سياسة

مخابرات إيران.. سيرة الصراع لجنود “إمام الزمان” المجهولين

على مدار السنوات الماضية، مُنيت مخابرات إيران بهزائم وانتكاسات عديدة، جعلت قدرتها على حماية الأمن القومي الإيراني موضع تساؤل كبير، لا سيما بعد فشلها في تحصين منشآت البلاد النووية، وآخرها مفاعل نطنز الذي استُهدف في أبريل الماضي.

فضلا عن اغتيال عدد من أبرز قادتها بما في ذلك اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس، خلال زيارة سرية للعراق، وعلماء البرنامج النووي كمحسن فخري زاده، إضافةً للفشل الواضح الذي رافق عملياتها الخارجية كمحاولة استهداف السفارة الإمارتية في العاصمة الإثيوبية والقبض على دبلوماسيين إيرانيين وتقديمهم للمحاكمة بعد تورطهم في عملية فاشلة لاستهداف أعضاء بحركة “مجاهدي خلق” المناهضة لنظام طهران.

ولم تكن إخفاقات الاستخبارات الإيرانية -التي سماها قائد الثورة الإيرانية روح الله الخميني بـ”جنود إمام الزمان المجهولين”- مجرد نتيجة لحالة صراع وحرب دائرة بينها وبين الأجهزة الاستخبارية المعادية لطهران، بل تجسيد لجملة من العوامل منها الوضع الداخلي المعقد وحالة صراع الأجنحة داخل نظام الولي الفقيه.

تأسيس مخابرات إيران بمساعدة الأعداء

ويكشف النظر لتاريخ أجهزة الاستخبارات الإيرانية أن بناءها الحالي تم على أساس القواعد الأمريكية والإسرائيلية، إذ تأسس جهاز الاستخبارات الإيراني الحالي (SAVAMA)، كامتداد لجهاز الاستخبارات إبان فترة الشاه محمد رضا بهلوي (SAVAK)، الذي تأسس، وقتها، بمساعدة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) والاستخبارات الإسرائيلية (الموساد).

شعار جهاز الاستخبارات الإيراني
شعار جهاز الاستخبارات الإيراني savak

وعقب الثورة الخمينية في 1979، أصبحت مخابرات إيران مكلفة بحفظ الأمن الداخلي بجانب العمليات الخارجية والسعي لتصدير الثورة للدول الأخرى، ولهذا تولى رئاستها رجال دين/ معممون، آخرهم محمد علوي، الرئيس الحالي للجهاز، كما جرى تأسيس عدة أجهزة استخبارية أخرى ليبلغ العدد الإجمالي 16 جهازًا أبرزها (استخبارات الحرس الثوري، واستخبارات الباسيج، واستخبارات الجيش، واستخبارت مكتب المرشد الإيراني، ووزارة الاستخبارات المعروفة بـ”اطلاعات”، التي تضم نحو 30 ألف عنصر استخباراتي، والمسؤولة عن تنسيق العمل بين الأجهزة الاستخبارية المختلفة، فضلًا عن توظيف الأجهزة الاستخبارية التابعة لوكلاء طهران كجهاز الأمن والاستخبارات الخاص بـ”حزب الله” اللبناني أو الحشد الشعبي العراقي.

إقرأ أيضًا: حديد ونار.. وأذرع طوال.. روافع الدولة العميقة في إيران

وللأسباب السابقة، اعتبر المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي في خطاب له بمناسبة تأسيس جهاز الاستخبارات الايراني، في مارس الماضي، أن “وزارة الاستخبارات قدمت خدمات جليلة للثورة بجهود قوى مخلصة وملتزمة ومحترفة ورحيمة وثورية، وهي الآن القاعدة الكبرى للنضال والجهاد في مجال حرب المعلومات”.

المرشد الإيراني علي خامنئي
المرشد الإيراني

فيما وصفها المدير العام للاستخبارات في محافظة كرمان “كوثري”- اكتفت وسائل الإعلام الإيرانية بذكر اسمه الأول فقط- بـ”جنود مجهولين لإمام الزمان، وعيون وآذان وفكر النظام المسؤولة عن حماية قيم الثورة الإسلامية وولاية الفقيه، ومواجهة الجماعات الإرهابية، والمنشقين والمعارضين، والتعرف على الجواسيس، وشبكات التجسس..”.

فشل عملياتي لمخابرات إيران

التصريحات الدعائية لقادة النظام الإيراني لم تخفِ حقيقة الفشل الأمني الذي حول إيران لـ”جنة الجواسيس” على حد تعبير “علي رضا زكاني”، رئيس مركز البحوث البرلمانية في إيران والنائب في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان).

ويرى خبراء أن فشل الاستخبارات الإيرانية مرتبط بعوامل، منها غياب التقنيات والوسائل الاستخبارية المتقدمة داخل أجهزة الاستخبارات الإيرانية، ورفضها التعاون أو التبادل الاستخباري مع الأجهزة الأجنبية، وهو ما جعلها تواجه تفوقًا استخباريًا أجنبيًا يصعب احتواؤه، علاوة على تعرضها لهجمات استخبارية قوية في الداخل، كعملية (عماد) التي شنتها إسرئيل عام 2018، وتمكنت بها من سرقة الأرشيف النووي الإيراني، والاستحواذ على 110 آلاف وثيقة، تخص البرنامج النووي والعاملين فيه، إضافةً للهجمات الاستخبارية المستمرة على منشآتها النووية.

علي خامنئي مع قاسم سليماني
علي خامنئي مع قاسم سليماني

للمزيد: التغيير السياسي في إيران: متى يفقد النظام القدرة على الصمود؟

ومن الواضح أن البيئة التي تعمل فيها الاستخبارات -والتي تشمل الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية- والمحدودية النسبية لقدرات الاستخبارات الإيرانية، فضلًا عن تعدد الأجهزة الاستخباراتية، وتعدد الولاءات السياسية، أدت لوجود صراع داخلي مستمر في أروقة الأجهزة الإيرانية.

صراع ولاءات في مخابرات إيران

ويعد هذا الصراع سمة مميزة للاستخبارات الإيرانية منذ تأسيسها -على حد تعبير الجنرال روبرت إرنست هويسر آخر مبعوث خاص للرئيس الأمريكي جيمي كارتر للإمبراطورية الإيرانية- فعلى سبيل المثال، كان اللواء فاردست أول مدير لجهاز (SAVAMA) عميلًا سوفييتيا، وجرى اعتقاله في ديسمبر 1985، وبالتالي بدأت حقبة الصراع بين التيارت اليسارية والخمينية داخل الأجهزة الإيرانية.

وفي تلك الفترة، طُلب من بعض ضباط الاستخبارات و”سافاك” من ذوي الرتب المنخفضة ومسؤولي استخبارات الجيش العودة إلى الخدمة الحكومية -رغم عدم الثقة بهم لكونهم خدموا في ظل حكم الشاه- بسبب معرفتهم المتخصصة باليسار الإيراني.

وزارة الاستخبارات والأمن القومي (إطلاعات)
وزارة الاستخبارات والأمن القومي (إطلاعات)

وبحسب محمد محمدی رشهري، أول وزير لوزارة الاستخبارات فإن واحدة من أبرز المشكلات التي واجهتها الاستخبارات الإيرانية كانت اختلاف الميول السياسية لأجهزة الاستخبارات.

وبموجب القانون، فإنه يحظر على عملاء وزارة الاستخبارات الانتماء لأي أحزاب أو مجموعات سياسية، خصوصًا أن أولئك الذين عملوا في وكالات استخبارات مختلفة كان لديهم ميول وأذواق سياسية مختلفة، ولم يكن من السهل عليهم العمل معًا بشكل مركزي في وزارة الاستخبارات.

إقرأ أيضًا: اغتيال مُسلم شهدان: هل تتحمل إيران 50 يومًا من تهوُّر”ترامب”؟

ونتيجة الصراع واختلاف الميول السياسية شهدت وزارة الاستخبارات الإيرانية 3 موجات متتالية من عمليات التطهير، أولها في ظل رئاسة علي فلاحيان لوزارة الاستخبارات والأمن القومي (1989: 1997)، خلال فترة رئاسة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، والتي نجح فيها تيار الصقور/ المتشددين في السيطرة بشكل كبير على مفاصل الوزارة.

بينما بدأت المرحلة الثانية في عام 1998 بعد نشر الإذاعة والتليفزيون الإيراني بيانًا إخباريًا نُسبت فيه عمليات اغتيال وتصفية نشطاء سياسيين في أواخر هذا العام إلى عناصر من الاستخبارات الإيرانية.

شعارات الأجهزة الاستخبارية في إيران
شعارات الأجهزة الاستخبارية في إيران

وأدى نشر البيان إلى خروج الصراع بين تيارات الاستخبارات الإيرانية إلى العلن للمرة الأولى منذ تأسيس وزارة “اطلاعات”، وعندها جرى استبعاد العديد من عناصر الاستخبارات المحسوبة على التيار الإصلاحي، كما تمت مقاضاة 23 شخصًا واستدعاء 330 كمخبرين وشهود، وفقًا لتصريحات سابقة لـ”محمد نيازي”، قائد القوات المسلحة ومسؤول التحقيق في عمليات اغتيال النشطاء السياسيين وقتها.

ونتيجةً للصراعات الداخلية تراجع أداء وزارة الاستخبارات الإيرانية وانخفض ثقلها في مقابل صعود وبروز مؤسسات استخبارية أخرى، على رأسها استخبارات الحرس الثوري، وحتى في ظل “الفضائح الاستخبارية” لم تتوقف الصراعات داخل أروقة الوزارة التي شهدت موجة ثالثة من التغييرات بين عامي 2009 و2011.

أزمة بين الرئاسة والمرجعية العليا

وخلال تلك الفترة، فصل “محمود أحمدي نجاد” وزير الاستخبارات والأمن القومي “غلام حسين محسني إجعي” من منصبه ثم أجبر “حيدر مصلحي” على الاستقالة، وأقال “نجاد” كذلك العديد من نواب/ وكلاء الوزارة، وسببت هذه التغييرات خلافًا كبيرًا بين “نجاد” وبين “المرشد الإيراني”، أدى في النهاية للإطاحة بالرئيس الأسبق.

ووقتها، كتب حسن يونسي، نجل وزير الاستخبارات آنذاك، مذكرة قصيرة تشرح كواليس عمليات التغيير في الاستخبارات الإيرانية، مبينًا أن التصفيات التي تمت شابتها دوافع ومصالح سياسية غير مسبوقة، إذ إن الرئيس أحمدي نجاد قام بتغيير العديد من نواب الوزارة بعد إقالة غلام حسين محسني إجائي، مستهدفًا من تلك التغيرات تأسيس منظمة أمنية واستخبارية موازية على ولاء له.

أحمدي نجاد
أحمدي نجاد

وفي خضم تلك الأزمة، شكل المرشد علي خامنئي هيكلًا جديدًا للاستخبارات ضم سبعة أقسام استخبارية وأمنية منفصلة، بما في ذلك مكتب الاستخبارات الشخصي لخامنئي، المعروف باسم القسم 101، ومديرية الأمن الداخلي في وزارة الاستخبارات والأمن، ومديرية الأمن التابعة لقوات الباسيج شبه العسكرية، ووحدة الأمن السيبراني لإحكام السيطرة على زمام الأمور في إيران، التي شهدت احتجاجات عرفت بالثورة الخضراء على ممارسات نظام الولي الفقيه في 2009.

روحاني وفصل جديد في منافسة المخابرات

بحلول عام 2013، والذي شهد انتخاب الرئيس الحالي حسن روحاني، دخل الصراع الاستخباري في إيران طورًا جديدًا، فالرئيس الإيراني اختار بنفسه وزيرًا لوزارة الأمن والاستخبارات، وقاد حملة تغييرات داخلها، بينما تعالت أصوات قادة مخضرمين للوزارة، منهم سعيد حجاريان، أحد مؤسسي “اطلاعات” تطالب بإجراء إصلاحات جذرية داخلها.

وأدت تلك التغييرات إلى جعل وزارة الاستخبارات متوافقة تمامًا مع سياسات “حكومة روحاني”، رغم أنها لم تستطع أن تكون بنفس قدرة وفاعلية جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني الذي عزز موقعه داخل بنية الأجهزة الاستخبارية الإيرانية، على مدار عقود، مستغلًا حالة الصراع داخل وزارة “اطلاعات”.

الحكم في إيران
حسن روحاني

منذ أواخر التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تعززت مكانة الحرس الثوري الاستخباري على حساب وزارة الاستخبارات، بفعل عمليات التطهير والتغيير المستمرة داخل الوزارة وصعود المتشددين على حساب التيارات الأخرى داخل جهاز الاستخبارات الإيراني.

خبير: صراع الاستخبارات الإيرانية مرتبط بتعدد الأجهزة

ويوضح الدكتور فراس الياس، الخبير في شؤون الأمن القومي والدراسات الإيرانية، أن الصراع داخل أجهزة الاستخبارات الإيرانية مرتبط بكونها تعمل وفق فلسفة خاصة تعتمد على التنوع والتعددية في الإدارة والهيكلية والمهمات، فهي لا تتبع جهة تنفيذية واحدة، وإنما ترتبط بعدة أجهزة، فهناك أجهزة استخبارية ترتبط بالحكومة الإيرانية، وثانية تتبع الحرس الثوري، وثالثة لمكتب المرشد الأعلى الإيراني، وهذا التنوع في الإدارة، جعلها تتنوع في أداء مهامها بالداخل والخارج، بين مكافحة الاستخبارات المضادة أو ملاحقة المعارضين.

فراس إلياس أستاذ العلوم السياسية
فراس إلياس أستاذ العلوم السياسية

ويضيف “إلياس” لـ”ذات مصر” أن إحدى أبرز نقاط الضعف التي تعتري منظومة مخابرات إيران هي التداخل والتقاطع في أداء الوظيفة الاستخبارية، مما أنتج بدوره حالة خلاف داخلي بين الأجهزة الاستخبارية، كما الحال بالعلاقة التي تحكم وزارة الاستخبارات والأمن الوطني وجهاز استخبارات الحرس الثوري، بحيث تعتبر خاصية الشك هي المتحكمة بالعلاقة بين الجانبين، باستثناء مستوى القضايا أو المهمات الخارجية، أو حتى في طريقة متابعة الأجهزة الاستخبارية الأجنبية العاملة داخل إيران، فضلًا عن التعاطي مع الإيرانيين من ذوي الجنسية المزدوجة الذين اعتقل العديد منهم، خلال السنوات الماضية، بتهمة التجسس لصالح دول أخرى.

مشكلة مزدوجي الجنسية

ويتابع الخبير في الشأن الإيراني: “أحد أبرز الإشكالات التي يواجهها النظام الإيراني هي التعاطي مع مزدوجي الجنسية في الداخل، أو الإيرانيين من القوميات الأخرى، فرغم توظيف بعضهم في إطار السياسة الخارجية لطهران، واختيارهم كمفاوضين ضمن مفاوضات الملف النووي، فإن الاستخبارات الإيرانية اتهمت عددًا منهم بالتجسس لصالح الأطراف الأخرى في الاتفاق النووي، ما أدى إلى هرب الكثيرين للخارج، ويشكّل السجناء مزدوجو الجنسية معظم السجناء الأجانب المحكوم عليهم بتهم أمنية وتجسسية، لكن السلطات الإيرانية لا تعتبرهم “أجانب”، لأنها لا تعترف بالجنسية الثانية لمواطنيها.

مستقبل الصراع

في نفس السياق، يمكن اعتبار أن استراتيجية الانخراط الإيراني في المنطقة تفرض على أجهزة طهران الاستخبارية التكيف مع التحديات التي تواجهها.

ويقول الدكتور فراس إلياس إن النظام الإيراني نجح سابقًا في استيعاب الضربات التي وجههات له والخروج من التحديات الصعبة رغم الصراع الدائر في أروقته الاستخبارية عبر التماسك والتغيير ومحاولة التكيف مع المتغيرات والتعلم من أخطائه، مضيفًا أن هذا يعطي تصورا واضحا لكيفية تعامل النظام الإيراني مع الخروقات الاستخبارية التي يواجها، فعبر فلسفة الصمود نجح النظام الإيراني في تحويل أغلب الهزائم إلى انتصارات في عيون مناصريه، وهي استراتيجية عمل وجد النظام الإيراني نفسه مجبرا على التعامل بها في الداخل والخارج، في ضوء غياب الخيارات الأخرى أمامه.

علي رجب

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى