مذكرات الزعفراني: الإخوان مخترقون ومنعزلون

ماهر فرغلي

كاتب وباحث مصري

أعاد القيادي الإخواني السابق إبراهيم الزعفراني نشر مذكراته على حسابه بالـ”فيس بوك” متناولا في جزء كبير منها علاقته بالجماعة، لينبهنا إلى قيمة ما كان أورده فيها، والذي ربما يتعدى ما هو مذكور بها من معلومات ووقائع.

 يستعرض الزعفراني، عضو مجلس شورى الجماعة السابق، الذي استقال مطلع عام 2011 في البداية حياته البسيطة داخل إحدى القرى الريفية بمحافظة كفر الشيخ، حيث حفظ  القرآن الكريم بكُتاب القرية، لينضم إلى جماعة الدعوة والتبليغ، ومنها إلى الإخوان المسلمين.

 تقدم الزعفراني بعدها ليعدد المواقف والأحداث التي كان طرفاً بها، ومنها محاولات الجماعة الإسلامية اختراق اتحادات الطلبة، لينتقل إلى كواليس ما حدث داخل الإخوان في فترة قيادة مهدي عاكف، خاصة ممارسات رجال الأعمال للسيطرة على الجماعة.

تحدث الزعفراني كذلك عن دوره داخل التنظيم فأورد فيما كتب: في منتصف الثمانينات من القرن الماضى شكل مكتب الإرشاد مجموعة  من الشباب لإدارة الإخوان بمصر على أن يتفرغ المكتب الرئيسي لأعباء التنظيم العالمي، وسمى (مكتب مصر) وتتكون عضويته من د. محمد حبيب عن قطاع جنوب الصعيد، د. محمد بديع عن قطاع شمال الصعيد، د. ممدوح الديرى عن قطاع شرق الدلتا (وهؤلاء الثلاثة كانوا فى أوائل الأربعينات من العمر)، د. سيد عبد الستار عن قطاع القاهرة الكبرى، د. أنور شحاتة عن قطاع  وسط الدلتا، د. إبراهيم الزعفرانى عن قطاع غرب الدلتا، د. عبد المنعم أبو الفتوح نائبا لرئيس المكتب (وهؤلاء الأربعة لم تتجاوز أعمارهم حينها 33 عاما) وكان المكتب برئاسة د. أحمد الملط، عضو مكتب الإرشاد، والنائب الثانى للمرشد، وهو أ. عمر التلمسانى وقتها ..

واستكمل القيادي الإخواني: قام مكتب مصر بإحياء وتنشيط العمل الاخواني في جميع المحافظات، بعد تراجعه عقب قرارات السادات بالتحفظ في سبتمبر من عام 1981، ثم اغتياله في 6 أكتوبر من نفس العام، وتوالت الفعاليات الكبرى، وبعد فترة ليست بالقصيرة أحس أعضاء مكتب الإرشاد العالمي الستة، الممثلين لمصر، أن هناك انشطة تتم داخل مصر لا يعلمون عنها إلا بعد حدوثها، فشق ذلك على نفوسهم، وقرروا ضم مكتب مصر وأعضاء مكتب الإرشاد في مكتب واحد، مع احتفاظ هؤلاء الشباب بمواقعهم من الإشراف على القطاعات الإخوانية الست، وحين عاد الحاج عباس السيسى من الخارج فى نهاية الثمانينات اعتذرت عن الإشراف على قطاع غرب لأن هذا هو المكان الطبيعي لأستاذي، الذى كان يشغله قبل سفره عام 1981، ومع قبول اعتذاري إلا أن الحاج عباس أصر على استمرار حضوري للاجتماعات حتى وإن لم أشارك في التصويت على القرارات، وكذلك الاستعانة بي في التواصل مع المكاتب الإدارية في القطاع، وعبثا حاولت مرارًا الفرار من السفر معه من الإسكندرية لحضور الاجتماع بالقاهرة، لكنه كان يلاحقنى بشتى الوسائل.

وعن السلبيات التي رصدها داخل الجماعة يعدد الزعفراني ما يلي:

قيادات الجماعة تهضم حقوق أفرادها

أن قيادات الجماعة من الأغنياء كانوا يأكلون حقوق الآخرين سواء داخل الجماعة أو خارجها، فيقول الرجل في سياق حديثه عن هذه النقطة: “تحدثت للأستاذ عاكف عن أن عدداً من المنتسبين للإخوان ممن يعملون فى مجال الاستثمار (البزنس) يأكلون حقوق إخوانهم، وآخرين ممن هم خارج الإخوان مما يسيء لسمعة الجماعة، ولو كان هؤلاء قد ارتكبوا أخطاء، مثل عدم تنفيذ الأوامر، لتكونت لهم لجان تحقيق ولتعرضوا للعقوبة”، فرد قائلا: “أنا على علم  بأن فى الإخوان أعضاء أولاد ….”، قلت له وماذا فعلت بهم!؟ أين المؤسسة العدلية المحترفة المستقلة داخل الجماعة، ليلجأ إليها أصحاب الحقوق لأخذ حقهم؟! ولماذا لا ننجي الجماعة من أمثال هؤلاء؟!”، وعدنى الرجل بعمل شيء حفاظًا على حقوق الناس وحفاظاً على سمعة الجماعة ولم يتم شيء”.

لا فكر، لا ثقافة، لا فن داخل التنظيم

ينتقل الزعفراني للحديث عن موضوع آخر بعيدا عن الشق التنظيمي فيقول: إن هناك قطيعة كاملة بين المفكرين الإسلاميين الذين طردتهم الجماعة من بين صفوفها والقيادات الإخوانية، مؤكدا أنه داخل الإخوان لا وجود للعلم أو الفن أو الأدب، ما أحدث قطيعة بين المثقفين والجماعة، مدللا على ذلك بذكر موقف حدث له: “كنت أتابع مع زوجتى آخر حلقات من مسلسل أرطوغل على قناة دعوة الفضائية، وبعدها كان حديث للدكتور/ محيي الزايط، وقد صدمتنى عبارة كررها عدد من المرات “إن جماعة الاخوان تحوّل الناس من أصفار إلى أرقام”، قلت فى نفسى هل كل من دخل الإخوان كان صفرا قبل دخوله؟ وهل كل من هم خارجها قيمتهم عنده تساوى صفرًا؟ وهل هذه رؤية الدكتور محيي أم تعتنقها شريحة من الإخوان؟ وما حجم هذه الشريحة؟”.

 الانعزال عن المجتمع

يتساءل الزعفراني، ماذا لو كان خالد سعيد، وهو الشاب الذي تسبب في ثورة 25 يناير، واحدًا من الإخوان، هل كان سيصبح وقودًا لثورة؟ والإجابة بلا تردد: إننا كإخوان عزلنا أنفسنا عن شعبنا ومجتمعنا، و انكفأنا نقضى جل وقتنا وتعاملاتنا داخل دفء كيان يدّعي أفراده الطهر والنقاء، وغبنا عن لغة قومنا وشعبنا وجئناهم بمصطلحات غريبة عليهم، فسمعوا منا كلمات كالنقيب والكتيبة، رغم أننا هيئة مدنية وليست عسكرية، ومكتب الإرشاد والمرشد العام والبيعة والتتظيم العالمي، وهي كلمات ضخمة كبيرة ليست هي لغة أهلنا، فأشعرتهم بغربتنا عنهم، مع أن العبرة في المعنى وليس المبنى، وماذا علينا إذا تواصلنا معهم بأسماء يأنسون لها دون تغيير المسمى، كما أقحمنا معاركنا السياسية في دروسنا وخطبنا المسجدية مما لا يمس اهتمام عديد من المصلين، فلا ينالون زادهم الذي يرجون، فقل رواد معظم مساجدنا وانصرفوا يبحثون عن بغيتهم في مساجد أخرى.. إن حالة التعالي على الآخرين مستقرة داخلنا وفي أدبياتنا، ألا تذكرون كلمة صبحي صالح:  لو رشح الإخوان حيواناً لنجح، ولم يسارع بالاعتذار عنها على الملأ كما قالها على الملأ، كما تمايزنا بشعارات في التظاهرات والمؤتمرات تفرق بيننا وباقي المشاركين حتى لو كانوا من نفس التوجه، وهذه الأمور أحدثت حالة تراكمية انتجت تلك العزلة التى يحاول البعض إنكارها.

تنظيم موازٍ

ويؤكد الزعفراني، أن هناك تنظيماً موازياً داخل الجماعة، هو من يتحكم في القرارات المصيرية، قائلاً: “بعد تولي أ. مهدي عاكف منصب المرشد اقترحت عليه تفعيل مجلس الشورى باجتماع يقوم بتعديل اللائحة، ليكون له اختصاصات حقيقية فى الرقابة والمحاسبة لمكتب الارشاد، والمشاركة فى القرارات الاستراتيجية، قال إخوانك يتحججون أن الظروف الأمنية لا تسمح بذلك، قلت: إن لم تتوفر الرغبة فى ذلك فيمكن الاستفادة من هذا المجلس المعطل منذ ما يزيد عن عشر سنوات، فأقترح على حضرتكم أن تصدر قرارًا بتعيين ثلاث سيدات بمجلس الشورى، ومرت السنوات ولم يحدث هذا.. لقد كان الأستاذ عاكف يتنقل في المحافظات لعمل لقاءات خاصة مع اعضاء الجماعة، وما يكاد ينصرف حتى يفاجأ الحضور بمسؤولهم يؤكد عليهم أن ما قاله عاكف هو رأيه الخاص، وأعتقد ان مثل هذه المعوقات الخفية التى أحبطت آمال الرجل كانت عنصرا رئيسيا فى تمسكه بعدم الترشح لفترة ثانية، رغم أن شبح الخوف كان يتملك جميع القيادات من احتمال وصول د. حبيب لمنصب المرشد، فكان توجيه الانتخابات هو المخرج لعدم وصوله إليه.

عناصر الجماعة غير ناضجين

 ركز الزعفراني على شرح نقاط الضعف والقوة في شخصية العضو الإخواني، وقال إنهم على ثلاثة أنماط:

الشخصية العسكرية، التي تؤمن أن العلاقة هي أوامر يجب تنفيذها ولا محل للنقاش، والثانية التى ترى أن عقول الأفراد ودرجة نضجها وما تملكه من معلومات قاصر على إدراك كنه هذه الرؤى والقرارات، والثالثة التابع المبرر الذى يرى فى رؤى وقرارات قيادات الجماعة أنها دائما على الصواب، والرابعة المتملقة للمسؤولين.

يتعاركون على المندوبات

يحكي الزعفراني أنه في سجن “أبو زعبل” عام 1982 حرص بعض أعضاء الجماعة على وضع الكحل وارتداء الإزار (لف قماشة حول الوسط كما يفعل بعض اليمنيين والآسيويين بديلا عن البنطلون أو الجلباب) اعتقادا بأنهم بهذا المظهر يصبحون أكثر امتثالا لسنة النبي، ووقع يوما مزاح بين أحد هؤلاء الإخوة وواحد الاخوان، د. محمد العراقي، تعليقا على الإزار المزركش حيث قال له محمد: هذا الإزار يشبه الجونلة الحريمي، وتفاجأنا في اليوم التالي بأن مجموع السلفيين الجهاديين ذوي التوجه السلفي صعدوا هذا الحدث وأذاعوا داخل السجن أن الإخوان يسخرون من سنة النبي، واندلعت على الفور معركة في صحن الدور الأرضي واستمرت ساعتين تقريبًا كان بعض الإخوة في الأدوار العليا يصرخون ويبكون ويلقون بجرادل الماء على رءوس الفريقين في محاولة منهم لوقف هذه المعركة.

مخترقون

يؤكد الزعفراني أن هناك اختراقاً داخل التنظيم من قبل الأجهزة الأمنية، قائلاً: النسبة الأكبر للاختراق عبر دخول الأعضاء الجدد، فالجماعة وضعت خطوات ومراحل متعددة في طريق دخول أعضاء جدد، من مرحلة محب يشارك في الأنشطة العامة للجماعة، ثم مرحلة مؤيد يكلف بأعمال معينة من الأعمال العامة، ثم مؤيد قوي ينتظم في حلقات مفتوحة، وهو في كل هذه المراحل تحت الملاحظة والاختبار، ثم ينتقى من بين هؤلاء المؤيدين من يدخل دورات تثقيفية وتربوية يشترك فيها مجموعة من قسم الأسر (التربية) لتقييم الأفراد خلالها، حسب المواصفات الموضوعة لمن يرشح لعضوية الجماعة.

وضرب القيادي الإخواني السابق أمثلة للاختراق فقال: في عام 2006 وبعد نجاح حماس، لاحظنا في أحد مناطق الإسكندرية بالذات أن قوات الشرطة تسبقنا بالتواجد في المكان الذى حدد مسبقاً للتجمع، توقعنا ثمة اختراق، ووضعنا خطة بأن نتعمد عدم إبلاغ بعض المجموعات (الأسر) في كل مرة، وعندما استطعنا تحديد الأسرة التي في حال عدم تبليغها بالمكان لا يستطيع الأمن معرفته، وقمنا بالتحقيق مع أفرادها واستطعنا تحديد العنصر المخترق، وتم إبعاده .

ويسهب الزعفراني في هذه النقطة فيضيف: عند متابعة تقارير الأفراد بعد استدعائهم من قبل جهاز أمن الدولة لاحظنا أن أحد الأفراد وكان يعمل كمراسل لبعض الصحف الخاصة وقتها، وجدنا لغة خطابه في المقابلة تُطمع فيه ضابط الأمن، وكان متجاوزًا للخطوط التي يجب عليه ألا يتجاوزها، وأقر بها فتقدمت للمكتب الإدارى بتقرير عن هذه المقابلة.. كنا لا ننشر موضوع الاختراق وسط الإخوان حتى لا يحدث وسواس وتشكك  بين الإخوة لأسباب قد تكون عادية، ولم يكن عندنا تساهل في الاختراقات الأمنية لكن في الأمور المالية كنا نمشى على سطر ونسيب سطر كما يقال في لغتنا الدارجة.

تأتي مذكرات الزعفراني، التي نشرها على صفحته عقب الحكم على ابنه بالإعدام في إحدى قضايا العنف عقب عزل جماعة الإخوان، كواحدة من أهم السير الذاتية الكاشفة عن الإخوان من الداخل، وتقف على رأس سلسلة من أحاديث المنشقين عن الجماعة بالفترة الأخيرة.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram