"جيش الهامستر" مَرّ من هُنَا

خاص| ماذا يحدث بألمانيا في زمن "كورونا"؟

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

تفاجأت صوفيا، الشابة الألمانية ابنة السابعة والعشرين، عند ذهابها لشراء البقالة الأسبوعية من منتجات غذائية برفوف خاوية في المتجر، فلا خضروات أو فاكهة هناك، أما منتجات الحبوب من أرز ومكرونة وخلافه، لم تجد منها سوى المنتجات مرتفعة الثمن والتي لا تتحمل ميزانيتها شراءها، فنظرت إلى عاملة المتجر قائلة: “يبدو أن جيش الهامستر قد مر من هنا” لتعود من حيث أتت بحقيبة فارغة وعقل محتار.

هذا المشهد أصبح واقعا يعيشه عدد من المواطنين الأوروبيين بشكل عام والألمان بشكل خاص خلال الأسابيع القليلة الماضية، فالقارة العجوز تشهد مؤخرا ظاهرة حمى الشراء، حيث يقوم الأشخاص بشراء السلع الغذائية والمواد المنظفة والمطهرات بكميات كبيرة لتخزينها، خوفا من عدم قدرتهم على الحصول عليها في حال طبقت حكومات بلادهم حجر صحي عام للحد من انتشار وباء كورونا.

ويستخدم الألمان وصفا مميزا في لغتهم لظاهرة حمى الشراء، وهو هامستر كوفا (Hamsterkäufe)، أي الشراء على طريقة حيوان الهامستر، فهذا الحيوان القارض والذي يشبه الفأر معروف أنه يخزن كميات كبيرة من الطعام في فمه، وربما يدل هذا الوصف في اللغة الألمانية على طريقة الألمان في استخدام اللغة وحدها لانتقاد سلوك ما وإظهار مدى سذاجة من يقومون به.

صوفيا- طبيبة ألمانية

قابلنا صوفيا وهي في طريقها لمنزلها عائدة من عملها كمساعد طبيب في مدينة بون بولاية شمال الراين ويستفاليا الألمانية، خلال استقصائنا لآراء المواطنين الألمان عن ظاهرة حمى الشراء، وخلال حديثنا معها عبرت صوفيا عن انزعاجها من تصرف الأشخاص بهذا الشكل، وترى أن لا داعي لمثل هذه التصرفات، خاصة مع تكرار الحكومة التأكيد على توفر كافة المواد وبكثرة، مضيفة أن من يشعر بالذعر خشية عدم توفر ورق مرحاض في المتاجر، عليه أن يخجل من نفسه ويفكر كيف يشعر هؤلاء الذين يعيشون في مناطق صراع وحروب وتسقط على رؤوسهم القنابل يوميا.

الشراء على طريقة الهامستر

ويتابع الخبراء الإعلاميون في ألمانيا رد فعل الأشخاص على كل ما هو له علاقة بفيروس كورونا، تواصل “ذات مصر” مع البروفيسور يواخيم تريبه، أستاذ علم الاتصال والصحافة في جامعة برلين الحرة، لفهم المشهد أكثر، يرى تريبه أن منصات التواصل الاجتماعي المليئة بصور الرفوف الفارغة لا تساعد على الأطلاق، فرؤية مثل هذه الصور تدفع البعض إلى الشعور بأن عليهم تخرين المنتجات.

يواخيم تريبه

وأضاف تريبه في حديثه مع “ذات مصر”: حمى الشراء التي نشهدها حاليا هي نتيجة لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي أكثر منها تأثير انتشار وباء كورونا، نعم الحكومة الألمانية تقوم ببث رسائل إعلامية لطمئنه المواطنين، وهذا أمر جيد، لكن هناك دائما مجال لتحسين الأداء.

ويعتقد تريبه أن الخطوات المتخذة ربما تكون بطيئة بعض الشيء، وأشار إلى ضرورة قيام وسائل الإعلام بدورها بشكل مهني، فليس هناك حاجة إلى التشديد على وصف أزمة وباء كورونا بمصطلحات عاطفية في عناوين الصحف والمواقع الإخبارية من أجل جذب القراء للاطلاع على المحتوى، فالوضع من وجه نظره يحتاج إلى الالتزام بأقصى معايير المهنية في التغطية الإعلامية.

حالة كورونا في ألمانيا حتى 18 مارس

ومن جانبها تابعت عبير سعدي، الخبيرة الإعلامية والمحاضر بجامعة دورتموند الألمانية، تطورات الأحداث وكيف تغيير سلوك الأشخاص في ألمانيا في التعامل مع الأزمة الخاصة بوباء كورونا بمرور الوقت، ويبلغ عدد الإصابات المسجلة حاليا في ألمانيا 9.367 توفى منهم 29 شخص بحسب بيانات معهد روبرت كوخ وهو المؤسسة المرجعية المسؤولة عن تقييم مخاطر وباء فيروس كورونا في ألمانيا، وأضافت سعدي في حديثها مع “ذات مصر”: في البداية كان الألمان يتابعون ما يخص وباء كورونا باعتباره حدثا وقع في الصين بعيدا عنهم، لكن ذلك اختلف تماما مع الارتفاع الشديد في عدد الإصابات بالفيروس في إيطاليا، وأدركوا سواء بالتهوين أو التهويل خطورة ما يحدث، فالأوضاع في إيطاليا تدهورت خلال أيام معدودة”.

عبير السعدي

وترى سعدي تنفيذ بعض الحكومات الأوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا للحجر لصحي العام، جعل الموجودين في ألمانيا سواء المواطنين أو الأجانب من المهاجرين واللاجئين يفكرون في سؤال: “ماذا سنفعل إذا حدث ذلك معنا؟” ومن هنا بدأ بعض الأشخاص تخزين السلع تدريجيا، مشيرة إلى عدم التفات هؤلاء الأشخاص لحقيقة أن الدول التي نفذ فيها حجر صحي عام، لم تغلق المتاجر وتم تنظيم عملية شراء السلع الغذائية والمنتجات الأساسية الأخرى.

وأضافت سعدي أن الإعلام يلعب دورا هاما في مثل هذه الأوقات الصعبة، فالجميع يعتمد على وسائل الإعلام لمعرفة ما يحدث، ومن أهم وظائف الإعلام في هذه المرحلة التحقق من المعلومات، وفلترة الأخبار المفبركة، وكشف زيفها، وزيادة الوعي للوقاية من الإصابة بوباء كورونا من خلال حملات توعية، وتعتقد سعدي أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تعاملت بمنتهى الشفافية مع الأمر، حتى تصريحها باحتمال إصابة سبعين في المائة من الشعب الألماني بفيروس كورونا، وإن ساهم في زيادة القلق لدي البعض، لكنه جزء من نهج سياسة الشفافية المتبعة في البلاد.

وكان من أولى السلع التي التي أقبل المواطنون على شرائها نتيجة الخوف من وباء كورونا، المنتجات طويلة المدى والمواد المنظفة والمطهرات، وبعد ذلك أدرك المتسوقون أن زيادة مناعة الجسم من خلال تناول طعام صحي تساعد على مقاومة فيروس كورونا، فسعوا لشراء الخضروات والفواكه وتناول كميات كبيرة منها، ونتيجة لذلك قامت بعض الشركات المالكة لسلاسل محلات سوبر ماركت بتأجير شركات أمن خاص لتنظيم عمليات الشراء من الشحنات الجديدة من هذه السلع والتصدي لمن يحاول شراء كميات كبيرة منها.

وخلال جولة في محلات سوبر ماركت في ولاية شمال الراين ويستفاليا، رصدنا عدم توفر أصناف من الخضروات والفواكه، بالإضافة إلى الأرز والمكرونة وأنواع من الطعام المعلب والصلصات والحليب واللحوم.

كريستينا شوتز

تواصل “ذات مصر” مع الشركات المالكة لهذه المتاجر لتعليق على الأمر، وقالت المتحدثة الإعلامية باسم سلسلة محلات السوبر ماركت الألمانية “ريفيه”، كريستينا شوتز: نحن نقوم بزيادة عدد الشحنات المرسلة إلى فروعنا على مستوى البلاد على مدار الأسبوع، لمواجهة ارتفاع الطلب على شراء المنتجات، ويعمل الموظفون في فروعنا على وضع كميات جديدة من المنتجات التي تم شراؤها على الرفوف باستمرار.

وانتقد رئيس وزراء ولاية شمال الراين ويستفاليا، أرمين لاشيت، خلال مؤتمر صحفي هذا الأسبوع ظاهرة حمى الشراء قائلا: النظام في ألمانيا مبني على الثقة، اشتروا ما تحتاجونه من السلع، لا داعي لحمى الشراء وتخزين المنتجات، كل شيء متاح ومتوفر بكثرة، هذا السلوك هو ما قد يخرب النظام.

نقطة البداية

انتشرت ظاهرة حمى الشراء في العديد من الدول مع ارتفاع عدد الإصابات بفيروس كورونا، في دول العالم، وخصوصا في أوروبا بشكل شبه يومي، وتقوم الدول والمنظمات الدولية بنشر تقارير عن آخر تطورات الأوضاع في كل ما يخص الوباء، وقامت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا بعد الفشل في كبح جماح الوباء، بفرض حجر صحي عام على كافة أرجاء البلاد.

إجمالي حالات الإصابة في ألمانيا حتى 17 مارس

وتقوم الدول الأوروبية الأخرى ومنها ألمانيا بالتدرج في الإجراءات لمواجهة انتشار الوباء والحد من الإصابة به، وأعلنت المستشارة الألمانية يوم الاثنين الموافق 16 مارس/ آذار عن المزيد من الإجراءات الحكومية للحد من انتشار وباء كورونا في البلاد، وذلك من خلال حظر التجمعات وإلغاء الأنشطة الاجتماعية وإيقاف الأنشطة التجارية غير الأساسية وتقييد إجراءات السفر للأفراد.

إطالة منحنى انتشار الفيروس

قال البروفيسور لوثر فيلي، مدير معهد روبرت كوخ الألماني في مؤتمر صحفي هذا الأسبوع إن الحكومة تقوم باختبارات منتظمة منذ بداية الحديث عن الفيروس لمتابعة سرعة انتشار الوباء في البلاد، مضيفا أن فيروس كورونا رغم ذلك لا يزال يؤثر على ألمانيا والعالم، وقد يستغرق الأمر شهورا لمواجهته، مشيرا إلى أن الفئة التي تتأثر بالفيروس دون غيرها تتمثل في الأشخاص الذين يعانون من الأمراض المزمنة وكبار السن، والذين يجب حمايتهم من خلال عدم تعريضهم لخطر العدوى.

ويكمن السناريو الأسوأ لانتشار وباء كورونا في انهيار أنظمة الرعاية الصحية في الدول نتيجة اكتظاظ المستشفيات بالأشخاص المصابون بالفيروس الذين بحاجة إلى تدخل طبي سريع نتيجة حدوث فشل التنفس لديهم، وهو ما يتطلب التنفس الاصطناعي والدعم في وحدة العناية المركزة، إذ لا توجد دولة تستطيع تحمل تكلفة ذلك، كما أن الضغط على المستشفيات يرفع عدد الأشخاص المعرضين للوفاة جراء أسباب أخري لعدم وجود رعاية طبية كافية لهم.

منحنى الوفيات حتى 17 مارس

وتبدأ الأمور بالخروج عن السيطرة بعدما يزيد عدد الإصابات بوباء كورونا على القدرة الاستيعابية للمستشفيات مع ممارسة التدابير الوقائية اللازمة خلال تقديم العناية الصحية للمصابين لمنع نقل العدوى، في هذه النقطة يكون الوضع قابل للتدهور بشكل أكبر بكثير، كون أن الفرق الطبية لا تقوم بالإجراءات اللازمة.

وتقوم الدول الأوروبية حاليا بتنفيذ استراتيجية “إطالة منحنى انتشار الفيروس”، فالهدف من هذه الاستراتيجية تبطئ وتأخير انتشار وباء كورونا بحيث تستطيع أنظمة الرعاية الصحية مواكبه عدد الإصابات الجديدة بالفيروس ومعالجتها مع ممارسة التدابير الوقائية اللازمة، وذلك من خلال تقليل الاختلاط بين المواطنين قدر المستطاع وإبقائهم في منازلهم أغلب الوقت، للحفاظ على معدلات العدوى ضمن حدود الطاقة الاستيعابية لمؤسسات الرعاية الصحية.

قصة

أحمد لملوم

ألمانيا

بمشاركة

أحمد بيكا

غُلاف

Start typing and press Enter to search