زوايامختارات

“مريم صهيون” روح “تيجراي”: هل تُنصت البنادق لصوت القداسة؟

 

كان القدِّيس ومُرتّل المزامير السنكسار يارد (1278 – 1350)، ينشد بصوته العذب الحزين، كأنه شجو الملائكة، حين كان في طريقة إلى كنيسة “مريم صهيون”، راجلاً وحافيًا وحليقًا:

“نجيئُكِ راجلين وعلى صهوات البِغال/ يا هرمجدون يا مجد الرب/ يا مقاليد الكهنة العظماء وحكمتهم الأبديّة في السماء وعلى أرض أكسوم/ لن يلحقك الأذى، يا محميّة الرب، لن يشعلوا فيك النيران/ سيعجزون من حرق بساتين الأوكالبتوس؛ وسرقة تين التلال الصخريّة/ يا أيتها المحروسة بتابوت العهد/ يا (ماريام صهيون) أنتِ في صون وأمن/ سيضرب الرب بيده الإلهيِّة القاصمة، هؤلاء الغزاة/ ويخرجهم من بين مسام جلدك يا أكسوم / يا أرض الوجوه المحروقة؛ أرض الرب”.

حجاج بني صهيون

الحج إلى مريم صهيون

لربما كان جنود الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وقائدهم دبرظيون قبري مكيئيل، ومعنى اسمه الأول (جبل صهيون) والثاني (خادم ميكائيل)، يتغنون بذات النشيد ويرتلون المزمور نفسه، ولربما كانت روح القديس والسنسكار يارد ترفرف بينهم؛ وهم يستعيدون مدينة أكسوم الدينية والتاريخية من الجيش الفيدرالي الإثيوبي 29 نوفمبر/ تشرين الثاني المنصرم، تزامنًا مع موسم الحج إلى كنيستها الشهيرة “مريم صهيون”.

وهي مكان عبادة شديد القداسة بالنسبة إلى المسيحيين الأحباش (الإثيوبيين والإريتريين) الأرثوذكس، ويقصده آلاف الحجاج سنويًّا في 30 من نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام، الذي يوافق 21 من شهر حدار، بالتقويم الجئزي، وهو تقويم حبشي مكوّن من 13 شهرًا، يحتوي الشهر الأخير منه على 5 أو 6 أيام فقط.

استعادت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، مدينة أكسوم التي تضم الكنيسة المقدسة قبل يوم واحد من حلول موسم الحج الكبير. هناك يحتشد المؤمنون (الأرثوذكس واليهود الأحباش) ويتزاحمون قادمين رجالاً أو على ظهور الدواب ومتن السيارات، من السفوح والوديان والجبال، لنيل البركات والتزلف إلى تابوت العهد، فتكتسي مدينة أكسوم العاصمة التاريخية والدينية للحبشة، ومدينة تيجراي المُقدسة؛ بألوانٍ زاهية، وروح إيمانية تهفهف في وجدان المؤمنين وتسبغ على المدينة نوعًا من الحماية الإلهية، كما يعتقدون.

مسلات أكسومية مكتوب عليها باللغة الجئزية الحميرية بخط المسند

تابوت العهد

يروي كل من القرآن الكريم والكتاب المُقدّس (التوراة والإنجيل) أطيافًا معروفة وذائعة من قصة ملكة سبأ (بلقيس)، لكن الرواية نفسها تكتسب بُعدًا أسطوريًّا مُشبعًا بالروح الحبشيّة عند الإثيوبيين، خاصة في كتابهم الشهير “كُبرانجست” ومعناها “الملوك العظماء”.

فعندما سمعت ملكة سبأ الإثيوبية (ماكيدا) بحكمة الملك سليمان واعتنقت دينه اتخذت ربه إلهًا، قررت تكبد المشاق قاصدة مقامه في القدس (أورشليم) من أجل رؤيته وأخذ الحكمة والدين منه مباشرة، ولما رأته فُتنتْ بِهِ وافتُتِنَ بها، فوقع في حبّها.

لكنه فشل في مشاركتها الفراش، فدبّر لها حيلة  قبل ليلة من رحيلها، مشترطًا عليها ألا تأخذ شيئًا من قصره أبدًا، ثم وضع كأسًا من الماء قرب فراشها، وكان الفصل صيفًا قائظًا، فصحت من نومها ظمأى، فمدت يدها إلى كوب الماء وشربت، وعندما همت بإعادة كوب الماء إلى مكانه، أمسك الملك سليمان الذي كان مختبئًا بالجوار يدها، واتهمها بنقض العهد، وأن عليها أن تدفع مقابل ذلك، كما اتفقا، فتمكّن منها.

وفي طريق عودتها إلى الحبشة وضعت طفلاً من صلب سليمان، أسمته “منيلك”، أي ابن الملكين (سليمان وميكادا) وهو الملك الذي يزعم ملوك إثيوبيا أنهم من سلالته، ويطلقون على أنفسهم الأسرة السليمانية.

وفي ميثولوجيا “كبرا نجست”، تقول الراوية إنّ “منيليك” لما بلغ الثانية والعشرين، زار والده برفقة حاشية ضخمة في أورشليم، ففرح به وأكرم مثواه وقال له إنك تشبه أبي داود في صباه، إلّا أن الابن وبمساعدة حاشيته تمكن من سرقة “تابوت العهد” الذي يحوي الوصايا العشر التي أرسلها الرب إلى النبي موسى، وعاد به إلى الحبشة (أكسوم)، ووضعه في عهدة الكهنة والقساوسة بعد أن بنوا له كنيسة خاصة أطلقوا عليها “مريم صهيون”.

دبرظيون حاكم إقليم تيجراي وقائد التمرد على الحكومة الإثيوبية

استعادة الرمز

تحظى هذه السرديّة برواج وانتشار واسعين في إثيوبيا، وترقى إلى مرحلة الإيمان الذي لا يقبل الشك، ويعتقدون –بطبيعة الحال– أنّ التابوت يضم الألواح الحجريّة التي نحت عليها النبي موسى الوصايا العشر، كما يعتقدون أن “الفُلك”، أي سفائن نوح، لا تزال بقايا هياكلها مبعثرة في أكسوم.

ويبقى “تابوت العهد” أو “تابوت ظيون” باللغة الجئزية المُشتقة من الحميريِّة القديمة، والمكتوبة بخط المسند، ومعناها العربي الحرفي “تابوت صهيون”، هو الأسطورة الكُبرى لكنيسة “مريم صهيون”، التي أُنشِئت أساسًا من أجل صونه واحتوائه وحمايته.

كما يصادف يوم الحج إلى “مريم صهيون” يوم تدمير هرمجدون بقوة تابوت الرب، فيكتسب الحج معنى آخر، وبعُدًا روحيًّا مضاعفًا.

يوصف “تابوت العهد”، على أنّه الحاوية الأصلية للألواح الحجريِّة التي تحوي الوصايا العشر بالرمز المركزي لحضور الرب مع شعب إسرائيل، وأنه تابوت عهد رب الجنود المتوجين بالنصر المؤزر، ولربما هذا ما دفع الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي إلى الإسراع باستعادة بلدة أكسوم من قبضة آبى أحمد علي، أكثر من صمودها للمنافحة عن عاصمة الإقليم (ميكيلي) حتى تكتسب الحرب الدائرة هناك بعدًا دينيًّا ورمزيّات روحانية.

آثار أكسومية

لليهود نصيب

تقوم كنيسة مريم صهيون على تلة بالبلدة القديمة لمدينة أكسوم التاريخية الواقعة على ارتفاع نحو 7000 قدم فوق سطح البحر، غرب مدينة عدوة بشمال إثيوبيا، وقد تدمرت وأعيد بناؤها عدة مرات عبر تاريخ إثيوبيا المليء بالحروب وسفك الدماء، أما الكنيسة الجديدة التي تقع قرب شقيقتها التاريخية، فقد بناها الإمبراطور هيلاسلاسي 1965.

ما دامت كنيسة مريم صهيون تضم بين ظهرانيها “تابوت العهد” فلا بد من أن يكون لليهود الأحباش فيها نصيب مُقدر من الروحانيات، فقد سبقت اليهودية المسيحية والإسلام إلى إثيوبيا، لذلك يحج إليها يهود الفلاشا (بيت إسرائيل) بجانب الأرثوذكس الأحباش.

وهنا ترد الإشارة إلى أن الفلاشا الذين هاجر معظمهم إلى إسرائيل عبر عقود من الزمان، خلال القرنين الحالي والمنصرم، يقع بعض بلداتهم المُقسمة بين إقليمي تيجراي وأمهرة داخل نطاق ميدان الحرب الدائرة اليوم، مثل “شاير إند سيلاسي”، و”سيلميتي”، و”ديمبيا”، و”سيجيلت”، وهي بلدات مهمة للغاية، لكون كنيسة “مريم صهيون” تقع في ذات النطاق، وإن تعرضها للهجوم أو التدمير، قد يكسر خاطرهم الروحي ويؤلم وجدانهم الديني، وهذا ما يضعهم مباشرة أمام مسؤوليتهم إزاء حماية مقدساتهم.

كما يضع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في مواجهة ضغوط محتملة من إسرائيل، على اعتبار أن أماكن مقدسة لرعاياها معرضة للدمار. فهل ستكون “مريم صهيون” وتابوت العهد، تمائم مقدسة لحماية تيجراي من “غزوة” صاحب نوبل للسلام؟

 

عبد الجليل سليمان

صحفي سوداني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى