دراسات وتحليلات

مستقبل انتشار داعش في “إقليم جنوب إفريقيا”

جاء تورط تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بداعش في الهجوم على مدينة “بالما” الغنية بالغاز في شمال شرق موزمبيق في 24 مارس 2021، بمثابة خطوة استراتيجية لداعش، تُمكنّه من السيطرة على بعض الطرق الرئيسية المؤدية إلى المحيط الهندي، والقرب من الاستثمارات النفطية المليارية التابعة لشركة توتال الفرنسية في المنطقة، ما يعني تأمين موارده المالية التي تضمن له البقاء والاستمرار والتمدد على الصعيدين المحلي والإقليمي.

هذا الأمر بات يمثل تهديدًا واضحًا لأمن واقتصاد موزمبيق، ودول الجوار الجغرافي، لا سيما جنوب إفريقيا، بالإضافة إلى مصالح القوى والشركات الدولية، في ظل التراجع الإقليمي والدولي في مواجهة تنظيم داعش في الإقليم.

تحاول هذه الورقة إلقاء الضوء على مخاطر انتشار داعش في “إقليم جنوب إفريقيا”، ومستقبل التفاعلات والتحركات الإقليمية والدولية في مواجهة التنظيم لتحجيم وتقليص نفوذه وتوسعاته الجغرافية في المنطقة.

داعش جنوب أفريقيا
هجوم عناصر داعش على مدينة بالما في موزمبيق

مخاطر تمدد تنظيم داعش في الجنوب الإفريقي

ثمة تحديات تواجه دول المنطقة في حال اتساع رقعة داعش الجغرافية، خاصةً بعد تحقيق عدة نجاحات في موزمبيق على وجه التحديد خلال الفترة الماضية، وتتمثل أبرز تلك المخاطر في التالي:

  1. استهداف الاستثمارات الأجنبية في المنطقة:

يشكل انتشار عناصر داعش في دول إقليم جنوب إفريقيا تهديدًا صريحًا للاستثمارات الأجنبية فيها، في ظل استهدافهم للشركات الأجنبية العاملة في مجالات النفط والغاز والثروات المعدنية، فثمة تهديدات لاستثمارات في حقول النفط والغاز لشركات أمريكية وفرنسية إيطالية وصينية بقيمة 60 مليار دولار في شمال شرق موزمبيق.

وتستهدف تهديدات داعش مصالح دول المنطقة مثل جنوب إفريقيا وزيمبابوي، حيث تمتلك الأولى استثمارات كبيرة في مشروعات التنقيب عن الغاز مثل شركة “ساسول” للطاقة والكيماويات، فيما تعتمد الأخيرة على استيراد الكهرباء والغذاء من موزمبيق.

  1. الاستحواذ على ثروات البلدان الإفريقية:

يعتمد تنظيم داعش في تعظيم موارده المالية على ما يسيطر عليه من الثروات الطبيعية، لا سيما في الجنوب الإفريقي، مثل النفط والغاز والذهب واليورانيوم، بجانب استحواذه على بعض الطرق المؤدية إلى المياه الدافئة في المحيط الهندي، وهو ما يلعب دورًا في إمكانية تهريب تلك الثروات إلى الخارج وتسلم الدعم اللوجستي.

هذا الأمر يمنحه قوة مالية يستطيع توظيفها في شراء المزيد من الأسلحة وتجنيد المزيد من الموالين، فضلًا عن إمكانية تأسيس إمارة جديدة له في الإقليم.

  1. التدخل الأجنبي في المنطقة:

تخشى دول الإقليم الجنوب إفريقي، خاصة دولة جنوب إفريقيا، تداعيات فشل القضاء على بؤر تنظيم داعش بالمنطقة، ما قد يستدعي استقطاب بعض القوى الدولية الطامحة للعب دور في القارة، وتعزيز نفوذها، وتوسيع رقعة استثماراتها، وهو ما دلل عليه إرسال موسكو مجموعة “فاغنر” إلى موزمبيق لمساندة القوات الحكومية، ووصول بعض القوات الأمريكية والبرتغالية إلى موزمبيق لتدريب قواتها في حربها ضد داعش.

ولا يزال الطريق مفتوحًا أمام انخراط العديد من القوى الدولية والإقليمية في المنطقة، مما يعني احتمالية تزايد التنافس الدولي على المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

داعش جنوب أفريقيا
عناصر من أنصار داعش
  1. إعلان ولاية جديدة لداعش:

في إطار مساعي داعش لتوسيع رقعته الجغرافية في قارة إفريقيا، قد يجد في إقليم جنوب إفريقيا بؤرةً جديدة وملاذًا لعناصره ومعسكرات جديدة لتدريب العناصر الجديدة، يساعده على ذلك وجود خلايا داعشية في بعض دول المنطقة -وإن لم تنشط خلال الفترة الماضية- وتوافر البيئة الملائمة لانضمام العديد من الموالين الجدد للتنظيم، فقد شارك نحو 12 مواطنا جنوب إفريقي ضمن صفوف مجموعات داعش التي هاجمت مدينة بالما في موزمبيق، ما يعني كثافة نشاط التنظيم في عملية التجنيد والاستقطاب في بلدان المنطقة.

وتنظر بعض المجتمعات المسلمة في إقليم جنوب إفريقيا، خاصة في دولة جنوب إفريقيا، نظرة مثالية لداعش بخصوص مشروع بناء دولة عادلة لجميع المسلمين، والدعوة لإنشاء الخلافة الإسلامية المزعومة، فضلًا عن التضامن مع قضايا المسلمين في بلدان عدة مثل فلسطين والعراق وسوريا، وهي عوامل قوية تدفع لتجنيد أعداد كبيرة.

  1. تفاقم الأزمات الإنسانية وأعداد اللاجئين:

تسببت هجمات تنظيم داعش بموزمبيق منذ عام 2017 في نزوح أكثر من 700 ألف مواطن، ومقتل أكثر من 2600 شخص. الأمر الذي يشكل تهديدًا لدول الجوار في حال استمرار تهديدات التنظيم وتمدده إليها، كما يشكل عبئًا أمنيًا واقتصاديًا في حال استقبال الآلاف من اللاجئين، خاصة أن موزمبيق تشترك في الحدود مع دول كل من ملاوي وجنوب إفريقيا ومملكة إسواتيني وزامبيا وزيمبابوي وتنزانيا.

داعش جنوب أفريقيا
قوات أمن لمكافحة داعش في إقليم جنوب أفريقيا

اقرأ أيضًا: داعش موزمبيق.. إرهاب على هامش الفساد والانشغال بكورونا

مسارات التحركات الإقليمية والدولية لمواجهة داعش

دفع نشاط تنظيم داعش في شمال موزمبيق وتهديداته التي تجاوزت الحدود لتطال بعض دول الجوار مثل جنوب إفريقيا وتنزانيا، إلى ظهور بعض المحاولات على المستويين الإقليمي والدولي لاتخاذ إجراءات فعلية إزاء التوسع المضطرد لعناصر داعش في المنطقة، وإن كانت لم تحقق نجاحات واسعة على هذا الصعيد، مما يثير التساؤلات حول كيفية مواجهة داعش مستقبلًا.

التحركات الإقليمية في مواجهة داعش:

ركزت تلك التحركات على مسارين، أولهما: على المستوى الفردي، وهو الذي تجلى في مطالبة موزمبيق بشكل رسمي من جنوب إفريقيا وزيمبابوي بالتدخل المباشر للقضاء على تنظيم داعش، خاصةً بعد إخفاق الشركات الأمنية الخاصة التي استعانت بها حكومة موزمبيق في احتواء عناصر داعش مثل شركة Dyck Advisory Group الجنوب إفريقية، ومجموعة فاغنر العسكرية الروسية Wagner Group.

وافتقدت التحركات الإقليمية لإجراءات فعلية حاسمة للحد من تهديدات داعش وتمدده المحلي والإقليمي، فقد أشارت بعض تصريحات المسؤولين العسكريين في جنوب إفريقيا إلى تجهيز اللواء 43 بالجيش لتقديم المساعدة لقوات الأمن في موزمبيق، إلا أنه لم يتدخل في الصراع حتى الآن.

بينما أرسلت بريتوريا بعض القوات العسكرية لإجلاء مواطنيها العالقين في بالما بعد الهجوم عليها في مارس الماضي، والذي أسفر عن مقتل أحد المواطنين وفقدان 50 آخرين من العاملين لحساب إحدى الشركات الدولية العاملة في مجال النفط.

وأرسلت زيمبابوي بعض القوات الخاصة إلى موزمبيق لتدريب القوات الأمنية لمكافحة الإرهاب وليس للمواجهة المباشرة مع داعش، فيما اكتفت تنزانيا بتعزيز وجودها العسكري على حدودها الجنوبية مع موزمبيق لصد هجمات التنظيم التي تخترق الحدود للتورط في هجمات في الداخل التنزاني.

ويعوّل البعض على جنوب إفريقيا في محاربة تنظيم داعش، باعتبارها القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر في المنطقة، مما يجعلها البلد الوحيد المناسب لقيادة جهود محاربة الإرهاب والقضاء على داعش، كما أنه في حال نجاحها في قيادة استجابة إقليمية في مواجهة داعش؛ يعد ذلك بمثابة دفعة كبيرة لمكانتها الإقليمية في القارة وعلى المستوى الدولي.

عناصر تنظيم داعش في الصحراء
عناصر تنظيم داعش في الصحراء

ولم تسفر التحركات الفردية من قبل دول المنطقة عن أي نتائج إيجابية في احتواء تهديدات داعش في موزمبيق وبعض دول الجوار، ولا يمكن التنبؤ بتحركات فعالة خلال الفترة المقبلة في هذا الشأن، فمعظم دول المنطقة، خاصة جنوب إفريقيا، تواجه بعض التحديات الاقتصادية بسبب تفشي جائحة كوفيد-19، وضعف جيوش المنطقة، وتفضيل معظم دول المنطقة تأمين حدودها خاصة مع موزمبيق، فضلًا عن تحذير داعش لجنوب إفريقيا في 2020 من الانخراط في الصراع في موزمبيق اتقاءً لتفعيل نشاط عناصر داعش ضد بريتوريا. وإن كانت تكلفة انتشار داعش في دول المنطقة يقلص من الخيارات المطروحة بحيث تتركز حول ضرورة التخلص من خطر التنظيم في الإقليم.

وثانيهما: على المستوى الإقليمي، فقد توالت الدعوات وتزايدت الضغوط على الجماعة الإنمائية في الإقليم الجنوب الإفريقي المعروفة باسم “السادك” بالتدخل والتصدي للنشاطات الإرهابية التي يتورط فيها تنظيم داعش في موزمبيق، بعد فترة صمت طويلة نسبيًا من جانب المنظمة إزاء التحديات الأمنية في الإقليم، خاصةً أنها تمتلك إطارًا أمنيًا شاملًا يتمثل في الاحتفاظ بألوية عسكرية احتياطية لأغراض بعثات دعم السلام، والانتشار في أوقات الأزمات في المنطقة.

وبالرغم من تعهد السادك خلال قمتها الأربعين العادية التي انعقدت في أغسطس 2020 بدعم موزمبيق في مواجهة الإرهاب دون إيضاح لطبيعة هذا الدعم، وتصريح الرئيس سيريل رامافوزا، رئيس جنوب إفريقيا، في سبتمبر 2020 بأن كتلة السادك تعد خططًا للتدخل في الصراع، إلا أن هناك العديد من التحديات التي شكلت عائقًا أمام المنظمة بخصوص تجميع قوة موحدة في مواجهة داعش.

تمثلت تلك التحديات في غياب التوافق بين بعض الدول الأعضاء مثل زيمبابوي التي تعرضت لضغوط إقليمية ودولية كان لجنوب إفريقيا دور فيها، وذلك بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، وتردد بعض الدول مثل جنوب إفريقيا في اتخاذ خطوات فعلية بالتدخل لمحاربة داعش في الإقليم، وتداعيات تفشي جائحة كوفيد-19 وعجز التمويل المادي، فضلًا عن فشل السادك في تعبئة المجتمع الدولي لدعم موزمبيق في حربها ضد الإرهاب. وهي عوامل قد تعرقل تشكيل تحالف إقليمي عسكري يتألف من دول المنطقة في المدى القريب.

داعش جنوب أفريقيا
مسلحون شنوا هجوماً على بلدة بالما ما أجبر السكان على الفرار إلى الغابات المحيطة

التحركات الدولية في مواجهة داعش:

تراجع الرئيس “فيليبي نيوسي”، رئيس موزمبيق، عن رفضه للتدخل الأجنبي في البلاد لمواجهة داعش، ودعا المجتمع الدولي للمساعدة في هذا الشأن شريطة لعب القوى الدولية دورًا داعمًا فحسب وليس تدخليًّا، الأمر الذي مثّل نقطة تحول في تفاعل بعض القوى الدولية مع التطورات في موزمبيق والمنطقة، حيث أرسلت واشنطن بعض القوات الخاصة في مارس 2021 إلى موزمبيق بهدف تدريب قوات مشاة البحرية الموزمبيقية لمدة شهرين -ربما تمتد إلى أبعد من ذلك- بهدف منع انتشار الإرهاب.

تزامن ذلك مع تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية في 10 مارس الماضي كلا من تنظيم داعش في موزمبيق وزعيمه أبا ياسر حسن، وتنظيم داعش في الكونغو الديمقراطية وزعيمه سيكا موسو بالوكو كجماعات إرهابية.

وتشير تلك التحركات إلى المساعي الأمريكية لتعزيز نفوذها في المنطقة على حساب النفوذ الروسي، خاصةً بعد تعثر عناصر فاغنر العسكرية في تحقيق أهدافها.

ويبدو أن البرتغال -المُستعمِر القديم في المنطقة- ترغب في إعادة إحياء نفوذها هناك، حيث قامت بإرسال نحو 60 جنديا لموزمبيق للمساهمة في محاربة داعش، وتدريب قوات المشاة البحرية والقوات الخاصة.

لا تبدو فكرة تدشين تحالف دولي جديد للحرب ضد داعش في شمال موزمبيق وإقليم جنوب إفريقيا مطروحة في الوقت الراهن على الأقل، في ضوء التخوف من فشل تجربة التحالف الدولي في العراق وسوريا، وتردد دول المنطقة في انخراط القوى الدولية خوفًا من تصاعد التنافس والصراع على مواردها مما قد ينتقص من نفوذها وسيادتها.

فبعض القوى الدولية مثل فرنسا تتخوف من الانخراط في مستنقع جديد في قارة إفريقيا يستنزف قدراتها العسكرية والمادية، برغم حجم استثماراتها النفطية من خلال شركة توتال في المنطقة والذي يبلغ حوالي 23 مليار دولار.

إجمالًا، يظل غياب اتخاذ الإجراءات الفعلية في منطقة الجنوب الإفريقي ضد تهديدات تنظيم داعش دافعًا قويًا نحو تحويل المنطقة إلى ساحة غير مستقرة أمنيًا، على غرار بعض المناطق في القارة مثل غرب إفريقيا والساحل والصحراء.

فغياب الاستجابة الإقليمية والدولية قد تؤدي بدورها إلى توحش تنظيم داعش في المنطقة، وبسط نفوذه على مساحات شاسعة في إقليم جنوب إفريقيا خلال السنوات المقبلة، مثلما حدث مع حركة بوكوحرام في الغرب الإفريقي خلال العقد الماضي، مما يُهدِّد الاستقرار الإقليمي وما يترتب عليه من عواقب سلبية على كافة المستويات، ربما تعاني منها القارة خلال عقود قادمة.

اقرأ أيضًا: أرض الجهاد الإفريقية.. طيور المقاتلين الأجانب تحط في موزمبيق

أحمد عسكر

باحث مختص في الشأن الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى