سياسةمختارات

مساجد فرنسا في مَرْمَى “قيم الجمهورية”!

 

“مكافحة التطرف الديني”، “مناهضة الانفصالية”، “الإرهاب الإسلامي”، جميعها مصطلحات تسوّقها فرنسا في إطار حملتها على جماعات الإسلام المتطرفة، كما اعتادت وصفها خلال الأسابيع الأخيرة. قصة مفتوحة، تجلت مؤخرًا في حملة شنتها الحكومة الفرنسية على عدد من المساجد في باريس وضواحيها، يشتبه بأنها تغذي التطرف الديني.

وتُخضِع هذه الإجراءات الواسعة وغير المسبوقة في إطار مكافحة التطرف الديني، 76 مسجدًا للفحص، وقد يترتب عليه غلق بعض منها، من أجل مناهضة ما وصفه وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانان، في بيان على تويتر، في 3 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، بأنه تحرك لمناهضة “الانفصالية”. ووفق ما ذكرته وسائل إعلام محلية فإن 16 مسجدًا من تلك المساجد تقع في العاصمة باريس وضواحيها، وأن 18 منها من الممكن إغلاقه.

76 mosquées sont aujourd’hui soupçonnées de séparatisme.
Dans les prochains jours, des contrôles vont être menés sur ces lieux de culte.
Si jamais ces doutes sont confirmés, je demanderai leur fermeture. pic.twitter.com/Mq8DGnB2Pr

— Gérald DARMANIN (@GDarmanin) December 3, 2020

وتأتي الإجراءات في أعقاب 3 هجمات إرهابية شهدتها فرنسا في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كان أبرزها حادث مقتل المعلم صامويل باتي بعد عرضه عددًا من الصور المسيئة للنبي محمد (ص) على طلابه في المدرسة، إلى جانب حادث طعن 3 أشخاص بالقرب من كنيسة نوتردام في مدينة نيس، بالإضافة إلى هجوم مسلح على كنيسة في مدينة ليون، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى القول بأن بلاده لن تتخلى عن هذه الرسوم المسيئة ردًّا على هذه الهجمات، معتبرة إياها “حرية تعبير”، ولكن هذه التصريحات قوبلت بالرفض من عدة دول إسلامية وعربية.

لا شيئ يجعلنا نتراجع، أبداً.
نحترم كل أوجه الاختلاف بروح السلام. لا نقبل أبداً خطاب الحقد وندافع عن النقاش العقلاني. سنقف دوماً إلى جانب كرامة الإنسان والقيم العالمية.

— Emmanuel Macron (@EmmanuelMacron) October 25, 2020

سلسلة مفتوحة

وتُعد الحملة على المساجد استمرارًا لسلسة الإجراءات التي عكفت الحكومة الفرنسية على تنفيذها مباشرة على خلفية الهجمات، إذ اتخذت فرنسا عدة إجراءات أخرى تمثلت في إخضاع نحو 51 جمعية دينية للمراقبة، للنظر في حل عدد منها بسبب تورطها في الترويج لأفكار تنافي مبادئ الجمهورية الفرنسية، فضلاً عن قرار حل حركة الذئاب الرمادية القومية التركية المعروفة بسلوكها المتطرف.

وقبل أيام، وجّه الرئيس الفرنسي إلى قيادات إسلامية في بلاده قبول “ميثاق قيم الجمهورية”، كجزء من حملة واسعة النطاق على المتشددين، وأمهل ماكرون القيادات 15 يومًا لقبول الميثاق الذي ينص على أن الإسلام دين وليس حركة سياسية، ويحظر “التدخل الأجنبي” في شؤون الجماعات الإسلامية.

وعلى مدار 5 سنوات حتى عام 2019، تصاعد مؤشر الإسلاموفوبيا في فرنسا وفق ما نقله مرصد الأزهر لمكافحة التطرف عن استطلاع أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام نهاية العام الماضي، حول أعمال التمييز والعنصرية التي يتعرض لها مسلمو فرنسا بسبب دينهم، والذي أظهر أن أعمال التمييز والاعتداءات ضد المسلمين في فرنسا تتزايد يوميًّا، مقارنةً بأصحاب الديانات الأخرى، وأن 42% من مسلمي فرنسا كانوا ضحايا لنوع من أشكال التمييز، مرة واحدة على الأقل في حياتهم.

وبالعودة إلى الوراء قليلاً، نجد أن فرنسا لم تكف عن الربط بين التطرف والإسلام في خطاباتها، حتى قبل هذه الهجمات الأخيرة، ففي خطاب ألقاه الرئيس الفرنسي في أحد ضواحي باريس قبل شهرين وتحديدًا في 2 أكتوبر/ تشرين الأول، قال إن “الإسلام يعيش أزمة في كل مكان في العالم، وعلى فرنسا التصدي للنزعة الإسلامية الراديكالية الساعية لإقامة نظام موازٍ وإنكار الجمهورية”، في إطار خطة عمل فرنسية حول النزعات الانفصالية، وبالخصوص النزعة الإسلاموية المتطرفة، وفق الوصف الفرنسي.

الشرطة الفرنسية

وضع ملتبس

ولكن في ظل الانتقادات التي واجهها ماكرون في أعقاب الهجمات الإرهابية، تعمد أن يغرد بالعربية في تدوينة عبر تويتر مصحوبة بمقطع من لقاء خص به قناة الجزيرة القطرية كخطوة توضيحية لموقف بلاده قال فيها: “رأيت الكثير من الأكاذيب، وأريد أن أوضّح ما يلي: إن ما نقوم به حاليًّا في فرنسا هو مكافحة الإرهاب الذي يُرتكب باسم الإسلام، وليس الإسلام بحد ذاته. وقد أودى هذا الإرهاب بحياة أكثر من 300 شخص من مواطنينا”، كما طالب ماكرون بوقف حملات مقاطعة المنتجات الفرنسية في بعض الدول العربية التي تزامنت مع تصريحاته بشأن الرسوم الكاريكاتورية.

رأيت الكثير من الأكاذيب، وأريد أن أوضّح ما يلي: إنّ ما نقوم به حالياً في فرنسا هو مكافحة الإرهاب الذي يُرتكب باسم الإسلام، وليس الإسلام بحدّ ذاته. وقد أودى هذا الإرهاب بحياة أكثر من 300 شخص من مواطنينا. pic.twitter.com/vfpyb4wiyL

— Emmanuel Macron (@EmmanuelMacron) October 31, 2020

وتواجه المساجد في فرنسا مشكلات تتعلق بانتماءات المسيطرين عليها، حسب ما أوضح أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة السوربون، محمد الألفي، لـ”ذات مصر”، لأن “أئمة المساجد الفرنسية من ذوي الأصول المغربية والجزائرية دربتهم مؤسسات دينية تركية، وبالتالي صارت هذه المساجد تُديرها دول لها سياسيات تسعى لتطبيقها”.

واعتبر الألفي أن المساجد تحولت في ظل هذه الأجندات من مجرد دور عبادة تهدف لنشر القيم الدينية وإقامة الشعائر، إلى منابر مُسيسة تسير سياسيًّا، طبقًا لأهواء الدول التي تمولها وتدعمها، خصوصًا وأن فرنسا كانت تسمح من قبل لهؤلاء الأئمة المدربين بإنشاء جمعيات ودور عبادة، مشيرًا إلى أن فرنسا تواجه كذلك مشكلة مع الفرنسيين من أبناء المهاجرين من الجيل الثاني والثالث الذين تحولوا إلى الإسلام واستقبلتهم الجماعات المتطرفة، وصاروا يتبنون ذات المبادئ التي يتعامل بها مؤسسو هذه الجماعات لا المبادئ الإسلامية المعتدلة”.

 

هاجر حسني

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى