ثقافة وفن

مزيكا الصحوة 2.. “أخاصمك آه” تهز وسط القاهرة المحتشم

في بداية الألفية الجديدة أفرزت ورش عمل شباب الفنانين أسماء كان لها دور بارز لاحقاً كمحمد رحيم وعمرو مصطفى؛ ومن هذه الورش جاءت ضربة البداية الأولى التي هزت الشارع المصري وهي أغنية “أخاصمك آه” لنانسي عجرم.

كواليس صناعة “أخاصمك آه” تكشف خطوط كثيرة في صناعة الأغنية العربية، ومراحل تطورها في الفترة من النصف الأخير في عقد التسعينيات وعلى امتداد 15 عاماً مقبلة.

فنانسي عجرم بالنسبة إلى المصريين لم تكن مثل بقية المغنيات اللبنانيات اللاتي عرفوهن وعشقوهن على مدى السنوات السابقة مثل: ماجدة الرومي، وديانا حداد، ونوال الزغبي، وبعدهن إلين خلف، ثم إليسا، ومريام فارس.

هؤلاء جميعاً تربوا على الأغنية العربية بشكلها الكلاسيكي، وأصواتهن مميزة، ولديهن مساحات واسعة في حناجرهن، وشدة في الصوت، ويدركن جيداً كيف ينزلن إلى القرارات، ويصعدن إلى الجوابات دون أن يقعن في فخ الأداء المستعار للنغمات؛ وأصواتهن جمعياً تتميز بالفرادة.

فصوت ديانا حداد مثلاً متفرد من طبقة “الآلتو”، ولديها نفس قوي للغاية تستطيع أن ترفع من شدة صوتها بدرجة تمكنها من إيصال موجات صوتها لآخر فرد يجلس في القاعة دون الاحتياج لمايك، ولديها حشرجة مميزة تقف على مسافات متباينة بين النقاء والخشونة توظفها بشكل ساحر بأدائها لبعض الألحان التي تختارها بعناية؛ ودائماً ما تصنع بصوتها ما يشبه ما يفعله المطربون اللبنانيون الشعبيون في أغاني الدبكة الشعبية، ويتجلى ذلك في أغنيتها “ماس ولولي” و”زي السكر”.

كل الأسماء السابقة تنتمي إلى مدرسة رائد صناعة النجوم في لبنان “سيمون أسمر”، مؤسس برنامج “استديو الفن” الذي تخرج فيه كل تلك الأسماء الرنَّانة، وقام بتدريبهنَّ خبراء وأكاديميون موسيقيون.

وقد ساهم اتساع السوق المصرية وضخامة الإنتاج في انتشارهم عربياً وعلى نطاق واسع، فشركة مثل “عالم الفن” أنتجت للكثير منهن، فيما أجبرهن الاعتماد على العامية المصرية -باعتبارها اللهجة الأوسع انتشاراً في الوطن العربي- على إقامة علاقات وطيدة بجميع الشعراء والملحنين والموزعين المصريين وأصحاب الاستديوهات، حتى لو كان الإنتاج لبنانياً.

كواليس صناعة “أخاصمك آه”

إيلين خلف
إيلين خلف

عندما ظهرت نانسي عجرم بـ”أخاصمك آه” عام 2003 ظهر خط جديد تماماً على اللبنانيين والمصريين بل وفي الغناء العربي كله، فلم يكن لنانسي علاقة بتيار سيمون أسمر المهيمن على الساحة العربية.

درست نانسي الموسيقى، وشاركت في برنامج تليفزيوني ذات مرة ثم انقطعت أخبارها، وبعد تخرجها أصدرت ألبومين لم يحققا أية شهرة على الإطلاق، بشكل قد يضع المبدع أمام سؤال اعتزال الفن، إلى أن جاءتها “أخاصمك آه” التي انتشلتها من كل هذا الفشل والتخبط لتنقلها نقلة مصيرية في حياتها، وتدخل بها صناعة الموسيقى في مصر إلى طريق جديد.

فكيف وصلت “أخاصمك آه” إلى نانسي عجرم؟ وكيف وصلت الموسيقى العربية إلى “أخاصمك آه”؟

فور انتهاء الثلاثي: فوزي إبراهيم ومحمد سعد وعادل عايش من كتابة وتلحين الأغنية ذهبوا بها إلى المطربة إلين خلف التي حققت شهرة كبيرة آنذاك؛ فمنذ مطلع الألفية أصدرت أكثر من فيديو كليب من بينها “عز عليا تهجرني” و”لا لي ليه” وفي هذا العام انتهت من تصوير “لو عندك كلام“.

وجميعها أغانٍ حققت شهرة واسعة لدرجة أن إلين أصبحت نجمة حفلات الإذاعة والتليفزيون المصرية التي تقام سنوياً في احتفالات أعياد الربيع، وإلين فنانة تفعل كل شئ؛ بارعة في الرقص وقوية في الصوت وتختار ألحاناً تلقى قبولاً جيداً ومنتجها جيجي لامارا يفتح بابه لكل الشعراء والملحنين المصريين الذين يريدون أن يتعاونوا معها.

عرض الثلاثي أغنية “أخاصمك آه” على إلين فرفضتها؛ يبدو أنها رأت أن اللحن لا يناسب إمكاناتها الصوتية إطلاقاً، فطبقة صوتها من النوع “آلتو”، وعندها قدرة على رفع شدة صوتها، وسهولة في الصعود والهبوط ما بين القرارات والجوابات بشكل مريح للغاية، وبالتحديد في منطقة القرارات.

بينما لحن “أخاصمك آه” منظوم في مساحة صغيرة لا تتجاوز نصف “الأوكتاف” إلا بفارق نغمة أو نغمة ونصف في أجزاء من الجمل، غير أن السكتات بفارق مازور بين كل آهة والأخرى يفرض عليها هدوء ونعومة في الأداء لا تتحلى بها إلين.

في النهاية رفضت الأغنية رغم اعتراض مدير أعمالها جيجي لامارا، الذي أخبرها بعد أيام قليلة أنه سئم العمل في إنتاج الموسيقى ويريد أن يعتزل، وبالفعل ترك العمل معها، وهاتف صُنَّاع الأغنية ليعرفهم على فتاة لبنانية جديدة تدعى نانسي عجرم.

افتتنت نانسي بالغنوة، واتفقت مع صديقتها نادين لبكي التي انتهت مؤخراً من دراستها للإخراج السينمائي لتصنع لها فيديو كليب، وبذل عادل عايش الموزع قصارى جهده فيها حتى تخرج بالشكل التي خرجت به للناس لتقوم الدنيا بعدها ولا تقعد.

 فما الجديد الذي أحدثته هذه الغنوة في الموسيقى لتقف كحد فاصل للغناء المصري لما قبل 2003 وما بعدها؟

توظيف الجنس موسيقيا

نانسي عجرم
نانسي عجرم

بحكم سيطرة الجماعات الإسلامية على سوق الكاسيت، كان لابد من شيء مضاد يفعله صناع الموسيقى في مصر، كان لابد من شيء يأخذ بيد المضجرين من الصحوة الأخلاقية الخانقة. إنه الجنس أزمة الجماعات الإسلامية الأبدية.

للكاتب المسرحي الأمريكي جورج ناثان عبارة شهيرة تقول إن “الفن هو الخيال الجنسي”، وقد تكون هذه العبارة سهلة التحقيق في الأدب أو الفن التشكيلي، فكلاهما مجالان نخبويان أخذا براءة التعبير الحر منذ عهود، ونجحا في تبرير التخييل الجنسي فيهما؛ لكن كيف يتم تحقيق هذه المعادلة في الأغنية أكثر القوالب الموسيقية، والفنون عامة، رواجاً وجماهيرية؟

يبدو أن هجوم الأغاني الغربية على الفضائيات بالتحديد ككليبات شاكيرا قد فرضت هذا التساؤل حول مزج الجنس بالغناء. لكن شاكيرا تغني في أجواء تسمح بحرية الكلام، وتستطيع أن تتحدث عن المؤخرات والنهود، وقصص عن ممارسة الحب بحرية.

أما في الشرق فلم يكن الكلام متاحاً؛ فكان لابد من التفكير في شيئين: أولاً كيف يُترجم الجنس موسيقياً. وثانياً ما مرجعية ذلك؟ فهل أنا أصنع شيئاً جديداً على موسيقانا، أم أن هناك من سبقني في هذا؟

فلنبدأ بالإجابة على التساؤل الثاني؛ هذا شيء جديد، وفي نفس الوقت له أصول في الموسيقى العربية؛ فمنذ محمد عبد الوهاب وحتى إلين خلف اختفى فكرة توظيف الجنس في الأغنيات.

أما إذا رجعنا إلى ما قبل عبد الوهاب إلى موسيقى التخت والمسارح الغنائية وفرقها في ثلاثينيات القرن العشرين كفرقة نجيب الريحاني وبديعة مصابني فكان ذلك الإنتاج الفني متوغلاً في الإباحية، ليس على مستوى الموسيقى فقط بل على مستوى الكلمات، والموسيقى تأتي فقط لتهيئ لدراما الكلام.

ثم أن هناك أيضا الفلكلور والذي من الممكن أن يوضح هذه النقطة أكثر من المسارح الغنائية؛ ففي الثلاثينات مثلا “أحمر يا قميص النوم” أو “ادحرج واجري يا رمان” جمل جنسية بحتة، لا توجد بها جمل لحنية طويلة، بل هي إيقاع بلدي يردد من خلاله الكلام ويستخدم فيه الدربكة غالباً.

نجيب إذن على التساؤل الأول كيف يتم ترجمة الجنس في عصر الكمبيوتر والاستديوهات المتطورة؟

الجيل الموسيقي الجديد في مطلع الألفية تمكن من اختزال الجنس في صوت المغنيات، فقد توصلوا إلى أن تلك الأصوات التي تحدثها المرأة لحظة الجماع أو لحظة الشبق أو الهياج العاطفي هي مجرد تطبيقات مختلفة للصوت في مفردة “آه” قد تخرج في حالة ألم وقد تخرج في حالة شجن ولوعة، وقد تخرج في حالة هياج جنسي ففي كل حالة لها وقع مختلف على الأذن.

الجنس فيه أنفاس تخرج أحياناً  بمزيج ما بين  المكتوم والمبحوح، تشعر أن شخصاً يصرخ من اللذة، ورغم أنه يصرخ إلا أن شدة صوته تكاد تكون منعدمة ،وتخلق إيقاعاً خاصاً بها يختلف عن الإيقاع العام لأي طريقة كلام.

من هنا جاءت فكرة اللعب على هذه المفردة وعلى سمات الصوت الجنسي عموماً؛ وخلق طريقة لحنية وتوزيع يلتقيان بهذا التوظيف ويبقى الكلام كما هو مع إضافة “آه” أو ما شابه الآه.

ينطبق هذا على “أخاصمك آه” التي لم تنتظر الآه أن تبدأ الأغنية حتى تصدرت عنوانها نفسه، وستتكرر في الأغنية 10 مرات؛ أحياناً تؤديها نانسي بشكل مطابق للحن، وأحياناً تؤديها بشكل مستعار أي خارج على اللحن، وهذا ما يضفي عليها مزيداً من الشبق.

هنا أحرز صناع الأغنية هدفاً موسيقياً من العيار الثقيل، لأن المستعار في الغناء دائماً ما يدخل في مصاف النشاز، فيعتبر حينها خطأ وركاكة، لكن هنا تحول الخطأ لموطن جمالي، وأن يتحول المستعار إلى جمال يؤدي غرضه المنشود فهذه تسديدة رائعة للغاية.

تبدأ الأغنية بلحن على مقام كرد من مفتاح اللا بسرعة فوق المتوسطة، وبتركيبة هارمونية بسيطة بطلها الأكورديون الذي يغلف الأغنية من بدايتها إلى نهايتها، بطريقة عزف أقرب إلى الشعبي المصري منها إلى الفرنسي، بفكرة قد تكون بسيطة بعض الشيء لكنها ملائمة.

نانسي عجرم
نانسي عجرم

فتبدأ الجملة الأولى في مساحة لا تتجاوز جنس المقام، تتبعها كوردات عنيفة، ثم تتكرر نفس الجملة بفارق طبقة أعلى، ويتم لصق نفس الكوردات السابقة وتغييرها في المرة الثالثة لتصبح أكثر امتداداً، فتتجاوز جنس المقام حتى تعود لركوزها فيصمت الأكورديون ليعلن دخول صوت نانسي، بحراسة إيقاع المقسوم الذي انطلق منذ البداية يتصدره صوت دربكة مغلف بآلات إيقاعية أخرى منها الباص جيتار.

ويستمر هذا النمط طيلة الغنوة بدون أي تشكيل أو إضافات أو سكتات، لتبدأ نانسي تغني “أخاصمك آه” في مساحة صغيرة جدا لا تتجاوز 3 نغمات في منطقة القرارات.

يعتري الجمل اللحنية سكتات طويلة نسبياً بين “أخاصمك آه، وأسيبك لا”، والتي ستتغير في مواضع أخرى بسكتات صغيرة تملؤها بآهات على مسافة 5 مازور، فبدلاً من أن تقول “أخاصمك آه” وتصمت، تقول أخاصمك آه +صمت+ آه+صمت+ آه؛ بين كل آه سكتة بفارق مازور، حتى يتسنى لها إخراجها بالشكل الشبق المرجو.

الجمل اللحنية التي تؤديها نانسي عجرم على مدى الغنوة المكونة من 3 كوبليهات منهم السينيو الذي به “أخاصمك آه” معظمها محصورة في جنس المقام، تتجاوزه وتنتقل للجوابات في مواضع بسيطة مثل “وأنت اللي بُعده عن هوايا بيتعبني”، فتمتد بصوتها بكلمة “بيتعبني” لتلعب في منطقة الجوابات، وتعود سريعا للركوز.

جاء هذا النظم اللحني متناغماً مع إمكانيات صوتها وخرجت الأغنية مصورة بفيديو مبتكر لنادين لبكي لفتاة ترقص على أنغام الأكورديون، في حانة على طراز قديم تذكرنا بما كان يطلقون عليه “خمارة” في أربعينيات القرن العشرين.

في الفيديو نانسي عجرم هي الأنثى الوحيدة “الدلوعة” وسط مجموعة كبيرة من الزبائن الذكور الذين سيتشاجرون مع بعضهم مشاجرة عنيفة، وتفلت منهم وهي تنفجر ضحكاً من ممارساتهم، وتشعر أنها أقوى منهم جميعاً، وأنها محور هذه المشاجرة التي ربما تسفر في النهاية عن موتهم.

يصدر الكليب وتحتضنه قناتي “ميلودي” و”مزيكا” ويبث طيلة اليوم لدرجة أن لا حديث في الشوارع سوى عن تلك الفتاة الجديدة التي ترقص في المقهى وتغني أخاصمك آه آه آه”.

محمد نبيل

صحفي وناقد مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى