“مزاجنجي”.. الحياة للخائن

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

لي صديق مزاجنجي، لم يعمل يومًا طوال عمره الذي تجاوز الخمسين، قاوم ضغوط الأهل في الزواج، وعاش بلا مسئولية، ربما مرة وحيدة كلفته أسرته بالإشراف على بناء منزل جديد لهم، يذكر هذه الواقعة دائمًا بأسى، لأنها سببت له اضطرابًا زاد من وزنه كثيرًا ليعجز عن إنقاصه بعدها.

لا يصنع صديقي شيئًا غير الاستمتاع، يهوى الطرب القديم بمختلف ألوانه، ويُلم بكافة دقائقه وتاريخه إلمام خبير، لهذا فجزء معتبر من متعته في السماع وجلساته، أما الأجزاء الأخرى فتتوزع بين قعدات السمر والقراءة وربما السفر. ورغم موسوعيته في شئون الغناء القديم وأهله، لكنه يرفض أبدًا كل محاولة تستدرجه لكتابة مقال أو للظهور التفزيوني مثلًا رغم طلاوة قلمه وطلاقة لسانه.

لا يرغب صديقي ولا يقوم بفعل شيء غير تحصيل المتعة، فلا طموح يتعقبه، ولا رسالة يؤديها، ولا التزامًا من أي نوع يعكر صفو خياره. كما أنه متحرر من منظومة ثقافية واجتماعية طالما وظفت الناس ضد حرياتهم، واعترضت سبيل ما يستحقونه من لذة ومتعة.

المزاجنجي مثل صديقي يُنظر إليه باعتباره خائنًا لمجتمعه، بعد انفلاته من أي وضعيات اجتماعية أو ثقافية تحاصر رغباته وتَحْرِمُه من متعه ولذاته، لكن -في المقابل- هناك اتهام بالغباء يواجه أبناء مجتمعات تتراكم فيها القيود والأغلال القيمية إلى جانب ضغوط الحياة ومشكلاتها لتضمحل كياناتهم وهم مستسلمون، الاتهام يوجهه “ألبير كامو”، على أساس أن الغبي “من يخشى الاستلذاذ ولا يعرف سبيلًا إليه”، وذلك في ظل عبثية حياة نعيشها.

عن نفسي أُفضل أن أكون خائنًا على أن أكون غبيًّا، الخونة دائمًا ما يكونون أذكياء، وغالبًا ما تحركهم رؤى تضبط نزوعهم، وتضع مسافة بينه ومثيله لدى غيرهم، تمييزًا للمتعة التي تقوم على أساس الحاجة ولا تتطلب أبعد من جسد صحيح، والمتعة المستندة إلى الرغبة وتحكمها رؤية ما.

لهذا السبب لا أُخفي إعجابي بخونة عرفت سيرتهم، منهم اثنان أقرب للذاكرة، صادف أن قرأت عنهما مؤخرًا، الأول الفنان السريالي “سلفادور دالي” الذي جاهر بخيانته في حوار له، عندما سأله صحفي: كيف تقبل وسامًا من الجنرال فرانكو، ألم يتسبب ذلك في أي إحراج لك؟.

فأجاب “دالي”: المثقفون الملتزمون الذين رفضوا تكريمًا كهذا هم خدم، وأنا أرغب في البقاء سيدًا على الدوام. فاستدرك الصحفي: وماذا عن مثقفين قُتلوا في سبيل أفكارهم، أتنسى صديقك “لوركا” (أُعدم رميًا بالرصاص على يد قوات فرانكو)؟ فيرد “سلفادور”: يا سيدي أنا بدأت خائنًا لطبقتي البرجوازية، فقد آمنت بأقصى اليمين، أنا من أنصار الملكية المطلقة، وأنا كذلك فوضوي، لذلك سأقبل وسامًا من الاتحاد السوفيتي أو الصين، أعطني إياه وسأقبله فورًا.

إذن أنت راضٍ بدور الخائن؟! يسأل الصحفي، أجاب “دالي” وهو يضحك: نعم، لأنني أعارض “بيكاسو” في كل شيء (كان “بيكاسو” -وهو أستاذ “سلفادور” وصديقه- شيوعيًّا منتظمًا في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي).

وفي نهاية الحوار يقدم “دالي” تفسيرًا لمواقفه: اسمع، أسهل طريقة حتى لا تقدم تنازلات للذهب هو أن تمتلكه، حين يكون الإنسان غنيًّا فلا فائدة من الالتزام بشيء. البطل لا يدخل في أي التزام، إنه النقيض تمامًا للإنسان الداجن الأليف، وكما قال الفيلسوف الكتالوني “فرانسيسكو بيول”: الطموح الأكبر للإنسان على المستوى الاجتماعي هو الحرية المقدسة في أن يعيش دون الحاجة لأن يعمل.

عاش “دالي” حياة طويلة، عريضة، صاخبة، وحرضه هوسه بنيل “حريته المقدسة” على أن يكون “شرهًا للدولارات” بتوصيف زعيم السريالية “أندريه بريتون” له، فنجح في جمع ثروة هائلة، لكن كانت لديه نزعات أخرى رصدها في نفسها وسعى لإشباعها: جنون العظمة، وولعه بالنجومية، وجذب الانتباه حتى لو اضطر مثلًا لإحداث فضيحة في حفلة أو فعالية ما استجابة لرغبته في الظهور، لهذا رغم مطاردته المحمومة لحريته ربما لم يبلغ منها قدرًا بلغه صديقي.

النموذج الثاني هو الجنرال الروماني “لوكولوس”، عُرف بحملاته على آسيا الصغرى، واشتهر أكثر بحبه للرفاه. حصّل “لوكولوس” انتصارات عديدة بطرق بارعة وغير تقليدية جعلت أسلوبه في القيادة وإدارة المعارك موضع اهتمام من الخبراء العسكريين القدامى.

بعد عودته لروما امتنع عن أي دور في الحياة العامة، رافضًا عروضًا تلقاها للعمل السياسي والعسكري، فوجه له البعض اتهامات تتعلق بخذلانه روما.

تفرغ الجنرال لإنشاء مشروعات ضخمة لها غرض وحيد: المتعة، حيث أقام حديقة حيوان، ربما كانت الأولى من نوعها ليس بروما فقط بل بأوروبا كلها، فجمع الحيوانات من مختلف البلدان وأطلقها في غابة مسورة، كما أنشأ بحيرات صناعية ملأها بأطنان من مختلف أنواع السمك، ومن بدعته تلك عُرف “البيسين”، وهي كلمة لاتينية تعني حوض السمك.

شاد “لوكولوس” كذلك كهوفًا تحت الأرض ليُضيئها ويقيم بها حفلات صاخبة مستقدمًا الراقصات ناشرًا بها أجواء من المرح، لتكون تلك الكهوف أقرب إلى صورة الكباريه، فهو مبتكره الأول.

إلى جانب كل ذلك أقام الجنرال مكتبة ضخمة، فقد عُرف بحبه للكتب وإجلاله للفلاسفة، وكثيرًا ما استضافهم بقصره ليسمع منهم ويناقشهم أثناء تناول الطعام على موائده العامرة، حيث أحب كثيرًا الجمع بين المتعتين: متعة الفكر ومتعة الأكل، وهو بالمناسبة إلى جانب أنه واحد من أشهر الذواقة في العصر القديم فله يد بيضاء على المطبخ الأوروبي بفضل ابتكاره العديد من الوصفات المميزة.

لكن هذه الرحلة في دهاليز المتعة وسراديب اللذة لم تدم طويلًا، فقد توفي “لوكولوس” بعد ثلاث سنوات فقط من عودته إلى روما، ليستلقي على سرير مرضه الأخير وهو يهذي: “خسارة! لم تشأ الآلهة أن تجعل لي معدتين، لعلها أرادت الرفق بالطيور والأسماك وبمعشوقاتي.. لو كانت الآلهة تجيب لي طلبًا أخيرًا فاعرف منها ما الذي سوف يأكله الناس في بيتي وهم يبكون حزنًا على فقد صديق كريم.. ثم ينسون هذا كله وهم يشربون النبيذ ويتفرجون على الراقصات.. إنني أعرف أن المائدة سوف ينقصها الفرح وسوف ينقصها ذلك الرجل الضخم الذي كان زينة المجالس، والذي ذاق كل شيء في دنياه، وحصل على كل ما يريد، وحقق كل غاياته من الدنيا، لكن الآلهة بخلت عليه أن تكون له معدة أخرى”.

مات “لوكولوس” موصيًا أسرته أن يضعوا العسل في فمه لكي لا يفارقه طعم الحلاوة حتى بعد مغادرة الحياة.

هناك وقبل الثلاثة يتقدم مزاجنجي، بطل فيلم “الكيف”، أصل التسمية، الذي ضرب مثالًا على أن نمط وجودنا هو نمط للمتعة والبهجة، وأي محاولة لقمعه هي في الحقيقة ليست على سبيل الزهد أو التسامي بقدر ما هي ارتداد بالمتعة إلى الحاجة (الحيوانية) لا الرغبة (الإنسانية). كان تمرد “مزاجنجي” على قمع طبقته تحريرًا للرغبة من قيم اهترأت وأمست ثقلًا، تكبت أكثر مما توجه، لتصمه خائنًا لطبقته، لكن في أحيان كثيرة لا تُوهب الحياة إلا للخونة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search