"مريم المصرية"

البحث عن حلقة مفقودة في واقعة "طفلة كوبلنز"

حضانة تابعة لمؤسسة كاثوليكية في مدينة كوبلنز الألمانية، لا تزال تغلق أبوابها حتى الآن بسبب تهديدات بالقتل ضد موظفيها، على خلفية مقطع فيديو نشرته أم لطفلة اسمها “مريم”، 4 أعوام، تتحدث فيه عن تعرض طفلتها لاعتداء جنسي في الحضانة، ما أثار جدلاً واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي.. روايات عديدة ربما تتضارب تفاصيلها تخفي وراءها حقيقة لا أحد يعرفها على وجه اليقين.

رواية الأم

الفيديو، الذي انتشر كالنار على موقع “فيس بوك”، يحمل تفاصيل مفزعة عن تعرض “مريم المصرية” – هكذا اشتهرت – للاغتصاب من عاملي الحضانة.. تروي الأم أنها في أثناء إحضار طفلتها من الحضانة صُدمت من حالة ابنتها التي كانت “تبكي بشدة وملابسها غير مرتبة”.

تستكمل الأم أنها سألت ابنتها عما حدث، فلم ترد في البداية لكنها أخبرتها فيما بعد بأن أحد الرجال خلع ملابسها، وعندما هرعت الصغيرة لإخبار معلمتها أمرتها بأن تعود إلى ذلك الرجل ليعدل ملابسها “عشان عيب”، مضيفة أن ابنتها “تعرضت للحقن في جسمها كله وفي أعضائها التناسلية، بالإضافة إلى إعطائها مواد مخدرة”، وقالت إن ما حدث مصوَّر في الحضانة بغرض إنتاج مواد إباحية باستغلال ابنتها.

تهديدات بالقتل

الحضانة في كوبلنز أغلقت أبوابها الخميس الماضي بسبب تهديدات قتل ضد موظفيها، واستمر الإغلاق يوم الجمعة الماضي، ولا يزال من غير الواضح كم ستبقى الحضانة مغلقة، نتيجة مواصلة التهديدات، وطلبت الحضانة حماية الشرطة لموظفيها، وأُعلن أن الحضانة ستوقف عملها لأسباب أمنية مؤقتا.

حضانة كوبلنز
بيان جريمة لم تحدث

وردًّا على الفيديو، الذي سارعت والدة الطفلة بنشره، وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، أصدر المدعي العام الألماني بيانًا يتناول تفاصيل القضية، وذكر أن التحقيقات المكثفة التي استمرت 5 أسابيع لم تقدم أي أدلة كافية على أن الجريمة، التي تكلمت عنها الأم، قد حدثت بالفعل.

ولم يوضح الفحص الجسدي – ولا حتى الذي أجرته طبيبة نساء- أي دليل على الاعتداء الجنسي المزعوم.. “وُجد فقط بعض الاحمرار”، الذي رده المدعي العام إلى أسباب لا تتعلق بالضرورة باعتداء جنسي.

اختبارات الحمض النووي للطفلة والملابس التي كانت ترتديها لم تقدم أدلة كافية على الاعتداء الجنسي، فوفقًا لنتائج الفحوصات، عُثر على حمض نووي أنثوي، و”القليل جدًّا” من الحمض النووي الذكوري، الخالي من الحيوانات المنوية.

ولم تتطابق تصورات الطفلة عن مكان وقوع الجريمة الواقع، بحسب بيان المدعي العام، فهذه الغرفة لم توجد من الأساس، وبالتالي لم تكشف التحقيقات عن أي دليل على وقوع أفعال مسيئة في الحضانة.

وطبقًا للقانون الجنائي في ألمانيا، سيفتح المدعي العام التحقيق مجددًا بظهور أدلة تكون كافية، لأن المادة 170، (2)، من قانون الإجراءات الجنائية تنص على وقف الإجراءات حال غياب احتمالية كبيرة للإدانة.

مركز عدل كوبلنز
الشرطة ترد على اتهامات الأم

شرطة كوبلنز نشرت، الأربعاء الماضي، على منصاتها في وسائل التواصل الاجتماعي، فيديو باللغة العربية للرد على بعض التعليقات التي تتهمها بالتخاذل مع القضية، وقالت فيه إن النتائج “لم تبين أي اعتداء”.

أما قناة WDRforyou، التابعة لإذاعة غرب ألمانيا، WDR، فقد تواصلت مع 3 أطراف لهذه القضية، منها النيابة العامة، التي أكدت أن هناك حالات جديدة لكنها مختلفة قليلاً ويجري التحقيق فيها، إذ وصلت للنيابة شكاوى من عائلات تقول إن أطفالها يُظهِرون “تصرفات جنسية” لكن دون ربطها بالحضانة. 
وأخبرت النيابة صحفيي المنصة بالتسلسل الزمني للقصة، ففي 10 سبتمبر/أيلول الماضي، وهو اليوم المزعوم لحدوث جريمة الطفلة، اتجهت أسرة “مريم” إلى طبيب أطفال، وهناك تواصلوا مع الشرطة، وقالت الأسرة إن الطبيب أخبرهم بوجود آثار اغتصاب “شفهي”، لكن يغيب هذا الادعاء عن التقرير الرسمي الذي كتبه الطبيب في عيادته.

عُرضت “مريم” على طبيبين آخرين بمستشفى في كوبلنز، بينهما طبيبة شرعية، وكان التشخيص أن الطفلة لم تتعرض لأي اعتداء جنسي، وبعد 8 أيام في 18 سبتمبر/أيلول الماضي فُحِصت “مريم” للمرة الرابعة بطلب من والديها في مستشفى “بون” ولم يثبت أي دليل على الواقعة أيضًا.

بعد 6 أيام من الواقعة المزعومة، حُقق مع والدي “مريم” كشاهدين، ولأن الأب مصري والأم مغربية جرى التحقيق بحضور مترجمة محلفة، لعدم تحدث الأبوين اللغة الألمانية، وفي اليوم التالي حاولت الشرطة الاستماع إلى الطفلة بحضور الأم والمترجمة، إلا أن المحاولة لم تفلح، بحسب النيابة.

في 18 سبتمبر/أيلول الماضي دخلت الشرطة إلى كل قاعات الحضانة لتفتيشها وتصويرها والاطلاع على مخططات بنائها وتقييمها لمعرفة ما إذا تغير أي شيء في المنشأة معماريًّا.
هنا وقفت القضية “محلك سر” إلى أن بحث الأب عن محامٍ آخر تحاشيًا لما أسماه “لفلفة الشرطة والنيابة العامة” في القضية، يقصد محاولة الجهتين لإخفاء حقيقة ما، حسب قوله.

حاولت “ذات مصر” التواصل مع والدي الطفلة، إلا أن الرد جاء برفضهما التحدث عن القضية، تطبيقًا لتوجيهات محاميهما حتى يبت النائب العام الألماني مرة أخرى في القضية.. وقال مصدر مقرب من أسرة الطفلة لـ”ذات مصر”، إن الأسرة تستعد لتدويل شكواها برفعها لمنظمة اليونيسيف الأممية، بعد وقف التحقيقات “لعدم وجود أدلة”، وفق بيان المدعي العام في كوبلنز الألمانية.

تأييد ودفاع ثم تحفظ!

القضية استحوذت على تعاطف عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن هناك حلقة مفقودة على حد قول البعض، نتج عنها تشكيك في رواية الأم، ما دفعهم إلى التخلي عن دعم القضية، التي تلقت مساندة قوية من صفحة ألمانية أُنشئت لمناهضة إساءة معاملة الأطفال ولتقديم الدعم النفسي والمادي للأطفال الذين تعرضوا لانتهاكات، وصلت هذه المساندة إلى دعوات للتظاهر من أجل الطفلة، إلا أن صاحب الصفحة، الذي كان على اتصال بأسرة “مريم”، تراجع عن دعمه واعتذر عنه.

محمد إبراهيم، والد “مريم”، ظهر في مقطع فيديو، بعد زوجته بوقت قليل، يقول فيه إنه وجه رسالة للنائب العام الألماني للتحقيق العادل في القضية، وتمسك بأن “الأدلة كافية لفتح التحقيق”.
وطالب الأب مؤسسات الإعلام بالتواصل معه، لأن هناك ضغوطًا تمارس على القضية لتوجيهها على نحو غير عادل، حسب قوله.
إبراهيم دعا أولياء أمور أطفال الحضانات عمومًا، وليس حضانة كوبلنز فقط، إلى أن يراقبوا سلوك أبنائهم لأنهم قد يجدون “كوارث”. وزعم تواصل عائلات معه من السويد وبورنموث، ليبلغوه بتضامنهم معه وبأن أطفالهم تعرضوا حوادث مشابهة لواقعة “مريم”.

والد طفلة كوبلنز نشر بيانًا في 21 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، على حسابه الشخصي بـ”فيس بوك”، طلب فيه إيقاف المكالمات التي تنهال عليه ومتابعة ما ينشره على هذا الحساب فقط، كما رفض “تسييس القضية” لتفادي الإضرار بالقضية، لافتًا إلى أنه لا يُعتد بأي شخص يدعي أنه يتحدث نيابة عن أسرة “مريم” سواه، أو أي شخص يجمع تبرعات باسم أسرته.

ومساندةً للأسرة، انطلقت مسيرة في 24 أكتوبر/تشرين الأول الحالي حملت شعار “ضد إساءة معاملة الأطفال”، شارك فيها سلميًّا ما يقرب من 50 شخصًا، وفقًا لبيان شرطة كوبلنز.

مظاهرة ضد إساءة معاملة الأطفال

القضية لم تحسم حتى الآن رغم إعلان النائب العام إغلاقها، لكنها لا تزال تأخذ حيزًا من تفكير المتعاطفين الذين اتهموا الشرطة الألمانية بـ”التواطؤ”، والمتسائلين حول ما إذا كانت الأم جادة في ما تقول، ولكن  يبقى الانتظار سيد الموقف لحين ظهور أدلة جديدة أو حلقة ما مفقودة في القضية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هالة المليجي

صحفية مصرية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram