دراسات وتحليلات

مخالب الفساد السياسي تُعمِّق أزمات العراق

بات الفساد المستشري في هياكل المؤسسات العراقية يمثل ثقافة تقودها الأحزاب المهيمنة على المشهد السياسي هناك، وذلك منذ تبني نظام المحاصصة الطائفية والعرقية بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، وهو ما تمخض عنه نظامًا سياسيًا هشًا، تجسدت أحد أبرز ملامحه في تقاسم الوظائف المختلفة داخل مؤسسات الدولة على النمط الطائفي ذاته، حيث تقوم كل طائفة أو حزب باختيار عناصرها التي تُعيِّنها في المؤسسات المختلفة، ومن ثَمَّ يصبح هؤلاء الموظفين مسئولين أمام الطائفة (أو الحزب) التي عيّنته في وظيفته وليس أمام مديره الفعلي في العمل.

الأمر الذي أفرز تداعيات سلبية على نظام الحكم وتماسك الدولة، يتجاوز تأثيره عمليات الفساد الصغيرة والشخصية، حيث تصبح السلطة في هذه الحالة مُفككة، كما يصعب نجاح أي عملية إصلاح هيكلي في ظل هذه التركيبة القائمة والمتجذرة.

وفي هذا الإطار، نشر معهد “تشاتام هاوس” Chatham House (المعهد الملكي للشئون الخارجية) دراسة للباحثين “Toby Dodge” أستاذ العلاقات الدولية بمدرسة لندن للإقتصاد والعلوم السياسية، و”Renad Mansour” الباحث بالجامعة الأمريكية في العراق، حيث جاءت الدراسة تحت عنوان الفساد السياسي وعوائق الإصلاح في العراق.

تُرجِع هذه الدراسة قضية الفساد الموجود في العراق إلى ترتيبات تقاسم السلطة العرقية والطائفية بعد عام 2003، حيث استولت الأحزاب السياسية على المؤسسات الرسمية للدولة وعرّضتها للخطر، وتتمثل إحدى السمات الرئيسية لهذا النوع من الفساد في استغلال نموذج “الدرجات الخاصة” من خلال البيروقراطية، حيث تتنافس الأحزاب السياسية على تعيين مسئولين في مناصب عليا في الخدمة المدنية لتحويل موارد الدولة بعد ذلك لأغراضهم الخاصة.

اقرأ أيضًا: حرب الكهرباء.. داعش يواصل خطة الاستنزاف الاقتصادي في العراق

ومن ثَمَّ فعلاقات هؤلاء الموظفين المدنيين برؤساء الأحزاب تجعلهم هم صُنّاع القرار الحقيقيين في الوزارات والوكالات وتُحرِّرهم من أي مساءلة. وبالتالي فبدون فهم حقيقي لديناميكية السلطة داخل النظام العراقي بأكمله، ويعقبه جهد محكم لتفعيل معايير المساءلة في الخدمة المدنية، فإن أي جهود مبذولة لتحقيق إصلاح محلي أو وطني لن تنجح.

الدولة العراقية ما بعد 2003

تم تصميم نظام تقاسم السلطة في العراق للحد من التوترات العرقية والطائفية، لكنها في الواقع شجّعت الفساد من خلال تمكين الأحزاب السياسية والموالين لها من جميع الطوائف والعرقيات للسيطرة على مؤسسات الدولة الرئيسية.

صدام حسين
صدام حسين

وفعلياً، لم تنشأ الأحزاب السياسية التي هيمنت على العراق منذ عام 2003 في أعقاب تغيير النظام العراقي بعد سقوط نظام “صدام حسين”، فقد ظهرت إرهاصات ملامح النظام السياسي الجديد للعراق قبل ذلك بكثير، وذلك عبر سلسلة من الاجتماعات التي عُقدت خلال التسعينيات بين أعضاء المعارضة العراقية، والتي تكونت بالأساس من مزيج من أحزاب المنفى.

وبعد هذه الاجتماعات، اتفقت الأطراف على نظام سياسي جديد يتم تعريفه من خلال تقاسم السلطة على أساس الهوية، والذي أصبح معروفًا في الخطاب الشعبي الأوسع باسم المحاصصة الطائفية، حيث عمدت الأحزاب لترويج فكرة أن هذا النظام سيكون أكثر تمثيلًا للعراق ككل، وقد كانت اللحظة الحاسمة عندما اجتمعت هذه الأحزاب السياسية المنفية سابقًا لتفعيل هذا المفهوم وتشكيل اتفاق النخبة لإدارة العراق في يوليو 2003.

وبناءً على نصيحة المبعوث الأممي الخاص في العراق “سيرجيو فييرا دي ميلو” تم تنظيم مجلس الحكم العراقي (IGC) من قبل سلطة التحالف المؤقتة (CPA) التي قادتها الولايات المتحدة، وقد كان تركيز الأحزاب في هذه المرحلة مُنصبًا على مستوى النخبة، وقد أفرز النظام السياسي الذي أوجدته الأحزاب المسيطرة نظامًا لامركزيًا إلى حد كبير، فقد كان كل وزير في الحكومة بمجرد تعيينه يصبح مدينًا بالولاء ليس للحكومة أو لرئيس الوزراء ولكن لرؤساء الحزب الذين اختاروه لإدارة تلك الوزارة.

تسييس الخدمة المدنية

في ظل النظام السياسي العراقي في مرحلة ما بعد عام 2003، تتضمن عملية تشكيل الحكومة بعد الانتخابات تنافس بين الاحزاب على النفوذ في كل وزارة وعلى الموارد التي يطلبها كل طرف، ويعمل هذا النظام على ضمان مكافأة الأحزاب على مشاركتها في العملية الانتخابية بأن تصبح أعضاء في حكومات الوحدة الوطنية، وهذه الديناميكيات التي وُضعت في الأصل لإضفاء الطابع الديمقراطي على البلاد في أعقاب تغيير النظام، لا تزال تحكم النظام السياسي في العراق حتى الآن.

اقرأ أيضًا: شبكات القوة: كيف تغلغلت قوات الحشد الشعبي داخل الدولة العراقية؟

في السنوات الأولى من وجود هذا النظام، تركّز قدر كبير من الاهتمام السياسي على المناصب القيادية للدولة، فقد تنافست الأحزاب على المناصب الرئاسية الثلاث (رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ورئيس البرلمان) وكذلك على التعيينات الوزارية ورؤساء اللجان القوية، حيث كان التحكم في تعيين وزير معين يعني الهيمنة على السلطة في هذه الوزارة.

لكن، مع مرور الوقت دفعت الأحزاب السياسية العراقية بعملية تسييس مؤسسات الدولة الرسمية إلى البيروقراطية الإدارية، فعبر المؤسسات الحكومية تضع الأحزاب الموالين في مناصب يتمكنون من خلالها خدمة مصالح الحزب قبل مصالح الدولة أو الشعب العراقي، وأحد أبرز المجالات التي أصبحت فيها هذه المنافسة على المناصب العليا في الخدمة المدنية مهمة هي نموذج “الدرجات الخاصة”، إذ هيمن مئات المسئولين في الدرجات الخاصة المُسيَّسة -والمنتشرين في جميع المؤسسات الرسمية للدولة- على الحكومة العراقية.

اليوم، وعلى الرغم من أن بعض الوزراء هم من التكنوقراط المستقلين، بيد أنهم في الواقع غالبًا ما يتصرفون بناءً على طلب موظفي الخدمة المدنية الذين يديرون وزاراتهم، وعلى هذا النحو، يصبح توقيع الوزير على عقد حكومي صادر عن وزارة معينة ليس أكثر من مجرد ختم شكلي، مما يضفي الطابع الرسمي على صفقة يتم إبرامها من قبل مساعدين متحالفين مع أحزاب سياسية معينة، وفوق كل ذلك، يعمل هؤلاء الموظفون المدنيون أحيانًا كنقاط خنق لإيقاف القرارات الوزارية التي لا تتوافق مع مصالح أحزابهم وطوائفهم.

واقع الفساد في الحالة العراقية

يتحمل الفاعلون الدوليون مسئوليتهم الخاصة عن نمو وانتشار الفساد في العراق بعد عام 2003، كما لعبت اتفاقية السلام الشامل دورًا مركزيًا في وضع الإطار الذي كان هذا الفساد قادرًا على الازدهار في إطاره، وقد أدى الاستخدام غير المدروس لتمويل إعادة الإعمار، والرغبة في تحقيق نتائج سريعة بغض النظر عن العواقب طويلة المدى، والإجراءات المحاسبية السيئة، إلى زيادة سريعة في تجاوزات النظام خلال هذه الفترة، فقد خلّفت السلطات الأمريكية عددًا لا يُحصى من الموروثات السلبية.

وبعد ما يقرب من عقدين من الغزو والاحتلال، من الصعب تقدير إجمالي الموارد التي تم إخراجها من خزائن الدولة من خلال هذا الفساد الذي أفرزته المحاصصة الطائفية في العراق، فقد قدّر الرئيس الأسبق للجنة المالية في البرلمان العراقي “أحمد شلبي” في عام 2014، مقدار خسائر بغداد الناتجة عن الفساد بـ 551 مليار دولار خلال فترتي وزارة “المالكي”.

علي علاوي
علي علاوي

وفي الفترة التي سبقت انتخابات 2018، قدّرت هيئة الشفافية البرلمانية العراقية أن ما لا يقل عن 320 مليار دولار قد اختفى من الأموال الحكومية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، كذلك قدّر وزير المالية العراقي الأسبق “علي علاوي” في نهاية ولايته الأولى كوزير للمالية (2005-2006) أن الفساد حوّل ما بين 25 و30 % من ميزانية الحكومة إلى الأحزاب السياسية الحاكمة.

كذلك، كان أحد أبعاد هذا الفساد الهيكلي هو التوسع السريع في رواتب القطاع العام، وقد قدّر “فرانك غونتر” الأكاديمي الأمريكي أنه في عام 2013 كان من بين إجمالي أولئك المدرجين كموظفين حكوميين حوالي 10-25% يعدون موظفين “وهميين”، بمعنى أن أسمائهم فقط مدرجة دون أن يكون لهم وجود حقيقي في الهيكل الوظيفي.

وفي عام 2020، قدّر وزير المالية “علي علاوي” أن عدد الموظفين المدرجين في كشوف المرتبات الحكومية بلغ حوالي 4.5 مليون موظف، منهم 300 ألف موظف غير موجودين بالفعل، وقد سمح هذا الترتيب للمسئولين المتحالفين مع الحزب بتقسيم أجور العمال الوهميين فيما بينهم. ويُضاف لذلك الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية والمتعلق بالعقود، حيث تقوم الوزارات بمنح العقود لرجال الأعمال المقربين إلى الأحزاب السياسية المهيمنة أو وكلائها في الوزارات الحكومية، ويتم بعد ذلك تضخيم التكاليف عمدًا، مع تقسيم الأرباح بين المقاولين والأطراف الأخرى.

التوسع في مُخطط “الدرجات الخاصة”

في الواقع يشير نظام “الدرجات الخاصة” إلى أن السلطة في العراق لا تكمن في المؤسسات الرسمية للدولة والهرمية البيروقراطية، بل إن السلطة السياسية تقع فعليًا على عاتق الأحزاب السياسية والموالين لها.

وتشير “الدرجات الخاصة” إلى “المناصب الحكومية الأدني في الوزارات، والتي يتولاها رؤساء الهيئات والمستشارون ووكلاء الوزارات ورؤساء البعثات ومدراء العامون”، وتمثل الدرجات الخاصة حوالي 5 آلاف مسئول، ومعظم هذه المناصب دبلوماسية (سفراء) أو يشغلها رتب عسكرية رفيعة في قوات الأمن العراقية، كما أن هناك ما يقرب من 1000 من الرتب الخاصة في الحكومة العراقية هم من كبار موظفي الخدمة المدنية الذين يعملون كوكلاء مباشرين للأحزاب السياسية.

ولا تأتي قوة الموظفين في الدرجات الخاصة من أدوارهم الرسمية في الوزارات فحسب، بل تأتي أيضًا بالأساس من الحماية السياسية التي يتلقونها من رعاتهم، وهذا المزيج من التغطية والتأثير على المستوى الأعلى مفيد بشكل خاص عندما يصطدم موظفو الخدمة المدنية في الدرجات الخاصة بالوزراء.

وتعود جذور الاستخدام السياسي لنظام “الدرجات الخاصة” إلى الاضطرابات التي أعقبت تغيير النظام بعد سقوط “صدام حسين”، حيث أعتقد السياسيون العائدون من المنفى الطويل أنهم يواجهون خدمة مدنية تم تسييسها بشدة خلال 35 عامًا من الحكم البعثي، ومن ثَمَّ كانت الخطوة الأولى لمعالجة هذه المشكلة اجتثاث البعث من الخدمة المدنية في العراق، ففي الأسابيع الأربعة الأولى بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، تم فصل 41.324 من موظفي الدولة.

نور المالكي
نور المالكي

لكن، أصبح تسييس الخدمة المدنية أكثر تنظيمًا خلال رئاسة “نوري المالكي” الأولى للوزراء، من 2006 إلى 2010، فقد كانت جميع الأحزاب السياسية الرئيسية تحاول وضع أتباعها في مناصب الخدمة المدنية. أيضاً، سعى “المالكي” إلى إيجاد قنوات أخرى يمكن من خلالها استبعاد الموظفين من الرتب الخاصة غير الموالين، كما اعتمد المالكي على الآليات العسكرية لتعزيز تحركاته ضد الموظفين المدنيين غير الموالين، على غرار حملة Charge of Knights في مارس 2008 في البصرة والتي استخدمها لإزالة الموظفين من الرتب الخاصة.

تداعيات كارثية

لقد أصبح نظام الدرجات الخاصة وسيلة لتوجيه الموارد بشكل فاسد إلى كل حزب سياسي بما يتناسب مع مقدار السلطة التي حصدها في كل انتخابات، ومنذ إنشاء مجلس الحكم العراقي في عام 2003، أجرت البلاد خمس انتخابات وطنية وتشكلت ست حكومات للوحدة الوطنية، ومع ذلك فإن تطور النظام السياسي خلال هذه الفترة لم يقلل من قبضة الأحزاب المهيمنة، بل على العكس من ذلك فقد ازداد تأثير المصالح السياسية للأحزاب في تعيين كبار موظفي الخدمة المدنية، وقد أدى هذا بدوره إلى تعميق التسييس في مؤسسات الدولة العراقية، ولقد أثبت هذا النظام حتى الآن قدرته على تجنب جهود الإصلاح، حتى الضغوط التي أفرزتها مظاهرات 2019 -والتي تعد الأكبر والأكثر استدامة منذ 2003- فشلت في تحقيق إصلاحات مستدامة.

كذلك، تزيد الضغوط الاقتصادية من تحديات الإصلاح، ففي العام الماضي (2020)، تشير التقديرات إلى أن التقلبات في أسعار النفط العالمية وتأثير COVID-19 قد قلّص حجم الاقتصاد العراقي بنسبة 10%، مما دفع الحكومة إلى أزمة ممتدة في ميزان المدفوعات.

وفي مواجهة انخفاض أسعار النفط في عام 2020 والاضطرابات الاجتماعية التي يقودها الشباب، دعا كل من “علاوي” و”الكاظمي” إلى إصلاح جذري وفتح الاقتصاد، ومع ذلك فقد استمروا في مواجهة معارضة أي مبادرة من هذا القبيل من داخل النخبة الحاكمة، على غرار الكتاب الأبيض لعلاوي.

وفي جميع الاحتمالات، فإن الصدام المستمر بين النخب الداخلية لن يؤدي إلى الإصلاح، حيث ستستمر الدولة العراقية في الاقتراض بكثافة، بينما لا تفعل سوى القليل لمعالجة المشاكل الهيكلية التي عانت منها كل حكومة بعد عام 2003.

النفط

حاصل القول، بعد رسم خريطة للنظام السياسي العراقي، تحتاج عملية الإصلاح الهيكلي إلى ضمان إرساء المساءلة على مستوى الدرجات الخاصة، وتتمثل المؤسستان الرئيسيتان المكلفتان بمكافحة الفساد في العراق في ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة، بيد أن هناك حاجة ملحة لوجود هيئة تحقيق مستقلة تتبع عمل “الدرجات الخاصة” في جميع أنحاء الدولة للتأكد من أن هذه المناصب تندرج تحت قواعد كل وزارة، وأن أصحابها يعملون ضمن قانون الخدمة المدنية.

وتجدر الإشارة إلى أن أي محاولة لنزع الطابع السياسي عن الخدمة المدنية ستكون مهمة صعبة، وربما غير قابلة للتحقيق من الناحية السياسية. لذا، يجب أن يكون الهدف الرئيسي في أي محاولة لإصلاح النظام السياسي في العراق هو تقديم المساءلة إلى الرتب العليا في الخدمة المدنية، حيث إن تعيين هؤلاء المسئولين وأفعالهم إذا لم يخضع لتدقيق مطول، فأن أي محاولة لإصلاح النظام الأوسع سيكون مصيرها الفشل.

المصدر: (اضغط هنا)

عدنان موسى

باحث وأكاديمي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى