مخاطر استغلال العاطفة الدينية

د. إبراهيم نجم

مستشار مفتي الجمهورية

لا شك أن العاطفة الدينية أمر طيب ومرغوب فيه، فلا خير في قلب لا ينبض بالإيمان والحب لله تعالى، لكن الأمر الخطير أن يترك الإنسان نفسه للعاطفة الدينية دون علم أو عقل أو وعي، فالتسول مثلا وهو من أكبر وأخطر الأمراض الاجتماعية التي تستنزف ثروات الشعوب لم يتنام إلا على ضفاف العاطفة الدينية، وأكثر المتسولين لا يستحقون ما يدفع إليهم من أموال، ولا شك أن التسول فوضى في العطاء وتضييع للأموال، لذلك شرع الله الزكاة والصدقة والوقف بشروطهم المعروفة عند الفقهاء حتى يوضع الشيء في محله، ولما خلق له،وهو عين الحكمة التي قال الله عنها (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)
والملاحظ أن استثارة العاطفة الدينية التي لا تحتاج إلى معلومات صحيحة ولا أخبار دقيقة، قد تدفع الإنسان إلى ارتكاب حماقات باسم الدين وباسم الإسلام فتضره وتودي بحياته قبل أن يكتشف أنه يعيش في الوهم.

وسبب هذا الكلام ما انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي من الترويج إلى اضطهاد مسلمي الإيجور بالصين، وتداول صور وفيديوهات وأخبار عن ذبح وتقطيع وهدم مساجد وغير ذلك من انتهاكات صارخة للمسلمين هناك، وتعالت الأصوات لإنقاذ مسلمي الإيجور وكالعادة الدعوة إلى رفع راية الجهاد ومقاطعة البضائع الصينية.

وأنا لا أريد أن أتناول قضية الإيجور ولا أنوي الخوض فيها، فقد تأكد للجميع أن كلها أكاذيب وأحداث ملفقة، لكن السؤال الذي أريد أن أطرحه الآن إلى متى تستنزف طاقة المسلمين في صراعات دولية بين دول عظمى بينها صراعات اقتصادية وعسكرية ولديها قدرات جبارة؟ إلى متى تفتح للمسلمين في كل جهة من جهات الأرض بؤرة صراع باسم الجهاد واستنقاذ المسلمين، ثم نتكتشف أن الأمر ليس إلا لعبة صراع عسكري وتوازن قوى استهلك فيه بعض المسلمين نتيجة العاطفة التي لا يحدوها علم ولا عقل ولا وعي قبل السعي؟.

وأنا لا أريد أن أتناول قضية الإيجور ولا أنوي الخوض فيها، فقد تأكد للجميع أن كلها أكاذيب وأحداث ملفقة، لكن السؤال الذي أريد أن أطرحه الآن إلى متى تستنزف طاقة المسلمين في صراعات دولية بين دول عظمى بينها صراعات اقتصادية وعسكرية ولديها قدرات جبارة؟ إلى متى تفتح للمسلمين في كل جهة من جهات الأرض بؤرة صراع باسم الجهاد واستنقاذ المسلمين، ثم نتكتشف أن الأمر ليس إلا لعبة صراع عسكري وتوازن قوى استهلك فيه بعض المسلمين نتيجة العاطفة التي لا يحدوها علم ولا عقل ولا وعي قبل السعي؟.

العجيب أن السيناريو أصبح مكررا إلى درجة الملل، من أفغانستان إلى كوسوفو إلى الشيشان إلى سوريا إلى ليبيا إلى غيرها من بؤر الصراع التي استهلكت فيها دماء المسلمين بلا طائل يعود على الإسلام ولا المسلمين،ولا ينتفع به إلا حفنة من الإرهابيين القتلة ترتد عائدة إلى بلدانها فور انتهاء الصراع بمشاريع القتل والإرهاب، وكم عقدت محاكمات عندنا في مصر للعائدين من البؤر المتوترة بمشروعات إرهابية كبيرة تهدف إلى زعزعة الاستقرار وقلب نظام الحكم، فبعض شباب العرب والمسلمين دفعوا دماءهم في بؤر التوتر والصراع والحروب الأهلية ظانين أنهم يجاهدون في سبيل الله تعالى، ثم دفعت بلدانهم ثمن عودة الناجين منهم في صورة تفجيرات ودماء وأشلاء.

ولا شك أن قيادات الجماعات المتطرفة وبخاصة جماعة الإخوان الإرهابية وأبواقها الإعلامية قد لعبت دورا كبيرا في الترويج لمفهوم الجهاد الزائف الذي أصبح محرقة لشباب عاطفي قليل العلم غرر به، ومفرخة لجيل من الشباب أكثر دموية وإرهابا من الذي قبله، والذي نريد أن نؤكد عليه أن الجهاد وهو الدفاع عن النفس والأرض والعرض عمل من أعمال الجيوش لا الأفراد، وهذه الجيوش عندها أجهزة رصد واستخبارات تراقب الأوضاع بدقة، وعندها قضية أخرى وهي تقدير الموقف ومعرفة ما يجري على أرض الواقع بعيدا عن التهويل والتهييج والإثارة وابتزاز المسلمين عاطفيا ودينيا بالشعارات.

ويحدث استغلال العاطفة الدينية في الواقع في مجالات أخرى كلها نوع من الإرهاب الفكري واستغلال لجهل الناس بأمور دينهم، فعلى سبيل المثال في كل نهاية عام ميلادي يستغل هؤلاء العاطفة الدينية في إرهاب الناس من أجل منعهم من الاحتفال برأس السنة الميلادية أو تهنئة إخواننا الأقباط بأعياد الميلاد، زاعمين أن من يهنئ الآخر بمناسبة دينية فإنه يوافقه في معتقده، وهذا ضرب من الجنون والخبل الفكري، فلم يقصد أحد من المسلمين أو المسيحين موافقة الآخر في معتقده لمجرد تهنئته بمناسبة دينية أو عيد.

وقد تستغل العاطفة الدينية في ترهيب الناس من أمور فقهية قال بجوازها أغلب العلماء أو على الأقل هي محل خلاف واجتهاد، مثل كشف وجه المرأة أو الصلاة في المساجد ذات الأضرحة أو التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بأحد من أهل البيت في الدعاء، وهنا تحدث عملية ابتزاز عاطفي بمعنى الكلمة، بمعنى أنهم يقومون بالضغط على الناس عن طريق الترهيب والتخويف من النار إن هو فعل أمرا محل خلاف واجتهاد، وقد يذهب أغلب العلماء إلى إباحته، إن أصحاب هذه العقلية الجامدة الساذجة التي تجهل حقائق الإسلام الكبرى، وتذهب إلى كتب التراث لتجتزئ معاني وعبارات لا تصلح لهذا الزمان، مطلقين لأنفسهم العنان في تكفير المسلم إذا لم يقل بقولهم تحتاج منا جميعا إلى وقفة، أيها السادة الكرام إن الاستغلال العاطفي للحس الديني لدى الناس ومحاولة إخضاعهم وإرهابهم عن طريق التخويف بالنار مسلك غير سوي، والواجب على كل مسلم أن يتأكد من صحة الآراء المتداولة والمنتشرة هنا وهناك وكذلك من صحة الأخبار المروجة، فقد تعمل الجهات المعادية على نشر الأكاذيب والأباطيل لأجل ابتزاز الناس عاطفيا ودفعهم إلى طريق الهلاك، والله غالب على أمره.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram