سياسةمختارات

مستقبل النفط العربي مرهون بالانتخابات الأمريكية

 

تتأهب الولايات المتحدة الأمريكية –أكبر مُنتِج ومُستهلِك للنفط في العالم– لإجراء الانتخابات الرئاسية خلال أيام. ويصدّر كل من المرشحين الرئاسيين –دونالد ترامب وجو بايدن- خطابًا متضادًّا تجاه مستقبل صناعة الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي حين يرفع ترامب شعار “هيمنة الطاقة” واعدًا بحماية شركات النفط الصخري الأمريكية، وتقديم تسهيلات وآليات حمائية لمنتجي النفط والمصادر التقليدية للطاقة؛ يقابله جو بايدن برفع شعار “التحول نحو الطاقة النظيفة” وتضييق صناعة الطاقة التقليدية.

وهو ما يضع أسواق الطاقة العالمية في حالة ترقب لمعرفة أي من السياستين المتقابلتين ستُشكِّل مستقبل الطاقة. فالولايات المتحدة الأمريكية تلعب دورًا محوريًّا في تحريك العرض واتجاهات الطلب والأسعار داخل أسواق الطاقة العالمية، ومنها بالطبع أسواق النفط العربي.

وعليه، يمكننا القول إن أصوات الناخبين الأمريكين ستحمل تأثيرًا مباشرًا في مستقبل صناعة الطاقة في الخليج العربي، ومن ثَمَّ تأثيرًا مباشرًا في أداء الاقتصاد الكلي بالدول الخليجية.

المنافسة بين النفط العربي والنفط الصخري

برج تكرير في معمل لمعالجة النفط الخام التابع لشركة أرامكو السعودية

يمكن اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج العربي صُنّاع وقادة سوق الطاقة العالمية، فقد بلغت حصة الولايات المتحدة من إنتاج النفط 19% من الإنتاج العالمي عام 2019، في حين تنتج كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية العراق ودولة الكويت مجتمعة 24% من إنتاج النفط العالمي، وتنفرد المملكة العربية السعودية بالمرتبة الثانية بحصة بلغت 12%، وذلك طبقًا لبيانات الوكالة الأمريكية لمعلومات الطاقة.

وتقدم كل من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الخليجية أنواعًا مختلفة من الطاقة التقليدية إلى الأسواق العالمية، فتقدم الولايات المتحدة منتجات النفط الصخري، والأخيرة شهدت صعودًا قويًّا خلال عام 2015 مع قرار الرئيس السابق باراك أوباما رفع حظر التصدير عنها، لتدخل في منافسة مع منتجات النفط العربي.

النفط الصخري الأمريكي  يتميز بأنه “خفيف وحلو”، ولذك فهو ينافس “النفط الخفيف الحلو” المنتج في كل الجزائر ونيجيريا وليبيا، في حين تنتج الدول الخليجية “نفطًا ثقيلاً وحامضًا”، لا يحل محل النفط الصخري، بل تستورده الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا.

وتنعكس متغيرات سوق الطاقة العالمية لتؤثر في الدول المُنتجة للطاقة بطبيعة الحال. فانخفاض أسعار النفط أدى إلى ارتفاع حاد في عجز الميزانيات العمومية للدول النفطية العربية. فبينما يصل سعر النفط إلى 40 دولار للبرميل، تحتاج الجزائر –لإصلاح ميزانيتها- إلى أن يرتفع السعر إلى 157 دولار. في حين تحتاج سلطنة عمان إلى أن يرتفع إلى 87 دولارًا، والسعودية إلى 75 دولارًا، والإمارات والكويت تقريبًا إلى 68 دولارًا. وحدها قطر التي تستطيع تتحمل انخفاض السعر إلى 25 دولارًا للبرميل دون أن تتأثر سجلات ميزانيتها بالعجز.

مؤسسات نفطية في الخليج

ووفقًا لصندوق النقد الدولي فإن عائدات النفط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا انخفضت من نحو تريليون دولار في عام 2012 إلى 575 مليار دولار في عام 2019. ويُتوقع أن تكسب الدول العربية هذا العام نحو 300 مليار دولار فقط من بيع النفط، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية إنفاقها.

وتتأثر الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا بتغيرات أسعار الطاقة، ولا تملك القدرة على التحكم فيها، رغم كونها أكبر منتج للنفط في العالم. فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار النفط مباشرة بعد الهجوم الذي تعرضت له منشآت النفط السعودية مؤخرًا.

وعلى الرغم من التسهيلات والضمانات التي قدمها ترامب لشركات الطاقة الأمريكية، فإنها تشهد حالة من اللا يقين، الذي أدى بالضرورة إلى اضطرابات عديدة، حتى قبل ظهور فيروس كورونا المستجد. فقد هبط مؤشر شركات الاستكشاف والإنتاج الأمريكية بنحو 20%، مقارنة بقفزة 30% تقريبًا لمؤشر S&P500 في عام 2019.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب


ترامب و”هيمنة الطاقة”

أدت سياسات ترامب الداعمة لمنتجي الطاقة الأمريكيين إلى تحول واشنطن إلى أكبر منتج للنفط في العالم خلال رئاسته، وهو ما استغله في دعاياته للانتخابات هذا العام، مُعلنًا شعار “هيمنة الطاقة” و“استقلال الطاقة الجديد للولايات المتحدة”، ومُعلنًا أن الولايات المتحدة الأمريكية “لن تعتمد مرة أخرى على الموردين الأجانب”. ويستغل ترامب في دعايته تجربته السابقة في كسب أصوات الناخبين من لوبي صناعة الفحم، والتي نجحت عام 2016.

وتتمثل أجندة ترامب لإدارة قطاع الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية في الإبقاء على سياسته الحالية، والتي لم تكترث بمتطلبات “الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري” في قطاع الطاقة، بل وسعى لتقويض الأساس القانوني للحد من انبعاثات الزئبق في محطات الفحم، وعمل على تخفيف معايير كفاءة الوقود للسيارات، وتيسير قواعد النفط وانبعاثات غاز الميثان من منتجي الغاز، ودعا الشركات إلى المزيد من التنقيب، ليُحقق في نهاية المطاف هدفه الرئيس، وهو رفع إنتاج النفط الأمريكي.

واتجهت سياسة ترامب أيضًا إلى استهداف التدخل في أسعار النفط العالمية، فقد شارك في محادثات مارس/آذار 2020 بين المملكة العربية السعودية وروسيا لإنهاء سياسة حافة الهاوية لإمدادات النفط، والتي أدت إلى ارتفاع معروض النفط في ظل انخفاض عالمي للطلب، وانتهت المحادثات إلى خفض إمدادات النفط بنحو 10 ملايين برميل في اليوم حتى يونيو/حزيران.

وسعى الرئيس الأمريكي لاستخدام السلطات التنفيذية الطارئة للتنازل عن اللوائح البيئية طويلة الأمد، والتي تكون ضرورية لبدء العمل على خطوط أنابيب الطاقة والمناجم والطرق السريعة والبنية التحتية الأخرى.

لذلك، ففي حالة فوز ترامب بالانتخابات، ستؤدي سياسته الداعمة لهيمنة الطاقة التقليدية إلى ارتفاع حجم العرض من النفط داخل أسواق الطاقة العالمية، وهو ما سيحول دون ارتفاع سعر البرميل إلى المستوى الذي ترجوه الدول الخليجية، وبالتالي استمرار تهديدات ومخاطر العرض المحيطة بصناعة الطاقة في الخليج. من ناحية أخرى فإن فوز ترامب يعني استمرار العقوبات على النفط الإيراني والفنزويلي، وهو ما يصب في مصلحة صناعة الطاقة في الخليج.

أما على جانب الطلب، فإن سياسات ترامب تهدف إلى تحفيز الطلب المحلي والعالمي على الطاقة التقليدية، والذي يعكس فرصة جيدة لرفع الطلب الخارجي على صناعة الطاقة في الخليج.

بايدن والتحول الجديد

المرشح الرئاسي جو بايدن

يدفع بايدن في حملته الانتخابية باتجاه التحول نحو الطاقة النظيفة أو الطاقة المستدامة، وتضييق استخدام الطاقة التقليدية، وهو اتجاه يتماشى مع الاتجاه العالمي والذي يستهدف معالجة حدة التغييرات المناخية وحماية البيئة. وهو على موقع التضاد من مآلات سياسة ترامب في إدارة الطاقة. وتقدِّر مجموعة Rhodium Group، وهي مؤسسة بحثية أمريكية، أن سياسات ترامب قد تضيف 1.8 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي بحلول عام 2035.

يقدم بايدن خطة للتحول نحو الطاقة المستدامة تُقدر تكلفتها بـ1.7 تريليون دولار، واعدًا بأنها ستقود إلى توفير 10 ملايين فرصة عمل خلال 10 أعوام. وتشمل آليات هذه الخطة حظر تصاريح النفط والغاز الطبيعي الجديدة على الأراضي والمياه الفيدرالية، والتشديد حدود انبعاثات الميثان، واستخدام أهداف الاقتصاد في استهلاك الوقود بهدف توفير الكهرباء بنسبة 100% في المركبات الخفيفة، وتحويل الولايات المتحدة إلى دولة ذات “انبعاثات كربونية صافية صفرية” في موعد لا يتجاوز 2050. كما وعد بإلغاء تصريح TC Energy لبناء خط أنابيب Keystone XL من كندا.

ويبدو أن خطة بايدن تتفق مع تغير رهانات المستثمرين الأمريكيين، فقد ارتفعت قيمة مؤشر الطاقة النظيفة العالمي بمقدار 70% منذ بداية العام 2020.

وتبدو خطة بايدن أقل مخاطرةً من منظور صناعة الطاقة في الخليج، غير أن ذلك سيكون على مدى متوسط فقط وليس على المدى البعيد. فعلى مستوى العرض، سيقود فوز بايدن إلى تقييد المعروض من النفط الأمريكي في السوق العالمي، وهو ما سيدفع بالأسعار العالمية نحو الارتفاع. وقد توقعت مجموعة رابيدان إنرجي أن إنتاج النفط البري الأمريكي سينخفض ​​بمقدار مليون برميل في اليوم بحلول عام 2023 إذا فاز المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن. سيضمن ذلك فرص جيدة لصناعة الطاقة في الخليج تتمثل في انخفاض التنافسية والدفع نحو رفع الأسعار.

غير أن فوز بايدن سيحمل تهديدًا قويًّا أيضًا لصناعة الطاقة في الخليج، لأن بايدن سيسعى إلى تفعيل الإتفاق النووي مع إيران مرة أخرى، وبالتالي إزالة العقوبات عن نفاذ النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية، ما سيعيد دول الخليج إلى خانة المنافسة القوية مع إيران، وسيتأجّج الصراع على التحكم في أسعار النفط ما بين السعودية وإيران.

المناظرة بين ترامب وبايدن

أما على جانب الطلب فإن فوز بايدن لا يعني انخفاضًا حادًّا في الطلب على النفط الخليجي، خاصةً وأن تحول منشآت الأعمال نحو تكنولوجيا إنتاج جديدة معتمدة على الطاقة النظيفة أو المستدامة يستغرق مدة طويلة. لكنه سيقود –على المدى المتوسط والبعيد- إلى تحول في نطاق الأسواق التي تطلب النفط العربي، إذ سيقل الطلب على النفط العربي في أسواق الدول المتقدمة والصاعدة في أوروبا وآسيا –والتي ستتجه إلى إحلال الطاقة النظيفة محل التقليدية- في حين سيرتفع الطلب عليه في الدول الأقل تقدمًا، والتي يصعب عليها تحمل تكلفة تحول تكنولوجيا الإنتاج إلى نمط جديد يعتمد على الطاقة النظيفة.

وأخيرًا يمكننا القول إن مستقبل صناعة الطاقة في الخليج مرتهن –في المدى القصير والمتوسط– بنتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية الجارية، فكل من السياستين المتضادتين للمرشحين ترامب وبايدن تحمل فرصًا وتهديدات مختلفة للنفط الخليجي في الوقت الراهن، من خلال تأثيرهما في كل من العرض والطلب والسعر. غير أنه -على المدى البعيد- تبدو المخاطر قوية أمام صناعة الطاقة في دول الخليج، حيث يحمل المستقبل انخفاضات متتالية في الطلب على الطاقة التقليدية التي ينتجها الخليج، وتحول في سياسات الدول المستوردة للنفط العربي.

 

ريم سليم

باحثة اقتصادية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى