سياسة

مستقبل الاتفاق النووي.. انتخابات الرئاسة الإيرانية تحدد السيناريوهات

شهد الساحة السياسية الإيرانية ترقبًا ملحوظًا لما ستؤول إليه الأوضاع فيما يخص الملف النووي، ومدى إمكانية العودة للاتفاق الأصلي المعروف باسم "اتفاقية العمل الشاملة المشتركة"

تشهد الساحة السياسية الإيرانية ترقبًا ملحوظًا لما ستؤول إليه الأوضاع فيما يخص الملف النووي، ومدى إمكانية العودة للاتفاق الأصلي المعروف باسم “اتفاقية العمل الشاملة المشتركة”، أو بناء اتفاق جديد وفق شروط وبنود إضافية، فمع تنصيب الرئيس الأمريكي المُنتخب “جو بايدن” في 20 يناير 2021، وتزامنًا مع ترقب الانتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة في 18 يونيو من هذا العام، والتي قد تشهد انتهاء حقبة الرئيس حسن روحاني -الداعم الأبرز للاتفاق النووي في إيران- من المتوقع أن يشهد الملف النووي مرحلة جديدة من التطورات، خاصة مع إعلان بايدن نيته العودة إلى سياسة الاحتواء، وتبني استراتيجية تدريجية جديدة أقل توترًا تجاه إيران.

الفرصة الأخيرة

تأتي هذه التطورات بشأن تحديد مستقبل الملف النووي في خضم تنافس التيارين، الإصلاحي والمحافظ، استعدادًا لاستقبال الانتخابات الرئاسية القادمة في إيران، حيث تُفضي مراقبة المشهد السياسي الداخلي الإيراني إلى أن كلا التيارين يستغلان الملف النووي في محاولة تعزيز موقفيهما أمام الجماهير الإيرانية وضمان الفوز في الانتخابات القادمة، لا سيما بعد اغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني الجنرال “قاسم سليماني”، والعالم النووي “محسن فخري زاده”، فضلًا عن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، والتي عصفت منذ بداية جائحة كورونا بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الإيراني، فتقدمت إيران للمرة الأولى منذ الثورة الإسلامية عام 1979 بطلب للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 5 مليارات دولار، وذلك في مارس من العام السابق (2020).

جدير بالذكر أن التيار المحافظ قد استغل الضغوطات التي تتعرض لها حكومة روحاني لتعزيز قبضته على مؤسسات صنع القرار في النظام الإيراني، وعلى رأسها البرلمان “مجلس الشورى الإسلامي”، الذي يتولى رئاسته في دورته الحالية القيادي السابق في الحرس الثوري “محمد باقر قاليباف” بعد فوز التيار المحافظ بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية التي عُقدت في فبراير 2020.

وقد أسهمت تلك التطورات في تفسير ما أُطلق عليه “هندسة الانتخابات” في إيران، حيث أقرَّ البرلمان الإيراني حزمة من التعديلات الجوهرية على قانون الانتخابات الرئاسية، وذلك لفتح الطريق أمام مُرشحي المؤسسة العسكرية، وأعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام، والمجلس الأعلى للأمن القومي، للمشاركة في السباق الانتخابي دون تقديم استقالاتهم من مناصبهم، أي مشاركتهم بصفة عسكرية مباشرة.

وهنا تبرز خطورة سيطرة التيار المحافظ على السلطة التشريعية، حيث تم إقرار هذا التعديل بأغلبية الأصوات رغم اعتراض الرئيس الإيراني حسن روحاني وتيار الإصلاحيين على دخول المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية والمؤسسات المدنية وحدوث ما يسمى بـ”عسكرة النظام”.

جو بايدن

ومع تولي “بايدن” مقاليد الحكم في واشنطن، وفتحه الباب من جديد لعودة الاتفاق النووي، أصبح أمام الرئيس الإيراني “حسن روحاني” فرصة أخيرة لإحياء الاتفاق، وإعادة بناء المشهد الداخلي الإيراني بما يُعزز من نفوذ التيار الإصلاحي، ويُحسِّن من موقفه في الانتخابات القادمة، لا سيما في إطار استراتيجية “العودة مقابل العودة”، حيث أعرب روحاني عن رغبته في فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة والغرب، وأكد استعداد إيران للعودة إلى الامتثال الكامل لالتزامات الاتفاق النووي الأصلي، شريطة عودة الولايات المتحدة عن سياسة “الضغط القصوى” التي فرضتها إدارة ترامب حول الاقتصاد الإيراني على خلفية انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في 2018، خاصة أن مسؤولي إدارة ترامب قد وضعوا ما أُطلق عليه “جدار العقوبات” كامتداد لسياسة “الضغوط القصوى” لمنع وصول إيران إل النظام المالي الدولي، وأسواق النفط، بما يضمن عزلها وتقليص فرصها الاقتصادية الإقليمية والدولية.

لكن الولايات المتحدة أكدت من جانبها رفض العودة لطاولة المفاوضات بشأن الاتفاق النووي، إلا بإضافة بنود جديدة، على رأسها ملف الصواريخ الباليستية، وإشراك دول إقليمية أُخرى في المفاوضات، بما يضمن وضع إيران وبرنامجها النووي ليس فقط تحت وصاية دولية، وإنما تحت وصاية إقليمية، وذلك في إطار مساعي الولايات المتحدة وحلفائها لكبح جماح النفوذ الإيراني، وما تمارسه من دعم للميليشيات الإرهابية، وتدخل في شؤون دول المنطقة.

جهود العرقلة

على الرغم من وحدة الموقف الإيراني بتياريه الإصلاحي والمحافظ، بشأن رفض المفاوضات حول “استراتيجية الردع الإيرانية” الخاصة بملفي الصواريخ الباليستية، وتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة، فإن التيار المحافظ يرى أن قبول أي مفاوضات جديدة لإعادة إحياء الاتفاق النووي سيكون من شأنه تقديم المزيد من التنازلات، وتهديد للأمن القومي الإيراني.

الحرس الثوري الإيراني

وانطلاقًا من هذا الأساس، وتلافيًا لحدوث أي انقاسامات بين “الحرس الثوري” وحليفه التيار الراديكالي المحافظ، اتخذ الحرس الثوري حزمة من الإجراءات المُشددة في إطار تعزيز شرعيته القائمة على مُعاداة الولايات المتحدة، وكسب المزيد من التأييد الشعبي لصالح التيار المحافظ قبل خوضه الانتخابات الرئاسية القادمة. ومن أهم تلك الإجراءات: دعوة “الحرس الثوري” لإعادة نقل الملف النووي من حقيبة الرئيس الإيراني روحاني ووزير خارجيته “جواد ظريف”، إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، بما يضمن سيطرة مؤسسات التيار الراديكالي على مستقبل مسار الاتفاق النووي، وبالتالي قطع الطريق أمام تأسيس روحاني وفريقه أرضية تفاوضية جديدة مع الإدارة الأمريكية في الأشهر الأخيرة قبل انتهاء ولايته الثانية.

وقد جاء هذا الإجراء تزامنًا مع تصديق البرلمان الإيراني في 2 ديسمبر من العام الماضي على قرار مجلس صيانة الدستور الإيراني بشأن رفع نسبة تخصيب اليورانيوم من 3.65% كحد أقصى إلى 20%، فضلاً عن منع مُفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من دخول المنشآت النووية الإيرانية، ما يعني المُصادقة عمليًا على الخروج من الاتفاق النووي لعام 2015، وغلق الباب أمام إعادة التفاوض الدبلوماسي مع الولايات المتحدة وحلفائها.

تأتي هذه الخطوات -إجماليا- ضمن مساعي الحرس الثوري وحليفه التيار الراديكالي المحافظ لتقويض سلطات روحاني وحكومته، وعرقلة محاولاته لإنقاذ الوضع الاقتصادي الإيراني، وتحقيق إنجاز بشأن الملف النووي يضمن دعم موقف التيار الإصلاحي في الانتخابات القادمة.

السيناريوهات

قبل طرح السيناريوهات المُتوقعة في هذا الشأن، يجدر بنا الإشارة إلى أن الملف الاقتصادي يلعب دورًا هامًا في تحديد ملامح مستقبل إيران، سواء بالنسبة لنتائج الانتخابات الرئاسية القادمة، أو بالنسبة للخيارات المتاحة أمام القيادة السياسية فيما يخص الملف النووي لتحرير البلاد من الضغوطات الاقتصادية المفروضة عليها من الجانب الأمريكي، لا سيما أن تدهور الوضع الاقتصادي في ظل جائحة كورونا يُمثل ورقة رابحة في يد الحرس الثوري وحليفه التيار المحافظ لمواجهة التيار الإصلاحي في الانتخابات القادمة، خاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الإيراني “جواد ظريف” التي أوضحت أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران قد كبّدتها خسائر وصلت إلى 250 مليار دولار، مما جعل من الصعب تحمل تكلفة شراء أدوية ولقاحات كورونا.

فمن جانبه استغل الحرس الثوري تفشي وباء كورونا وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد لتسليط الضوء على ثغرات حكومة روحاني في إدارة الأزمة، وتقديم نفسه باعتباره الطرف الأكثر كفاءة وفاعلية لإدارة البلاد، لا سيما مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر بسبب تداعيات الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة لمكافحة تفشي الوباء، والتي لم يتحملها الاقتصاد الإيراني خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه. ناهيك بتزايد أعداد الإصابات والوفيات، وعجز المنظومة الصحية عن توفير الرعاية الصحية اللازمة للمصابين، مما دفع الكثيرين إلى المطالبة بتسليم مسؤولية قيادة ملف الأزمة إلى الحرس الثوري، وهو ما أسهم في “أمننة فيروس كورونا”، وإضفاء الطابع الأمني على الأزمة بإعطاء صلاحيات للحرس الثوري تفوق تلك الممنوحة لحكومة روحاني، وخلق نظام عسكري إداري مواز للنظام الإداري الحكومي.

وفي الواقع، تُشير الرؤى والتحليلات المختلفة للمشهد الإيراني إلى أن هناك تأثيرا مُتبادلا بين مسار ملف الاتفاق النووي، ونتيجة الانتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة، بما يُسهم في خلق العديد من السيناريوهات المُحتملة، والتي يمكن تناولها على النحو التالي:

  • السيناريو الأول:

إن القرارات الجديدة التي أقرّها مجلس صيانة الدستور وصدَّق عليها البرلمان الإيراني، قد تدفع الرئيس الأمريكي جو بايدن لتغيير استراتيجيته تجاه إيران، واتباع نهج إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بتطبيق مزيد من العقوبات القصوى على إيران، لا سيما مع تشديد الجانب الإيراني على رفض شروط إدارة بايدن لبدء مفاوضات جديدة، والإنذار بأن “استراتيجية الردع الإيرانية” تعد جزءًا من الأمن القومي الإيراني و”خط أحمر”، وأحد أهم ركائز مبادئ “الثورة الإسلامية” التي لا يمكن التفاوض بشأنها.

دونالد ترامب

ويعد هذا السيناريو هو الأقل احتمالًا، لأن فشل مفاوضات الاتفاق لن يقتصر على تهديد أمن واستقرار أطرافه فقط، إنما سيُنذر بتصعيد الأزمة على المستويين الإقليمي والدولي، وهو ما ستسعى القوى الإقليمية والدولية لتلافيه، من خلال تعزيز جهود الوساطة بين الجانبين.

  • السيناريو الثاني:

أن تفشل مساعي روحاني في بدء المفاوضات بشأن عودة الاتفاق النووي، سواء بسبب عامل الوقت الذي قد لا يخدم مصالح التيار الإصلاحي، فتأتي الانتخابات الرئاسية الإيرانية قبل أن تبدأ الإدارة الأمريكية في فحص ومعالجة الملف النووي الإيراني، أو بسبب نجاح جهود العرقلة التي يتبناها التيار الراديكالي بدعم من المرشد والحرس الثوري، وبالتالي يبقى مصير الاتفاق مُعلَّقًا حتى إعلان نتائج الانتخابات، وتحديد التيار الذي سيتولى إدارة الملف النووي مع الولايات المتحدة وحلفائها في المستقبل.

ويبقى السؤال هنا في حال فوز التيار المحافظ، هل سيظل موقفه مُتشددًا تجاه ملف الاتفاق النووي، ورافضًا لتقديم أي تنازلات؟ أم أن رفضه الحالي لعودة الاتفاق، ومساعيه لإحباط محاولات إدارة روحاني ليست إلا جزءًا من حربه الانتخابية في مواجهة التيار الإصلاحي، خاصة أن مشروع الاتفاق النووي يعتبر الإنجاز الأهم والأكبر لحكومة روحاني المحسوب على تيار الإصلاحيين، وبالتالي يعتبر إعادة إحيائه، هو إعادة إحياء لأمل التيار في الفوز أمام المحافظين.

حسن روحاني
  • السيناريو الثالث:

أن تنجح مساعي روحاني لبدء المفاوضات بشأن الاتفاق النووي قبل عقد الانتخابات الرئاسية في يونيو القادم، ويُعد هذا السيناريو هو الأقرب للواقع، خاصةً أنه يصب في مصلحة الجانبين.

فبالنسبة للجانب الإيراني يُعتبر بدء المفاوضات خطوة إيجابية، خاصة إن أسفرت خلال الأشهر القادمة عن تخفيف حدة العقوبات الاقتصادية، وتحسين أوضاع البلاد، بما يدعم موقف التيار الإصلاحي في الانتخابات.

أما بالنسبة الولايات المتحدة وحلفائها، سيصب هذا السيناريو في مصلحتهم لسببين: أولهما: تجنب تصعيد الأزمة مع الجانب الإيراني وتهديد أمن المنطقة، لا سيما بعد قرارات البرلمان الإيراني بزيادة معدلات تخصيب اليورانيوم، وتشديد قيود التفتيش على المنشآت النووية، وثانيهما: أنه من الأفضل عقد المفاوضات مع الإدارة الحالية لإيران بقيادة الرئيس حسن روحاني، كونها الأكثر مرونة ودعمًا لإحياء الاتفاق، مقارنة بالتيار المحافظ في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة.

آمنة فايد

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى