مستقبل "القاعدة" في "المغرب العربي":

جهاد مسلح ضد "داعش".. و"فرنسا"!

في الخامس من يونيو/ حزيران المنصرم، على الشريط الحدودي المالي-الجزائري، تحديدًا في الشمال الغربي لمدينة “تساليت” المالية، أذاعت فرنسا نبأ تمكن قواتها من قتل “عبد المالك دروكدال”، زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي منذ نشأتها، بعد سنواتٍ طويلة من المطاردة.

ثبُت الخبر وأكده تنظيم القاعدة سريعًا على عكس المتوقع، وتوالت التحليلات والتكهنات إثره ببداية انحسار القاعدة في بلاد المغرب العربي. وما دعَّم وجهة النظر هذه، تأخر التنظيم في الإعلان عن الأمير الجديد، وبقاء مقعد زعيم القاعدة شاغرًا لعدة أشهر بعد الإعلان عن مقتله.

ودون مقدمات، خرجت مؤسسة الأندلس، الذراع الإعلامية للتنظيم المسلح، بتسجيل صوتي يوم السبت الموافق 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 لأحد عناصره يُدعى “قتيبة أبو النعمان الشنقيطي”، ليعلن فيه تعيين الشيخ “مجاهد يزيد مبارك” المُكنى بـ”أبي عبيدة يوسف العنابي” على رأس تنظيم القاعدة في بلاد المغرب.

أبو عبيدة العنابي

يشار إلى أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب -تحت قيادة دروكدال- توسّع إلى ما وراء الجزائر، وأعاد توجيه نفسه كتهديد إقليمي لا يُستهان به، خاصة في منطقة الساحل، وشنّ العديد من الهجمات في مالي وموريتانيا وليبيا وتونس والنيجر.

وجعل دروكدال تنظيمه أكثر ثراءً من القاعدة المركزية، نظرًا إلى توسعه في انتهاج سياسة الاختطاف من أجل الفدية، ويُعتقد أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي قد جمع نحو 75 مليون دولار في الفترة بين عامي 2010 و2014 من خلال الاختطاف مقابل الفدية فقط، فضلاً عن دوره الرئيس في إقامة روابط مع حركة الجهاد العالمي والمحلي، والحفاظ على المراسلات مع كبار قادة القاعدة، بمن فيهم أبو مصعب الزرقاوي، الزعيم السابق للقاعدة في العراق.

كذلك تمكّن دروكدال من إعادة لمّ شمل التنظيمات الجهادية التي تمكنت عملية “سرفال” الفرنسية من طردهم من شمال مالي تحت مظلة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الأمر الذي عزّز -بلا شك- من أهمية دروكدال داخل المنظمة الأكبر، وجعل من استبداله أمرا شديد الصعوبة، ما يبرر التأخر في تعيين الزعيم الجديد.

أبو مصعب عبد الودود (عبد المالك دروكدال)
دلالات التوقيت

وفقًا للعرف الديني لتنظيم القاعدة، فإن القاعدة الشرعية تُوجب وجود أمير مباشر إذا ما حدث شغور لمنصب الأمير لأي سبب. لذا لم يكن من الطبيعي أن تُترك القاعدة في المغرب لأكثر من 5 أشهر دون أمير أو قائد، ولعل الأخبار التي تتعلق بوفاة زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، هي التي عجّلت بتعيين “أبو عبيدة العنابي”.

إذ بعد ساعات قليلة من تأكد خبر وفاة الظواهري، من قبل عدة مصادر في أفغانستان وباكستان، أعلن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب أن “أبو عبيدة يوسف العنابي” صار خليفة “دروكدال”. جاء ذلك تزامنًا مع اغتيال بعض رموز التنظيم وعلى رأسهم “أبو محمد المصري”، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في إيران، في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

ولعل ذلك التعيين جاء أيضًا كمحاولة أخيرة للحفاظ على تماسك التنظيم والرغبة في احتواء عناصره ولملمة شتاته في توقيت حسّا للغاية، خاصةً أن التنظيم يواجه أزمة داخلية في صفوف مجنديه، ما بدا جليًّا حين سلّمت عناصر من التنظيم نفسها لقوات الأمن في الجزائر، فضلاً عن تحييد مجموعة من رموزه في إيران وأفغانستان.

وكان “العنابي” هو الرجل الثاني بعد دروكدال في “القاعدة في المغرب العربي”، وكان رفيقه منذ تأسيسها عام 2007، وشغل عدة مناصب رفيعة داخل التنظيم من رئيس مجلس الأعيان إلى عضو مجلس الشورى، إلى أن صار نائبًا لدروكدال والمتحدث باسم التنظيم في أحيان كثيرة، وهو ما أهّله لذلك المنصب.

الاستراتيجيات المستقبلية

في عام 2019، دارت مقابلة أجراها الصحفي “وسيم نصر” بوكالة فرانس 24، مع أبي عبيدة العنابي باعتباره أحد أهم قادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، حول قضايا محددة يمكن من خلالها فهم رؤية العنابي وإستراتيجيته المقبلة:

1- المزيد من التقارب مع النخب المحلية

من المتوقع أن يواصل أبو عبيدة العنابي سعيه لتوحيد الحركات الجهادية تحت رايته، والاستمرار في توطيد علاقاته بالنخب المحلية، فالقاعدة في بلاد المغرب يعتمد فعليًّا على مقاربة محلية مقارنة بما يسمى “تنظيم الدولة الإسلامية”. ولعل ذلك التقارب سيكون مهمًا للقاعدة خلال الفترة المقبلة، خاصة أن القاعدة سيواجه حصارًا من جانب القوات الجزائرية والفرنسية، ما سيجعله في حاجة إلى أي دعم مهما بلغت ضآلته.

وقد ظهر ذلك التقارب جليًّا في السابق حين دعم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الحراك الشعبي في الجزائر الذي أطاح بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وكذلك تأييده ودعمه للاحتجاجات في مالي، والتي نتج عنها انقلاب عسكري على الرئيس “إبراهيم أبو بكر كيتا”.

2- تصاعد الصراع مع داعش في الساحل الإفريقي

تحظى إفريقيا جنوب الصحراء باهتمام كبير من جانب القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، فطالما كان القاعدة حاضرًا وبقوة في شمال مالي، فضلاً عن وجوده في بوركينا فاسو والنيجر، حتى إن جميع المنتسبين إليه قد تورطوا فعليًّا في حركات التمرد بإفريقيا والساحل، بغية الحفاظ على الملاذات الآمنة والموارد، والرغبة في ضرب المصالح الأمريكية المحلية والإقليمية في المنطقة.

وبالتالي قد تصير إفريقيا، خاصة جنوب الصحراء محور تركيز القاعدة في بلاد المغرب تحت قيادة العنابي خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي من الممكن أن يُسفِر عنه نتيجتين، الأولى: زيادة أنشطة التنظيم الهجومية في دول الساحل الإفريقي، والثانية: اندلاع حرب ضد داعش.

فرغم تأكيد العنابي في لقائه مع وسيم نصر أن القاعدة في بلاد المغرب لن يتصادم في منطقة الساحل مع التنظيمات التابعة لداعش، فإنه عاد وأشار إلى أن ما يقوم به تنظيم داعش “ما هو إلا حرب عصابات” و”ليس منظمة شرعية في المنطقة”.

وقد سبق بالفعل أن وقعت معارك طاحنة بين “داعش” و”القاعدة” أسفر عنها مقتل المئات، ولا يزال كلاهما في حرب مفتوحة، من المُرجَّح أن تستمر، وبالتحديد في الساحل الإفريقي وجنوب الصحراء في محاولة من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب لإعادة “التموضع” ووضع خارطة جديدة في المنطقة، يكون فيها القاعدة هو المهيمن على مسرح العمليات.

3-الدعوة للجهاد المسلح ضد فرنسا

في فيديو صادر عن العنابي في 25 إبريل/ نيسان 2013، دعا لحمل السلاح ضد المصالح الفرنسية في جميع أنحاء العالم، ردًّا على تدخل فرنسا في مالي آنذاك.

ونتيجة دعواته المتكررة للجهاد المحلي والدولي ضد فرنسا، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية “العنابي” في 29 سبتمبر/ أيلول 2015 كـ”إرهابي عالمي شغله الشاغل تقديم الدعم للإرهابيين والأعمال الإرهابية”.

وفي يناير/ كانون الثاني 2016، خرج العنابي برسالة صوتية أخرى دعا فيها الليبيين للانضمام إلى القتال ضد الجيش الليبي والقوات الفرنسية في بنغازي، كما أكد خلال لقائه مع وسيم نصر أن ضرب المصالح الفرنسية سيكون محور العمليات في الفترة المقبلة انطلاقًا من نظرته إلى فرنسا على أنها “إحدى القوى الاستعمارية” الواجب قتالها.

هذا الأمر ظهرت مقدماته بالفعل بعد أيام قليلة من تعيين الأمير الجديد، ففي يوم الاثنين 30 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أطلق مسلحون ذوو صلة بتنظيم القاعدة صواريخ على قواعد عسكرية فرنسية في “كيدال وميناكا وجاو” في شمال مالي.

في المقابل، وصل مئات من الجنود البريطانيين إلى مالي للانضمام إلى بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة هناك في 4 ديسمبر/ كانون الأول الحالي. وعليه، فمن المتوقع أن يواصل “العنابي” دعواته للجهاد المسلح ضد فرنسا، واستهداف مصالحها في مالي عبر عمليات إرهابية نوعية، قد يسفر عنه احتدام مباشر بين عناصر القاعدة في المغرب والقوات الأجنبية في مالي.

عناصر من القاعدة في بلاد المغرب العربي
مستقبل القاعدة في بلاد المغرب العربي

يبقى مستقبل القاعدة في بلاد المغرب رهين قدرة “العنابي” على توحيد الصفوف حول أفكاره ورؤيته وإستراتيجيته الجديدة، ويمكن النظر إلى مستقبل التنظيم من خلال سيناريوهين:

السيناريو الأول: القدرة على احتواء الصفوف

قد يسطر العنابي فصلاً دمويًّا جديدًا أكثر عنفًا وإرهابًا على غرار ما عاصرته الجزائر عام 2007 فور تولي دروكدال زعامة التنظيم، فقد يعمد إلى إبراز وجوده وتأثيره ميدانيًّا بالاتجاه نحو تنشيط المزيد من الجماعات ذات الولاء للقاعدة.

كذلك قد يحاول التنظيم العودة لتعزيز صفوفه، فمن زاوية يمكنه تجنيد المزيد من العناصر، مستعينًا بالـ200 جهادي الذين أفرجت عنهم مالي في إطار صفقة لتبادل الأسرى تحت رعاية فرنسا في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وذلك بعد حملة عسكرية متواصلة شنها القاعدة في بلاد المغرب لتحرير مسجونيه.

من زاوية أخرى، يمكنه الاستفادة من الفدية المالية التي حصل عليها من فرنسا، والتي بلغت أكثر من 9 ملايين يورو، بتوجيهها لشراء مزيد من الأسلحة والمتفجرات بغية التوسع في النشاطات الإرهابية للقاعدة في إفريقيا جنوب الصحراء على وجه التحديد، وتنفيذ إستراتيجيته الجديدة التي ستتكشف ملامحها بالتفصيل خلال الفترة المقبلة.

السيناريو الثاني: لن يكون القاعدة قادرًا على الصمود

قد تكون المخاوف بشأن توسع نشاطات القاعدة واستعادة قوته ونشاطه أمرًا غير واقعي، فتنظيم القاعدة في بلاد الغرب صار ضعيفًا غير قادر على إلحاق أي ضرر، وفي هذا الإطار فلدينا احتمالان يدعمان ذلك السيناريو:

الاحتمال الأول: أن السياسة الأمنية التي تبنّاها الجيش الجزائري منذ إطلاقه عملية “اجتثاث الإرهاب” في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، قد تشكل عائقًا أمام أي محاولات من قبل العنابي لتوسيع نشاطات تنظيمه أو القيام بأي عمليات نوعية.

فقد تسبّبت تلك السياسة في منع القاعدة ببلاد المغرب من تنفيذ أي عمل جهادي في الجزائر أو ضد أي أهداف جزائرية، كما أسهمت في عدم تسجيل التنظيم خلال السنوات الأخيرة أي عمليات نوعية في الجزائر، حتى إنه خلال العام المنصرم لم يُسجَّل سوى 3 عمليات فقط.

الاحتمال الثاني: ربما يفشل العنابي في توحيد الصفوف، خاصة أنه ليس لديه خبرة عملياتية ولا شخصية كاريزمية مثل التي كانت يتمتع بها دروكدال، ما قد يجعله غير قادر على توحيد الرأي والكلمة.

كذلك، هناك احتمال أن تحدث انقسامات داخلية حول العنابي وإستراتيجيته الجديدة، وما يُعزّز ذلك الاحتمال أنه سبق أن توترت علاقة دروكدال مع العنابي نتيجة رفض الأخير لطريقة إدارة دروكدال للتنظيم، ورغبة العنابي -حينئذ- في القيام بعمليات نوعية، وهو ما كان دروكدال يرفضه.

وقد سبق أن حاول العنابي الانقلاب عليه عام 2013، لكن ذلك قوبل بالرفض من داخل عناصر التنظيم، لذا من الوارد أن تكون هناك عناصر داخل القاعدة رافضة لطريقة إدارة العنابي.

إجمالاً، يتوقف مستقبل القاعدة في بلاد المغرب تحت لواء العنابي على مدى نجاحه في توحيد الصفوف، وقدرته على استقطاب عناصر جديدة لإثبات وجوده والتوسع في النشاطات النوعية، حتى يكون قادرًا على التصدي لأي محاولات لإضعافه، سواء أكان من جانب القوات الجزائرية أم الفرنسية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سهير الشربيني

باحثة مصرية في العلوم السياسية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram