ثقافة وفنمختارات

مخرج “200 متر”: الفيلم قوس مكسور لمشاعر عائلتي

 

“سأعود، بأعضاء من حديد، ببشرة سمراء وبعين متوهجة: إن رأوا قناعي سيحكمون بأني من سلالة قوية. سيكون لدي ذهب: سأكون متبطلًا وشرسًا. سأخالط الساسة وسترعى النساء توحشاتي المعطوبة العائدة من بلاد حارة. سأعيش خلاصي. أما الآن، فأنا تحت وطأة اللعنة، يرعبني الوطن. لا شيء أفضل من نومة سكرانة على بساط من الرمل”.
الشاعر الملعون آرثر رامبو من قصيدة “عرق خبيث”

لا تنطبق هذه الكلمات على أحد كما تنطبق على الفنان الفلسطيني أمين نايفة. ولا يمكننا البدء في الحديث عن فيلمه “200 متر” دون وصفه كحركة فنية معذبة تأمل في صنع واقع أفضل.

في الدورة الرابعة لمهرجان الجونة السينمائي، عُرض فيلم “200 متر” لمخرجه الفلسطيني، أمين نايفة، وإنتاج الفلسطينية مي عودة، وقد عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان فينيسيا السينمائي وحاز إعجاب النقاد ليعيد الحماسة مرة بعد مرة في ثقة الفنان الفلسطيني بفنه.

فاز “200 متر” خلال مهرجان الجونة، الذي انتهى منذ أيام قليلة، بأكبر عدد من الجوائز: جائزة “مينا مسعود” الخيرية، جائزة لجنة تحكيم الفيبريسي، جائزة “سينما من أجل الإنسانية”، كما حصل على إعجاب وإشادة نقدية واحتفاء استمر على مدار عرضه للجمهور العام.

مشهد من فيلم 200 متر

فلسطين شأن إنساني

“أكثر ما لفت نظري للفيلم كان تناوله الإنساني للقضية الفلسطينية”، هكذا قال عضو لجنة التحكيم، رامي المتولي، لـ”ذات مصر”، مضيفًا أن القضية كثيرًا ما تأتي في سياق سياسي بحت، لكن “200 متر” نجح في تقديم الحالة دون مباشرة أو سطحية: “إنه قطعة فنية خالصة تحكي مأساة الشعب الفلسطيني الأزلية مع الحصار وإسرائيل، من خلال قصة أسرة صغيرة يعيش فيها الأب، مصطفى، في جانب من الجدار العازل، وتعيش زوجته وأولاده في الجانب الآخر، يفصل بينهم سور طوله 200 متر، لتبقى أمامهم الحسرة اليومية في أثناء السعي الحثيث للحصول على لقيمات يمكنهم العيش بها”.

نايفة يقول لـ”ذات مصر” إنه لم يتمكن من السيطرة على مشاعره تجاه الاحتفاء بعد عرض الفيلم ويتذكر تعثر المشروع منذ سنوات أمام أزمات التمويل والتصوير.

في الفيلم يقول أحد الأبطال: “هذا الشاب كان يمكن أن يموت بسبب هذا الفيلم”، وربما تنسحب هذه الرمزية على مخرجه وصناعه، ولكن الاحتفاء الكبير الذي شهده العرض ربما هوّن عليهم ما واجهوه من مصاعب.

حاز “200 متر” إعجاب الجمهور والنقاد بمهرجان الجونة

ألم شخصي تُرجم سينمائيًا

درَس نايفة في معهد السينما، برنامج على مدار عامين، ثم اختار وقتها الاتجاه للإنتاج والصوت.. يقول لـ”ذات مصر”: “كنت أعتقد أن وضع الإنتاج ليس سهلاً، وكنت وما زلت أحب العمل على الصوت، منذ هذا الوقت كنت أريد إخراج أول أفلامي، كان هذا حلمي النهائي.. أريد العمل كمخرج، لكن العمل كومنتير ومهندس صوت أفادني في تعلم تقنيات سينمائية ضرورية”.

ساعده تعلم المونتاج وتقنيات الصوت على القيام بعدد من الأدوار التي يجب على المخرج فهمها. فعلى مدار 7 أعوام، وهي الفترة التي قضاها في العمل على فيلمه، كان يعمل عدة أعمال في هندسة الصوت والإنتاج تساعده على العيش ليتمكن من صنع حلمه الأول كمخرج.

“ظللت على مدار هذه السنوات خائفًا من أن يسبقني أحد لتقديم فكرة الفيلم قبل أن أحصل على التمويل الكافي لإنتاجها.. أتعجب من كونها فكرة يراها الناس كل يوم أمامهم ولا يدركون ما في داخلها من مشاعر”.. يحكي نايفة: “صراحةً خلال فترة الكتابة كنت مرعوبًا من أن يحكيها غيري، لأنها تُعاش يوميًّا بسبب الجدار من قِبَل كل من يسكنون حوله، فطوال الوقت هناك مخرجون أشهر لو انتبهوا للفكرة لكانوا أنتجوا الفيلم أسرع.. الفيلم جزء من قصة عائلتي، ليس حرفيًّا، لكني عايشت تفاصيل جوهرية منها”.

كثيرًا ما يحكي نايفة عن صعوبات الإنتاج، التي عاشها خلال قصص الفيلم، رغم كل ذلك يقول: “حتى لو عادت بي السنوات لم أكن لأختار فيلمًا أسهل من قصتي هذه لأحكيها وأتحمل صعوبات إنتاج متعلقة بها، لأنها نابعة من ألم شخصي عايشتُه وآخرون مثلي، خصوصًا رحلة العمال التي أسميها (معبر الذل) عندما يقررون تخطي هذا السور”.

المنتجة مي عودة تقول لـ”ذات مصر”: “تحمست أكثر من أي فردٍ آخر للعمل على هذا الفيلم، ليس لكوني فلسطينية أتلمس المشاعر ذاتها فحسب، لكن لأنني رأيت في أمين نايفة مشروع مخرج مختلف على كل المستويات، فقبل حتى أي جوائز للفيلم الحالي اقترحت عليه بعض المشاريع الأخرى للعمل عليها كمخرج”.

وتضيف: “المرء يعتقد أن ما يعانيه كإنسان فلسطيني، من كثرة روايته، قد أصبح يعلمه القاصي والداني، لكني اكتشفت أن هناك من يقدم معاناتنا كمشاعر تعاطف بِكر في داخله بين كل قصة وقصة”.

ارتباك الإخراج الأول

بعض التعليقات رأى في الفيلم بعض الارتباك رغم شاعريته المُدرَكة جيدًا، لكن إذا سلمنا بوجود هذا الارتباك وحاولنا تلمس أسبابه لا نعلم إذا كان سببه ما يقع فيه أي مخرج في فيلمه الأول، فـ”حكي العديد من الأشياء داخل حيز ضيق يجعل بعض التفاصيل تضيع، وتطغى أخرى على بعضها، وهناك مشكلة إضافية ترجع إلى عدم وعي كامل من الجمهور بسياقات القصة الحقيقية من الأساس”.

شاعرية الفيلم غطت على الارتباك المتوقع من التجربة الأولى للمخرج

يقول نايفة: “كان هناك بعض الخطر.. صادر الإسرائيليون أحيانًا (كروت التسجيل)، وذات مرة على حاجز إسرائيلي أوقفتنا السلطات الإسرائيلية للتحقيق وكادت تصادر ما صوّرناه لولا تحايلنا على الأمر بادعاء أننا نصور فيلمًا تسجيليًّا”.

يتقاطع هذا مع مضمون “200 متر”، فهو في جوهره يحكي عن محدودية الحركة التي يعانيها الفلسطيني، والتوتر بين الهوية الفلسطينية والهوية الإسرائيلية، وجميعها أشياء تعكس قصص عائلات تفرّقت وفق الورق الرسمي في هوياتهم، خصوصًا مَن يحمل هوية فلسطين في الداخل أو “فلسطينيي 48″، الذين يحملون جواز سفر إسرائيليًّا، وهم الممنوعون أساسًا من دخول بعض الدول العربية.

وفي ما يتعلق بمحدودية حركة الفلسطيني لم يتمكن بطل “200 متر” نفسه من الحضور إلى المهرجان.. يقول نايفة عن ذلك: “إنه أمر محزن بالتأكيد، ولو كنت مُنعت أنا أيضًا كنت سأحزن أكثر، لكن لم أكن لأسحب الفيلم من العرض.. أخرجت 200 متر ليشاهده الجمهور وهو ما وفره المهرجان”.

يشرد نايفة طويلاً ويفكر بصوت عالٍ: “هل سنتمكن من إيجاد حلول بخصوص حرية حركة الفنان الفلسطيني كواقع تفرضه قوة أفلام قد تغير من تعامل الحكومات مع هؤلاء الأبطال؟ من حسن حظنا أن السلطة الفلسطينية تعاني حاليًّا ارتباكًا وتشتتًا يمنعها من احتواء حرية الفنان الفلسطيني”.

الفنان أمين نايفة

“على مدار 7 سنوات عملتُ فيها على صناعة الفيلم انتابتني فترات اكتئاب، لخوفي من أن هذا الفيلم لن يرى النور من كثرة الصعوبات، حتى فكرت أن أغيّر مهنتي كصانع أفلام أساسًا لأنها لا توفر دخلاً كافيًا لعملي، لديّ شهادة في التمريض، فكرت كثيرًا في الرجوع للعمل في التمريض أو البناء من أجل عيش حياة كريمة”.. يحكي نايفة: “حتى بعد انتهاء صناعته وذهابه إلى مهرجان فينيسيا لم تتركني هذه المشاعر، لكن بعد رؤية ردود فعل المتفرجين في فينيسيا ثم في مصر (مهرجان الجونة) قال لي كثيرون: عليك الاستمرار! لأنه ما زالت لدي قصص يمكنني حكيها.. غيّرت هذه الردود نظرتي إلى العمل في صناعة الأفلام”.

فكرتان تصلحان للعمل في المشروع المقبل لـ”نايفة”، إحداهما مع المنتجة مي عودة، التي تريد إخراج فيلم جديد يحكي قصة طفل فلسطيني من مخيمات لبنان، ويسرد من خلاله قصة موهبته في كرة القدم في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، كما أن لديه فكرته الخاصة التي يحاول أن يحكي عبرها قصة مُسن وحفيده، تنشأ بينهما صداقة ترصد تغيرات الأجيال داخل فلسطين وخارجها.. طفل قادم من دبي وجدّ يعيش في قرية مهمشة.

بعد عرض “200 متر” وحصده الجوائز تأكدت أهمية السينما الفلسطينية التي لا تزال تحاول تقديم قصتها الخاصة، دون مظلومية بل بأدوات فنية لصناع متمرسين يفهمون جيدًا موقعهم من العالم.

 

حسام الخولي

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى