زوايا

“رمان الكبتاجون” ..المخدرات تتسرب عبر الفراغ السياسي

لم تكن أزمة “رمان الكبتاجون” أو شحنة المخدرات الكبيرة التي ضبطتها السلطات السعودية، أخيرًا، داخل سيارات تحمل فاكهة الرمان قادمة من لبنان؛ مجرد حادثة تقليدية لعصابات تسعى إلى الربح عبر أنشطة غير مشروعة. كانت بمثابة الجزء العلوي الظاهر من جبل جليد ضارب في عمق محيط  ترويج وزراعة وتهريب المخدرات بالمنطقة العربية.

أصبحت المنطقة العربية، خلال العقد الأخير، سوقًا نشطة للمواد المخدرة، مع حالة الفراغ السياسي التي عانته كثير من بلدانها بسقوط أنظمتها في موجات الربيع العربي، وعدم وصولها إلى الاستقرار السياسي حتى الآن، أو وقوعها في تجاذبات سياسية معتادة، تسببت في غياب سلطات الدولة. ومثال ذلك الحالة اللبنانية التي توشك فيها مؤسسات الحكومة على الانهيار جراء العجز عن تشكيل حكومة موحدة.

تكشف ضبطيات المخدرات المستمرة في لبنان تلك الإشكالية بوضوح. في خضم أزمة “الرمان المخدر” الذي تسبب في أن توقف السعودية وارداتها بالكامل من بيروت، كانت سلطات الأخيرة تكتشف ضبطيات أخرى في نفس التوقيت. تظهر هذه الضبطيات، وغيرها، تمرسًا في عمليات تهريب المخدرات من لبنان.

من هذه الضبطيات إحباط تهريب 60 كيلوغرام من الحشيش عبر مطار بيروت الدولي كانت متجهة نحو هولندا. هناك أيضًا ضبطية لشحنة مخلل مكدوس مليئة بالكوكايين قبل تصديرها إلى أستراليا. وضبطية لأربعة أطنان حشيش مخبأة في شحنة آلات صنع كعك “الكب كيك” كانت متجهة من لبنان إلى سلوفاكيا، ضُبطت في اليونان دولة الترانزيت.

قليلٌ من الاستقرار مزيد من الكبتاجون

مع نشاط عمليات تهريب المواد المخدرة، تدخّل الاتحاد العربي لمكافحة المخدرات، ومقره القاهرة بتقرير عممه على وسائل الإعلام. ذكر التقرير أن تهريب المخدرات تتبناه “جهات معروفة” في بعض البلدان العربية “التي تعصف بها الأزمات السياسية”. وقال إن هذه البلدان تشكل “بؤرة خطيرة تعمل على تدمير الشباب الواعد في البلاد العربية”.

المخدرات
رمان الكبتاجون، حيث ضبطت شحنة من مخدر الكبتاجون داخل حبات فاكهة الرمان

خص التقرير بالذكر منطقة الخليج العربي كإحدى المناطق الأساسية المستهدفة. جاء ذلك بعد العديد من محاولات التهريب إلى السعودية من لبنان خلال الفترة ما بين يناير 2020 وأبريل 2021. وتضمنت هذه المحاولات تهريب خمسة ملايين حبة مخدرة في شحنة لفاكهة الرمان، و25 مليون حبة بصناديق العنب، وأربعة ملايين حبة في فاكهة التفاح، وستة ملايين في البطاطا الحلوة، و15 مليون حبة في شحنة عنب.

وتشير عديد من الدراسات البحثية عن ارتباط حمى التهريب بارتفاع نسب التعاطي، خاصة تعاطي حبوب “الميثيلين ديوكسي ميتامفيتامين” (الهلوسة) والهيروين. كما دخلت في نسب التعاطي المرتفعة فئات كانت شبه محمية، مثل النساء والأطفال دون الـ16.

اقرأ أيضًا: بين الفقر والمخدرات.. الراديكالية الجهادية في إفريقيا: لا للتطور

تبدو المشكلة أخطر في مقابل الحصول على المواد المخدرة. يستغل صغار السن ويُجندون باستخدام المخدر للانضمام إلى جماعات إرهابية. كذلك فإن غياب الحكومات المستقرة في بعض البلاد العربية التي تعصف بها الأزمات الاقتصادية، دفعها إلى السماح، أو التغاضي عن زراعة القنب. أدى ذلك إلى زيادة معدلات محاولات تصدير المخدرات للدول الأكثر استقرارًا، بحسب الاتحاد العربي لمكافحة المخدرات.

وبصورة عامة يرتبط رواج تجارة المخدرات بانعدام الاستقرار. وتنشط الجماعات المسلحة في هذا الأمر، سواءً في العراق وسوريا، أو حتى في أفريقيا حيث تنشط جماعة بوكو حرام بنيجيريا في عمليات تهريب الهيروين والكوكايين عبر غرب أفريقيا. وكذلك الأمر في أفغانستان، حيث تلجأ حركة طالبان، من أجل تعزيز مواردها المالية، إلى فرض ضريبة على المجموعات المنتجة للأفيون، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

المخدرات

سوريا مركز لتوزيع المخدرات

وقبل عشرة أيام، حذرت صحيفة الجارديان البريطانية من تحول سوريا إلى مقر لتوزيع مخدر الكبتاجون.

والكبتاجون هو عبارة عن مادة الأمفيتامين مخلوطة بالكافيين. ولدى هذا المخدر تأثير عنيف على الجهاز العصبي.

وقالت الجارديان، إن الحدود بين سوريا ولبنان تشهد انعدامًا للقانون يصحبه نشاط كبير لعمليات تهريب المخدرات.

وبحسب مسؤولين في أجهزة شرطية بالشرق الأوسط وأوروبا، نقلت عنهم الجارديان، فإن الملايين من حبوب الكبتاجون التي صادرتها السعودية على مدار العامين الماضيين، كان مصدرها سوريا أو عبرت الحدود من لبنان إلى سوريا، حيث تشكلت ميليشيات وعصابات حدودية تصنع وتوزع كميات كبيرة من المخدرات على نطاق واسع.

ينقل المهربون الحشيش والكبتاجون عبر طريق ممتدة من سهل البقاع اللبناني إلى مدينة القصير السورية الحدودية ثم يستخدمون الطرق شمالًا عبر مناطق سيطرة العلويين باتجاه مينائي اللاذقية وطرطوس. يحدث ذلك رغم المراقبة المكثفة من قبل أجهزة أمنية أمريكية وأوروبية، وأجهزة استخبارات.

السلطات السعودية تضبط شحنة مخدرات مخبئة في فاكهة وخضراوات
السلطات السعودية تضبط شحنة مخدرات مخبئة في فاكهة وخضراوات

العديد من الضبطيات لشحنات مخدرات، خاصة من مخدر الكبتاجون، تؤكد واقع أن الأراضي السورية باتت مركزًا لتهريب المخدرات.

من بين تلك الضبطيات، ضبطية أخيرة في تركيا لأكثر من طن كبتاغون في ميناء إسكندرون، قادمة من مناطق سيطرة النظام في سوريا.

وفي 2019 ضبطت السلطات اليونانية أربعة أطنان من الحشيش قادمة من سوريا، وكانت في طريقها إلى مصر، فيما وضبطت السلطات الإيطالية شحنة تزن 14 طنًا في مدينة نابولي.

كبتاجون
الشرطة الإيطالية أثناء ضبط شحنة كبتاجون واردة من الأراضي السورية

تعلق الجارديان على تموضع سوريا في خريطة الاتجار بالمخدرات في المنطقة، قائلةً: “تصنيع الكبتاغون صار من أهم قصص النجاح التجارية في سوريا”.

 

وتوضح الصحيفة أن أرقامًا قياسية سجلتها صادرات الكبتاجون من سوريا، لا تقل عن 3.46 مليار دولار. وكانت جماعات مسلحة منخرطة في الحرب، تنشط في هذه التجارة، لكن مع استرداد النظام السوري للمناطق التي كانت تسيطر عليها هذه الجماعات، لم يتغير الوضع، خاصة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية ما جعل تجارة المخدرات مصدر رزق بالنسبة للكثيرين في البلاد.

المخدرات في العالم العربي

معظم حشيش أوروبا مغربي.. ومصر الأولى عربيًا في الاستهلاك

يعد المغرب أكبر مراكز تصدير الحشيش في المنطقة والعالم، ويحوز النصيب الأكبر بلا منازع في تصدير القنب الهندي والحشيش إلى أوروبا، بحوالي 72% من مجموع المخدرات المحتجزة أوروبيًا. وبحسب المرصد الأوروبي للمخدرات والإدمان فإن طريق عبور المخدرات من المغرب نحو أوروبا هي الجارة إسبانيا.

على جانب آخر، تتصدر مصر الدول العربية من حيث معدلات استهلاك المخدرات، يليها المغرب، بينما تأتي في المركز العاشر عالميًا، والمغرب في المركز الـ24 عالميًا، وذلك وفقًا لتقرير الأمم المتحدة للمخدرات لعام 2020.

وتتنوع أنماط المواد المخدرة المنتشرة عربيًا. في مصر تنتشر أنواع هي عبارة عن مزيج بين مواد صناعية ونباتات مخدرة، مثل الأستروكس والفودو، إضافة إلى الحبوب الكيميائية المخدرة مثل الترامادول.

في المقابل لا يحظى الكبتاجون بالرواج مصريًا، على عكس الحال في سوريا والعراق ولبنان، بينما ينتشر القات في كل من اليمن والصومال، ولا يعامل عرفيًا باعتباره مخدرًا غير مقنن.

المخدرات في العالم العربي

“دُول فاشلة”

عبر شبكة معقدة من غسيل الأموال، يجد العائد الكبير لتجارة المخدرات عربيًا طريقه نحو الاقتصاد الشرعي، من خلال قطاعات مثل العقارات وتجارة التجزئة وأحيانًا الصناعة.

وأحبطت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بوزارة الداخلية المصرية محاولات غسل مليار و250 مليون جنيه عبر البنوك والشركات في مجالات العقارات والسيارات، وفق تقرير نشرته صحيفة الأهرام الرسمية، دون تحدد الفترة الزمنية التي تمت فيها تلك العمليات، واكتفت بذكر “خلال الفترة الأخيرة”.

الفراغ السياسي والأمني بالمنطقة العربية، أدى لزيادة نشاط تصنيع وتجارة المخدرات بأنواعها، والأنشطة المرتبطة بغسيل أموال هذه التجارة

وتكشف تقارير صحفية أخرى، نشرتها صحف محلية، أن من بين المبلغ سابق الذكر، 838 مليون جنيه حصيلة محاولات 34 تاجر مخدرات غسل أموالهم في شهر مايو المنصرم، عبر الإيداع المصرفي كحصيلة لأنشطة أخرى مشروعة.

وفي حين تتمكن الأجهزة المعنية في دول مستقرة مثل مصر من توقيف أنشطة تجارة المخدرات، تجد دول أخرى صعوبة في السيطرة على هذه الأنشطة. هذه الدول يسميها شحاتة محمد شحاتة، مدير المركز العربي للنزاهة والشفافية بالقاهرة، بـ”الدول الفاشلة”، مشيرًا إلى دول تعاني انعدامًا للاستقرار مثل سوريا ولبنان واليمن، ينعكس على وضعها الاقتصادي.

وفي لبنان ارتفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء ليقترب من مستوى 15 ألف ليرة، ليصبح بذلك 55% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر المقدر بنحو 3.84 دولار يوميًا. وسجلت الأسعار مستويات قياسية، وصولًا بمعدلات التضخم السنوي إلى 145.8% نهاية عام 2020.

أما في سوريا، فيعادل الدولار الواحد ثلاثة آلاف ليرة سورية، فيما وصلت معدلات التضخم في عام 2020 إلى 263.64%، وارتفعت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 87%.

الحشيش في المغرب
أكثر من 70% من الحشيش الذي يدخل أوروبا يصل من المغرب

“تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع التضخم وعجز السلطات عن توليد فرص عمل شرعية، يجعلها تغض الطرف عن أي وسيلة لتحسين دخول مواطنيها”، يقول شحاتة لـ”ذات مصر”.

من جهة أخرى، فإن عمليات غسيل أموال تجارة المخدرات تكون أسهل في الدول الأقل استقرارًا لعدم وجود رقابة مسؤولة. وفي الحالتين اللبنانية والسورية، ترتبط عادة عمليات غسيل الأموال بشحنات المواد الصناعية والغذائية، مع ضعف القوانين المعنية بهذه المسألة، والردع المنظم والمراقبة.

تبدو الإشكالية في تجاهل بعض الدول العربية عمليات غسيل الأموال، طالما أنها تصب بعائد في الاقتصاد الكلي، فشروع رجل أعمال ذو أنشطة مشبوهة في بناء مدينة سياحية، قد يدفع لتجاهل مصدر أمواله على اعتبار أن مشروعه سيحمل إضافة للقطاع ويفتح مجالًا للتشغيل وتقليل البطالة.

وفي فبراير الماضي، وضعت “مجموعة العمل المالي” (GAFI) ، التي تحتضنها العاصمة الفرنسية باريس، كلًا من المغرب والسنغال وبوركينا فاسو وجزر كايمان، تحت المراقبة، لإخفاقها في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وطالبتها بوضع خطط وجداول زمنية دقيقة ومحددة لتحسين أوضاعها في هذا الشأن.

وبعد التقرير الدولي، صوّت مجلس النواب المغربي، في أبريل الماضي، على مشروع لتعديّل قانون مكافحة غسل الأموال، لتوسيع الأفعال المتعلقة بتلك الجريمة لتشمل التي يتم ارتكابها خارج المغرب مع توسيع مصادرة الممتلكات، وذلك بعد شد وجذب مجتمعي ومخاوف من تداعيات سلبية لم يتم توضيحها على الاقتصاد المغربي.

اقرأ أيضًا: معضلة “الدولة الفاشلة”.. لماذا يفشل الغرب في مكافحة الإرهاب؟

وبحسب اللواء محمد نور الدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق في مصر، فإن عمليات تهريب المخدرات في الدول ذات النشاط الأكبر في تجارة المخدرات بالمنطقة؛ تحدث بطرق يصفها بـ”المبتكرة”، مثل تهريبها عبر الفاكهة أو الخضراوات. في هذه الحالة يصعب ضبط شحنات المخدرات إلا بالاستعانة بأجهزة متطورة عالية التكلفة، أو معلومات مسربة.

ويؤكد نور الدين أن في منطقة الشرق الأوسط دول معروفة لدى الأجهزة الأمنية بكونها مراكز لتجارة المخدرات، سواءً كدول منبع أو توزيع أو ترانزيت، مشيرًا إلى كل من لبنان وتركيا، ومؤخرًا سوريا، التي لم تكن سابقًا على خريطة نشاط تجارة المخدرات بالمنطقة.

على هذا يُجمع الخبراء على كون الفراغ السياسي والأمني بالمنطقة العربية، أدى لزيادة نشاط تصنيع وتجارة المخدرات بأنواعها، والأنشطة المرتبطة بغسيل أموال هذه التجارة. يدفع عدم الاستقرار دائمًا نحو تضخم النشاط غير المشروع، وسيادته.

محمد سيد

صحفي وباحث مصري متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى