون، ستجعله ينفرد بالصدارة، وربما تُهوّن من هزيمة المباراة السابقة.

انتهى الديربي، ولم تُشفَ جراح ليفربول، إذ حصل الفريق على نقطة التعادل فقط، ولم يتربع على قمة جدول الترتيب، بل مثلت هذه المباراة نقطة تحوّل مأساوي لكتيبة “يورجن كلوب”، التي تبدو الآن خارج سباق المنافسة تماما، بل ولا تحتل مركزا مُؤهِلاً لدوري الأبطال حتى.. لماذا كانت نقطة تحوّل؟.. لأنها شهدت إصابة “فيرجيل فان دايك“، قائد ليفربول ومدافعه الأبرز، بقطع في الرباط الصليبي، وبالتالي غيابه حتى نهاية الموسم.

فان دايك مع الريدز

ليفربول قبل فان دايك وبعده

في صباح اليوم التالي، كتبت “ميليسا ريدي”، محررة الإندبندنت المتخصصة في شؤون ليفربول، أن الفريق لا يمكن اختصاره في لاعب واحد فقط، لكن “فيرجيل” أثبت أنه أكثر من مجرد لاعب. يبدو هذا الادعاء واقعيا للغاية بمقارنة حالة الريدز قبل وبعد التعاقد مع العملاق الهولندي في يناير/كانون الثاني 2018.

يكفي معرفة أن الفريق استقبل 117 هدفًا خلال 95 مباراة سبقت مجيئه، بعضها جاء نتيجة أخطاء شديدة السذاجة ربما تدفعك للضحك، لكن بعد دخوله لتشكيل ليفربول، لم يستقبل سوى 78 هدفًا فقط، وحافظ على نظافة شباكه 44 مرة خلال نفس عدد المباريات. ليمتلك بذلك أحد أفضل معدلات دقائق اللعب بالنسبة للأهداف التي يستقبلها فريقه، بواقع هدف واحد فقط كل 111 دقيقة.

(إحصائية أفضل معدلات دقائق اللعب بالنسبة للأهداف التي يستقبلها الفريق. المصدر: موقع BBC.com.)

تبدو تلك الصلابة الدفاعية التي أضافها “فان دايك” أكثر وضوحا بالنظر لأسلوب لعب ليفربول، وفي مستوى آخر من الإحصاءات الفردية، حيث يفضل “كلوب” الاعتماد على أسلوب لعب يسمى “Gegen-Pressing”، يقوم على الضغط العالي ومحاصرة الخصم في مناطقه.

وهذا يتطلب خط دفاع متقدم بالقرب من وسط الملعب، وليس متمترسا حول مرماه، وهو ما يُعرّض مدافعي ليفربول لهجمات مرتدة في مساحات شاسعة، وكذلك كرات هوائية يرسلها الخصم بهدف تفادي خطوط ضغط الريدز.

هنا تبرز أهمية فيرجيل فان دايك الكبرى لخط دفاع حامل اللقب، حيث لعب دور حائط الصد أمام خصوم الريدز، مستغلا في ذلك سرعته وقوته البدنية الهائلة، ليصبح أكثر لاعب داخل إنجلترا يفوز بثنائيات مع الخصم على مدار موسمين ونصف بنسبة نجاح فاقت 74% من إجمالي تدخلاته.

ماذا عن الالتحامات الهوائية؟..

إن كنت مشجعا لليفربول، فأنت تعرف أنها تحديدا كانت كابوس الفريق قبل التعاقد مع فيرجيل فان دايك، وتعرف أيضا أنه جاء لينهي هذا الكابوس تماما، إذ فاز بالكرة في 622 صراعا هوائيا عبر مشاركاته مع الريدز، وهو الرقم الأعلى بين لاعبي الدوري الإنجليزي خلال تلك الفترة.

أضِف إلى كل ما سبق أمورا لا يمكن قياسها بالأرقام، أولها دوره في قيادة الفريق من الخلف، وتنظيم خط الدفاع بتوجيه زميله في المحور وزميليه على الأطراف: “أرنولد”، و”روبرتسون”، حتى أصبح وجود فيرجيل فان دايك مصدر ثقة حقيقيا، وعاملا حاسما في طريق الفريق نحو التتويج البطولات، لذلك كان أكثر من مجرد لاعب كما وصفت “ريدي” بعد سويعات من إصاباته.

 

دفاع دون فان دايك

مر على إصابة الهولندي أكثر من 140 يوما، حيث بات وضع دفاع ليفربول مع استمرار غيابه سيئا للغاية، وازداد سوءا مع إصابة الثنائي الآخر “جو جوميز”، و”جويل ماتيب”، حتى أصبح الريدز مستباحا في عقر داره: الأنفيلد، بعدما كان قلعته الحصينة التي يعجز أكثر المنافسين على التسجيل فيها.

أول ما يمكن ملاحظته في هذا السياق أن الفريق لم يعد بهذا التنظيم الدفاعي الذي عُرف عنه، ويظهر ذلك جليا مع رقابة الخصم، والتمركز لإيقاف الهجمات، وكذلك القوة في استخلاص الكرة.

تؤكد الإحصاءات هذا الزعم، إذ تقول إن نسبة العرقلات الناجحة (Tackles won) تراجعت بشدة من 81% مع فيرجيل فان دايك، إلى 72.2% فقط مع لاعبي قلب دفاع ليفربول بالدوري هذا الموسم.

ليس هذا وحسب، فالأمر يبدو أكثر دلالة في الصراعات الهوائية، حيث انخفضت نسبة فوز محور دفاع الريدز من 75% بسبب قدرات فيرجيل فان دايك على الفوز بها، إلى أقل من 63% في غيابه.

بعض هذه الكرات الطولية تحولت إلى هجمات خطيرة على مرمى “أليسون بيكر”، وبعضها الآخر تحول إلى أهداف من كرات لم تشكل مثيلتها هذه الخطورة خلال الموسمين الماضيين أبدا.

(مقارنة إحصائية بين نسبة فوز فيرجيل بالكرات الهوائية و العرقلات، وبين نسب باقي مدافعي ليفربول خلال هذا الموسم. المصدر: موقع thetimes.com)

نتيجة كل ذلك لم يعد الوصول لمرمى ليفربول صعباً، بل تجرأ الخصوم على تهديده أكثر من مرة بالضغط على نقاط ضعفه المتمثلة في وجود مدافعين شبان بلا خبرة كـ”ريس ويليامز” و”ناثانيال فيليبس”، أو عدم وجود مدافعين من الأساس والاستعانة بـ”فابينيو” و”جوردان هيندرسون”.

فابينو في الريدز

لكل هذا، ستكتشف أن معدل الأهداف التي استقبلها ليفربول هذا الموسم بالدوري مرتفع جدا، بل إنه المعدل الأعلى منذ بداية حقبة “يورجن كلوب”، إذ وصل لنحو 0.85 هدف في المباراة الواحدة.

وإذا كان معدل استقبال الأهداف لا يعد معيارا دقيقا للحكم على تنظيم الفريق الدفاعي، فإن علينا النظر لنمط إحصائي مختلف يسمى “الأهداف المتوقع استقبالها” (xGA-Expected goals against)، فتشير هذه الإحصائية لجودة الفرص التي يصنعها الخصوم في مواجهة دفاع الفريق خلال الموسم، بغض النظر هل تحولت الفرصة لهدف أم لم لا، سواء بسبب إجادة حارس المرمى أو سوء تصرف المهاجم.

وهنا نلاحظ أن الأهداف المتوقع تسجيلها في شباك ليفربول وصلت إلى 23.17 هدف خلال 27 لقاءً فقط هذا الموسم، بينما كانت هذه النسبة 20.78 و21.75 خلال 38 مباراة كاملة موسمي 2018/2019 و2017/2018 على التوالي.. أي حين كان فيرجيل فان دايك يعيش أفضل حالاته، وهو يقود وينظم خط دفاع ليفربول بكفاءة منقطعة النظير.

فيرجيل فان دايك ومحمد صلاح

صانع ألعاب خفي

يبدو واضحا الآن مدى تأثير غياب الهولندي على المنظومة الدفاعية، لكن هذا التأثير لا يتوقف هنا وحسب، بل يمتد ليشمل الجانب الهجومي كذلك، إذ كان فيرجيل فان دايك يقوم بمهمتين هجوميتين، الأولى تبدو واضحة ومباشرة للمتابعين، والثانية لا ينتبه لها الكثيرون على الرغم من أنها لا تقل خطورة.

ربما تكون خمنت المهمة الأولى، وهي تتعلق بقدرة قائد ليفربول على تسجيل الأهداف، وذلك من خلال صعوده لمنطقة جزاء الخصم أثناء الكرات الثابتة والركنية، مستغلاً طوله الفارع الذي يتجاوز 190 سم، ليفوز بالكرات الهوائية ثم يوجهها نحو مرمى الخصم.

وسجّل فيرجيل فان دايك بهذه الطريقة 10 أهداف خلال مسيرته مع الريدز في الدوري ليكون بذلك أحد أكثر لاعبي خط الدفاع تسجيلاً للأهداف عبر موسمين.

(مدافعو الدوري الإنجليزي الأكثر تسجيلًا للأهداف منذ يناير 2018. المصدر: موقع BBC.com)

ماذا عن المهمة الثانية؟

لا تتعلق هذه المهمة بتسجيل الأهداف، ولكن بصناعة اللعب، وهنا يسلط الضوء غالبا على اللاعب الذي يخلق الفرصة، وزميله الذي يحوّلها لهدف، لكن الأمر ليس بتلك البساطة، إذ تمر أي فرصة بأكثر من مرحلة: أولها كيفية خروج الهجمة من مناطق الفريق بتدرج وسلاسة، حتى تصل إلى نصف ملعب الخصم في موقع يسمح بتهديده.

وهنا لا يبدو فيرجيل فان دايك جيدا في القيام بهذه المهمة وحسب، بل أحد أفضل مدافعي العالم في تأديتها.

يستغل الهولندي قدرته على التحكُّم بالكرة مهما تعرَّض لضغط من المهاجمين، ليتمكن من إرسال تمريرات دقيقة لزملائه في نصف ملعب الخصم، وهو بذلك يحرر الثنائي: “أرنولد” و”روبرتسون”، فينطلقان على امتداد خط الملعب لخلق الفرص الخطيرة، كما يوفر على لاعب الارتكاز مهمة الصعود بالهجمة، فلا يتراجع لمناطق الريدز لتسلم الكرة، إنما يترك لفيرجيل فان دايك مسؤولية تمريرها، ﻷنه يفعل ذلك بأفضل صورة ممكنة.

تابعت شركة Driblab، التي تشتغل بإحصاءات وبيانات كرة القدم، تمريرات فيرجيل فان دايك، ووجدت أنه أفضل لاعبي “يورجن كلوب” حين يأتي الأمر للتمرير.

محمد صلاح وساديو ماني

ليس لأنه يمتلك دقة تمرير لم تقل عن 90% خلال كل مواسمه مع الريدز وحسب، ولكن ﻷنه أكثر من يرسل تمريرات طويلة دقيقة في فريقه.

ووفقا لبيانات الشركة، وصلت دقة تمريراته الطويلة لقرابة 60%، لتجد هذه التمريرات طريقها نحو “أرنولد” و”روبرتسون”، أو “صلاح” و”ماني”، في مواقع تسمح لهم بخلق موقف هجومي خطير لليفربول.

الأكثر إثارة من ذلك، هو أن الشركة قامت برصد تمريرات فيرجيل فان دايك التي وصلت لثلث الملعب الهجومي، حيث جاوزت دقتها 61% من إجمالي محاولاته، بمعنى أنه يرسل تمريرة تتجاوز ما يزيد على 50-60 ياردة، فتصل بنجاح لمهاجمي الفريق ومن ثم يتوجهون نحو مرمى الخصم مباشرة.

أليس هذا مذهلًا؟.. طبعًا هو كذلك، وإليك هدف ساديو ماني في شباك بايرن ميونخ في الموسم قبل السابق، كان من صناعة تمريرة متقنة من الهولندي العملاق.

بهذا المعنى، يبدو فيرجيل فان دايك صانع ألعاب خفيا قادرا على كسر خطوط الخصم بتمريرة واحدة، وكذلك منح القدرة لزملائه على التموضع هجوميا بصورة ممتازة، لأنه لا يعاني في التمرير أينما أراد، ولذلك حين قامت Driblab برسم خريطة لتمريراته الطويلة الناجحة عبر العامين الأخيرين، بدت شديدة الكثافة والازدحام، وكأنه يطلق سهاما عبر الملعب، كل سهم يتحول إلى هجمة خطيرة في أغلب الأحوال.

(خريطة لتمريرات فان دايك الطويلة خلال العامين الأخيرين. المصدر: Driblab)

هجوم دون فان دايك

بغياب فيرجيل، فان دايك لا يبدو أن هجوم ليفربول، وتحديدا منظومة صناعة اللعب، تعيش أفضل أيامها.

يكفي التراجع الحاد الذي أصاب مستوى الظهيرين، وكذلك لاعبي وسط الملعب، وهناك أسباب كثيرة أدت لهذا التراجع، أحدها إصابة فيرجيل فان دايك بالطبع.

جوردان هيندرسون

مبدئيا، فقد الريدز بغيابه ميزة المدافع الهدّاف، وإذا طالعت أرقام كل من شَغَل مركز قلب الدفاع بعده، ستكتشف أن جميعهم لم يسجل أي أهداف، باستثناء “جوردان هيندرسون” صاحب الهدف الوحيد.. على أي حال، لم يكن هذا هو التأثير السلبي الأكبر.

المشكلة الأبرز تمثّلت في غياب جودة التمريرات التي تميّز بها فيرجيل فان دايك: التمريرات الطويلة تحديدا، التي تنقل الهجمة دون الحاجة لاستهلاك الوقت، وتراجع اللاعبين لمناطق ليفربول.

تظهر المشكلة بوضوح من خلال الإحصاءات، التي تؤكد تراجع دقة تلك التمريرات حتى وصلت لأقل من 50% هذا الموسم، بعدما اقتربت من 60% مع فيرجيل فان دايك.

هذا التراجع أصاب أيضا دقة تمريرات مدافعي الريدز لثلث الملعب الأخير، من 61.4% إلى أقل من 60% دون وجوده.

(مقارنة إحصائية بين دقة تمريرات فيرجيل الطولية، وبين دقة تمريرات باقي مدافعي ليفربول خلال هذا الموسم. المصدر: موقع thetimes.com)

طبعا كان لهذا التراجع تبعات سلبية، لاحظها “جوناثان نورثكروفت”، محلل صحيفة التايمز، الذي ربط غياب مدافع ليفربول بالأداء المخيب الذي ظهر عليه “ترنت أرنولد” هذا الموسم، حيث اعتاد في السابق على التقدم لاستقبال هذه التمريرات العابرة، ثم التعاون مع زميله “جوردان هيندرسون” قبل أن يقوم بعرضياته المتقنة.

الآن لم تعد التمريرات بمثل الجودة التي كانت عليه، بل احتاج “ترنت أرنولد” إلى التراجع أحيانا للإسهام في الخروج بالكرة، بينما  ترك زميله “جوردان هيندرسون” وسط الملعب وعاد للدفاع، لمحاولة سد الثغرة الكبرى التي صنعها غياب فيرجيل فان دايك، ليؤدي كل ذلك لتراجع التمريرات المفتاحية (Key-passes) الخاصة بالظهير الإنجليزي لنحو 30%، لذلك ربما ينتظر “ترنت أرنولد” اليوم الذي يعود فيه فيرجيل فان دايك، تماما كما يفعل أي مشجع لليفربول.

أحمد توفيق كمال

كاتب رياضي متخصص في كرة القدم الأوروبية والعالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى