زوايامختارات

“مزايدة إرهابية”: “تشدد” تنظيم الدولة في مواجهة “شعبوية” القاعدة

 

عانت الجماعات والتنظيمات الجهادية، كغيرها من التنظيمات، من الانشقاقات والنزاعات والصراعات بينها وبين التنظيم الأم. فقد نجح تنظيم القاعدة لفترة كبيرة أن يكون قبلة الجهاديين حتى انشقاق فرع القاعدة في العراق، وتأسيس الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، لتكون وجهة جديدة للجهاديين وفقًا لأهداف تختلف عن أهداف القاعدة، ونشأ بينهم صراع فكري وعسكري. وعلى خلفية هذا الصراع أصدرت ولاية داعش في اليمن فيلمًا وثائقيًّا بعنوان “معذرة إلى ربكم” تحاول أن تثبت فيه فشل منهج تنظيم القاعدة وانحرافه عن مساره بعد “الربيع العربي”.

الدراسة المنشورة في سبتمبر/ أيلول 2020، على موقع “مركز مكافحة الإرهاب” (وهو مؤسسة بحثية تابعة للأكاديمية العسكرية الأمريكية في نيويورك)، عنوانها: “الأزمة داخل الحركة الجهادية: تشدد تنظيم الدولة الإسلامية في مقابل شعبوية القاعدة”، وتنطلق من تحليل هذا الإصدار الإعلامي لرصد وتفصيل جوانب الخلاف بين تنظيمي القاعدة وداعش، وأهم ما استند إليه الأخير لإثبات ضعف وفشل القاعدة.

“معذرة إلى ربكم”: فيلم يُبرز نقاط الخلاف بين داعش والقاعدة

تمر الأفكار السلفية الجهادية بأزمة عميقة رغم صعودها السريع بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001. تتمثل هذه الأزمة في انقسام التنظيمات الجهادية على نفسها، لتُشكِّل معسكرات مُعارِضة بعضها لبعض على مستوى المنهج، حتى يصل الأمر إلى مستوى الحرب الأهلية -إن جاز التعبير- فيتجه بعضهم إلى التشدد والتزمت في فكره الجهادي، والآخر يذهب لمزيد من الشعبوية.

يتسم تنظيم الدولة الإسلامية بالتشدد في تطبيق منهجه، رافضًا الدخول في أي تحالفات مع أحزاب أو أنظمة، ساعيًا نحو إقامة خلافة إسلامية دون وضع أي اعتبار للمعايير الحديثة لتأسيس الدول. في المقابل ترى حركات جهادية -وأهمها تنظيم القاعدة- أنه لا مانع من عقد تحالفات مع حكومات وفصائل علمانية وغيرها إسلامية (كالإخوان المسلمين) لتصل إلى ما تهدف إليه، واضعةً في الاعتبار عدم التنفير وأهمية كسب جماهير الشعوب المسلمة.

إصدار مرئي لداعش

ركّز الإصدار الإعلامي الذي أُذِيع على إحدى المنصات الإعلامية لولاية اليمن التابعة للدولة الإسلامية، ومدته 52 دقيقة، على ما وصفه بانحرافات القاعدة بعد الربيع العربي. وتتمحور اتهاماته للقاعدة حول عنصر أساسي وهو التردد في إقامة دولة إسلامية. ويزعم الفيلم أن القاعدة يرفض تطبيق الشريعة في المناطق التي يسيطر عليها رغم أنه واجب، كما يتهم القاعدة بالازدواجية، لأنه يرفض شن حرب على الشيعة والصوفية (اللذين تعتبرهما الدولة الإسلامية مُشركين) ويُفضِّل بدلاً من ذلك محاربة جنود الدولة الإسلامية ويصفهم بالخوارج.

ورغم أن الفيلم لا يأتي بجديد عن المسائل الخلافية بين الدولة الإسلامية والقاعدة، إلا أنه مهم لكونه يشمل كل الجوانب محل الخلاف بين التنظيمين، فضلاً عن تسليطه الضوء على عمق الأزمة بينهما من جهة، وداخل الحركة الجهادية عمومًا وأوجه التشدد والتزمت الذي يتبعه تنظيم الدولة الإسلامية من جهة أخرى.

الهدف من إذاعة الفيلم ونشره هو تأكيد رؤية تنظيم الدولة في ضرورة تكثيف الهجوم على القاعدة خاصة في منطقة الجزيرة العربية، لتفتيت التنظيم وتعزيز الانشقاقات داخله. يتوازى مع ذلك ارتفاع موجة محاكمة الجواسيس داخل القاعدة في الشهور الأخيرة، واستقالة قادة وعلماء داخل القاعدة وتسليم أنفسهم للسلطات السعودية. ويخدم محتوى الفيلم هذا الهدف، ويُسلِّط الضوء على تعاون فرع القاعدة في اليمن مع الحكومة اليمنية وتسليم أراضيه للمجالس القبلية والأحزاب الاشتراكية، بدلاً من إقامة دولة إسلامية داخل اليمن.

نزاع عائلي: تنظير الانقسام بين القاعدة والدولة الإسلامية

يتبنى التنظيمان أيديولوجية جهادية متطابقة، ورغم ذلك تصادما على أساس درجة البراجماتية مقابل التطرف. ويؤثر هذا التنافس والتصادم في عمليات التعبئة والتجنيد، وكذلك إمكانية الحصول على التمويل.

ويمكن تحليل الانقسام الحاصل من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية:

“من نحارب؟”

تهدف الإجابة عن هذا التساؤل إلى تأطير الصراع. تشير الإجابة إلى هوية العدو الأَولى بالمحاربة، وهو الأنظمة المحلية القريبة، أم الدول الغربية البعيدة. وفي هذا الإطار فقد أجاب أسامة بن لادن عن هذا التساؤل بضرورة محاربة الأنظمة الغربية التي تتحكم في الأنظمة الحاكمة محليًّا، واستهدف الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر/ أيلول2001. ولكن الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان أدى إلى صعود الأنظمة المحلية (العدو القريب) كهدف للتنظيمات الجهادية، وهو ما أدى إلى انشقاق فرع القاعدة في العراق عام 2006 وبداية ظهور تنظيم الدولة الإسلامية.

ومع موجة الربيع العربي وانهيار الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط، زادت فرص تنظيم الدولة في إثبات صحة أولوياته وترسيخ منهجه، وإقامة الدولة الإسلامية في العراق والشام، وفي المقابل دعا تنظيم القاعدة لعدم الانجراف وراء دعوات تنظيم الدولة، والتمسك بسلاح الصبر الإستراتيجي.

“ما الذي نقاتل من أجله؟”

يسعى هذا السؤال لكشف أهداف التنظيمين من الصراع. فالقاعدة وتنظيم الدولة يهدفان إلى تأسيس نظام حكم قائم على الشريعة الإسلامية، وأن ترأسه سلطة إسلامية سُنّية. ولكن اختلف كلاهما في طريقة التطبيق، فيرى القاعدة أنه من غير المناسب تأسيس نظام حكم إسلامي دون رضاء جماهيري. وفي المقابل يرى تنظيم الدولة الإسلامية أن من حقه اقتطاع الأراضي وإقامة نظام إسلامي والعمل بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ثَمَّ عدم الاكتراث بأي كيانات أو جماعات أخرى بمن في ذلك الإسلاميون والسلفيون.

“مَن تمكن مهاجمته وفقًا للشرع؟”

يستهدف كل تنظيم في صراعه منْ يرونه جماعة مكروهة أو عدوًّا. فيرى تنظيم القاعدة أن العدو البعيد هو المُستهدَف، ولا يستهدف إخوانه في الدين حتى لو كانوا من المجتمعات الشيعية أو الصوفية، وذلك رغم صدور فتاوى بتكفيرهم.

أما تنظيم الدولة -على عكس منهج القاعدة- فلا يجد أي عائق شرعي في استهداف الأنظمة المحلية، والتي يعتبرها “مرتدة” ويُكفِّر كل منْ يتعاون معها، حتى وإن كان على نفس الدين، فضلاً عن تكفير الشيعة والصوفية وإباحة قتلهم.

من الإصدار المرئي لداعش

حجج تنظيم الدولة في انتقاد القاعدة

أشار تنظيم الدولة الإسلامية في الفيلم الوثائقي “معذرة إلى ربكم” إلى أنه الجماعة الأحرص على تنفيذ تعاليم الدين، وأنه الأكثر التزامًا بالعقيدة السلفية، مشددًا على أن تنظيم القاعدة قد انحرف عن مساره وعن الأيديولوجية السلفية، سعيًا نحو شعارات كاذبة وتأييد جماهيري زائف، واعتبر القاعدة أقرب عدو لتنظيم الدولة. وفي ما يلي ما أفرده الفيلم من حجج يثبت بها شرعية موقفه.

1- إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة

يمكن تقسيم وجهات نظر جماعات الفكر الجهادي بشأن إقامة الدولة الإسلامية إلى 3 وجهات نظر، أما الرأي الأول فيأتي من القاعدة، الذي يرى أن إقامة دول إسلامية ليست أولوية في ظل الظروف الحالية، وأنه يجب دعم الثورات ضد الأنظمة المعادية، وذلك من خلال عقد تحالفات تكتيكية مع النخب الداعمة للثورات والامتناع عن السياسات المثيرة لشعوب تلك الدول. والرأي الثاني فيعود للجهاديين المحليين أمثال “طالبان” في أفغانستان و”أحرار الشام” في سوريا، والذين يقاتلون بهدف إقامة نظام حكم إسلامي في إطار الدولة القومية، دون النظر إلى فكرة إلغاء الحدود. أما الرأي الثالث فيتبناه تنظيم الدولة الإسلامية والذي يحوي طموح إقامة دولة الخلافة الإسلامية على الحدود التي كانت موجودة قبل تقسيم “سايكس بيكو”، ولا يضع أصحاب هذا الرأي أدنى اعتبار للفصائل الإسلامية المحلية أو شعوب تلك الدول أو مصالح الدول الخارجية.

وفي هذا الإطار اتُّهِم تنظيم القاعدة بأنه أخلَّ بالمسؤولية التاريخية التي كانت على عاتقه بإقامة دول إسلامية في الأراضي التي يسيطر عليها، وأن يعمل على تطبيق الشريعة داخلها. فقيادات القاعدة سلّمت شارة الجهاد لجيل من الإسلاميين المبتدئين المتأثرين بمفاهيم الديمقراطية، والتدرج في تطبيق الشريعة، والتعاون مع الجماعات الإسلامية والقومية والعلمانية والاشتراكية. وادعى تنظيم الدولة أن القاعدة سيجني ثمار ذلك بخيانة حلفائه له، وأنهم سيُوجِّهون أسلحتهم نحوه، كما فعلوا في سوريا وليبيا ومالي ومصر والسودان.

لقطات بثها التنظيم

2- رفض التحالفات المخالفة للشريعة

يرى تنظيم الدولة أن القاعدة أقام تحالفات مع أحزاب لا تلتزم بقواعد السلفية الجهادية، بل تستغل الجهاديين المحليين لعدم الدفع نحو تطبيق مشاريعهم الإسلامية. ويستشهد الفيلم بعدة أمثلة، أولها حركة طالبان التي يرى أنها منحرفة ومرتدة لإقامتها تحالفات مع المخابرات الباكستانية “المرتدة” واعترفت بدولة إيران وحدودها، فضلاً عن التفاوض مع الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة.

كما تناول الفيلم جبهة النصرة في سوريا، التي انشقت عن القاعدة، وتحالفت مع فصائل ترعاها دول الخليج وتركيا. وكذلك القاعدة في اليمن وتعاونه الوثيق مع الحكومة اليمنية المدعومة من قوات التحالف لمواجهة جنود تنظيم الدولة والحوثيين. ولم يكن أيمن الظواهري بمنأى عن طلقات الدولة الإسلامية، فانتقده الفيلم لتأييده حكومة الإخوان المسلمين في مصر، قبل الإطاحة بهم في 2013، وإضفاء شرعية على فصيل مرتد.

3- الطائفية

يرى تنظيم الدولة أن القاعدة رفض تبني الاستهداف الطائفي خوفًا من الرأي العام، ويشير إلى ما صرّح به أيمن الظواهري من أن أفضل طريقة للتعامل معهم هو التبشير والتنشئة الاجتماعية وليس الصراع الطائفي، فضلاً عن وصفه لأقباط مصر بأنهم “شركاء في الوطن”. أضف إلى ذلك حماية طالبان للشيعة الهزاريين بدلاً من تكفيرهم وتطبيق الحدود عليهم.

ويصر تنظيم الدولة الإسلامية منذ أن أنشأه أبو مصعب الزرقاوي، على أن التكفير الجماعي مسموح به، لأن الجهاديين ليسوا في وضع يسمح لهم بالفصل في قضايا الردة فرديًّا في ظل الظروف الحالية.

4- الدفاع عن التشدد

يرى تنظيم الدولة أن القاعدة وقع في تناقض شديد، فبينما يهاجم جنود الدولة الإسلامية ويعتبرهم خوارج العصر ويُجيز قتلهم، فهو يمتنع عن التشكيك في حلفائه من العلمانيين والشيعة والمسيحيين والإخوان المسلمين باسم “الميزة الإستراتيجية”. ويؤكد تنظيم الدولة أن القاعدة غير صالح لقيادة الإسلاميين وأن الدولة الإسلامية هي الجماعة الوحيدة التي تضع الجهاد في خدمة التوحيد، وترفض التحالف مع غير المسلمين تطبيقًا لمبدأ الولاء والبراء.

عنصر داعشي

تأثر العالم بالصراع على أساس التشدد

إن تنامي واتساع التوجهات العنيفة للجماعات الجهادية، نتيجة ما أسفرت عنه هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 واحتلال العراق وأفغانستان وسيطرة الشيعة على العراق، أفرز تنظيمين جهاديين كبيرين وممتدين بدلاً من تنظيم موحد. ويخشى البعض أن الصراع الزائد والمستمر بين تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية قد يُسفِر عن “مزايدة إرهابية”، فيزايد أحدهم على الآخر في التأكيد على أنه الأجدر بجذب المجندين والتمويل، وذلك من خلال إظهار فاعلية أكبر، بتنفيذ عمليات إرهابية أكبر وأكثر دقة.

 

المصدر
CTC

إسلام أحمد حسن

باحث في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى