أبطال منسيون

مسعفون على خط الجائحة

“أقسمنا بالله تعالى أن نُحافظ على المصابين، وخصوصياتهم، وأن ننقذهم حتى لو تعرضنا للعدوى، فما نفعله أولًا وآخرًا هو دورنا وواجبنا، ونحن مدربون جيدًا على مكافحة العدوى”.

داخل وحدة إسعاف منطقة أكتوبر بمحافظة الجيزة شمال مصر، يتكئ المُسعف “عادل فتحي عبدالغفار” (35 عامًا) على سرير صغير لينال قسطًا من الراحة، حاملًا بيده هاتفه الخلوي وينظر لصورة طفلته الصغيرة التي لم يستطع الاقتراب منها عند عودته الأخيرة لمنزله.

لم يتمالك الرجل نفسه وهو يتذكر لحظات عودته إلى المنزل، تسللت الدموع من عينيه: “بقالي أسبوعين محضنتش بنتي الصغيرة، عشان خايف أكون سبب في نقل العدوى ليها، وكل ما تيجي تلعب معايا بتهرب منها، وأول ما ادخل البيت بشاورلها من بعيد: ماتقربيش”.

بسمة ممزوجة بالاشتياق والحنين ترتسم على وجه المُسعف بعد الانتهاء من حديثه، يقطعها رنين صادر عن جهازه اللا سلكي المخصص لاستقبال بيانات الحالات المصابة بالفيروس. نهض مسرعًا لينادي زميله السائق، يخبره بسرعة تجهيز سيارة الإسعاف للتوجه إلى إحدى البنايات السكنية بمجمع السادس من أكتوبر، حسب ما تلقاه من غرفة العمليات.

أسرع الثلاثيني ببدلته الصفراء الواقية، وحذائه الأبيض، حاملًا بيده كمامته ونظارته، إلى سيارة الإسعاف لممارسة عمله الذي اعتاده طيلة 22 عامًا، لكن الوضع اختلف مع وصول “وباء كورونا” إلى مصر، فالمهمة أصبحت أثقل، والواجب صار أكبر.

في منتصف فبراير الماضي، أعلنت وزارة الصحة المصرية تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) لشاب صيني الجنسية، وسرعان ما وقع الاختيار على “عادل” للاستعداد للتعامل مع الوباء. ورغم خطورة المهمة، إلا أنه لم يتردد أبدًا عن النهوض في كل مرة لنقل حالة مصابة بالكورونا.

يُسرع الشاب إلى سيارة الإسعاف ليتأكد من وجود العدد الكافي لأسطوانات الأكسجين التي يحتاجها المريض طوال الطريق حتى يصل إلى مستشفيات العزل الصحي، فأغلب الحالات المصابة تعاني ضيق التنفس أو الالتهاب الرئوي الحاد. ينطلق إلى إنقاذ الحالة، وفي الطريق يتفقد الـ”G.P.S” بهاتفه الجوال لمعرفة المسافة التي يستغرقها للوصول.

“الحمد لله وصلنا بسرعة”.. يقولها “عادل” مسرعًا إلى مسكن المُصاب، يُطمئنه: “هتبقى كويس ما تخفش”، يُعطيه قفازات بيضاء “جوانتي” وكمامة، ثم يحمله هو وصديقه إلى السيارة، يفحص سلامة توصيلات الجهاز التنفسي لينطلقوا جميعًا إلى مستشفى العجوزة بمحافظة الجيزة، لتبدأ مهمة أخرى يقودها “الجيش الأبيض”.

فور وصول المسعفين، يسرع “محمد أحمد بدر”، مسئول التعقيم بالهيئة، مرتديًا كمامة “N95″، وعلى ظهره خزان أبيض اللون معبأ بالماء والكلور، موجهًا أنبوبة الرش على المسعف الذي انتهى من نقل الحالة، يعقمه من الأمام والخلف، ثم يستدير ليكمل عملية التعقيم لسيارة الإسعاف من الداخل والخارج “سعيد بدوري.. ما بيقلش أهمية عن دور المسعفين، أنا المسئول عن حمايتهم من تسلل الميكروب ليهم.. كلنا بنشتغل وبنعمل اللي علينا”.

تمتلك هيئة الإسعاف فروعًا في جميع محافظات مصر، وتعمل معًا بالتنسيق مع إدارة الطب الوقائي بوزارة الصحة، حيث يتواصلون على مدار الـ24 ساعة لنقل الحالات المصابة بالفيروس.

يقول “عبدالمنعم الجيش”، رئيس قطاع العمليات والتشغيل بهيئة الإسعاف لـ”ذات مصر”، إن المسعفين موزعون على جميع أنحاء الجمهورية، حيث توجد في كل محافظة سيارات مخصصة لنقل الحالات، ويتم تدريب رجال الإسعاف على التعامل مع الحالات عن طريق اتّباع السبل كافة لحمايتهم، حتى أصبحت احتياطات التعامل مع حالات الفيروس مختلفة عن التعامل مع المصابين العاديين.

يشير “الجيش” إلى توفير تدريبات جيدة للمسعفين للتعامل مع الوباء المستجد، وأنه طبقًا للقانون “لا يحق للمسعف أن يتعامل مع جهاز التنفس الصناعي، ويقتصر دوره على التأكد من سلامة وصلات الجهاز للمريض لكي يعمل بشكل جيد، فضلًا عن التأكد من أن عدد أسطوانات الأكسچين في السيارة تكفي طوال مسافة الطريق”.

بحسب رئيس قطاع العمليات في الإسعاف، فإنه “لا يوجد أي حالات إصابة بالفيروس المستجد بين المسعفين سوى سائق واحد، حيث ظهرت عليه الأعراض بعد أن تعامل مع أول ثلاث حالات صينية تم نقلهم لمستشفى الحميات كحالات اشتباه، لكن التحاليل أظهرت أن النتيجة سلبية لهم، وكذلك تم سحب عينة منه وكانت سلبية أيضًا، مما يوضح أن السائق تمت إصابته بالعدوى من الخارج، وحالته الآن مستقرة، ويتلقى المتابعة داخل مستشفيات العزل”.

سائقو سيارات الإسعاف أيضًا يتم التعامل معهم بحذر شديد، حيث يقوم فريق الطب الوقائي برصد السائقين والمخالطين لهم، وإعداد ملفات لهم، ووضعهم تحت المراقبة، وفي حالة ظهور أعراض يتم عمل تحليل للتأكد من إصابته بالفيروس من عدمه.

تكفي المستلزمات والإمدادات الطبية معدل الحالات المصابة التي يتم اكتشافها لفيروس كورونا في الهيئة، غير أن تطور الأمور قد تجعلهم يواجهون خطرًا كبيرًا يتعلق بنقص الإمكانات، بحسب رئيس قطاع العمليات، الذي يُضيف: “لهذا يتم التعامل مع الموارد بشكل اقتصادي، مع مراعاة السبل الوقائية كافة ومكافحة العدوى، وكذلك لدينا نقص في المسعفين، فيتم تخصيص 10 مسعفين لتلقي حالات الكورونا”.

تخدم هيئة الإسعاف المشار إليها محافظة الجيزة والقاهرة الكبرى ومحافظة القليوبية، وتعكف على نقل 170 حالة يوميًّا ما بين “مصابين بالكورونا، أو مشتبه بهم أو أصحاب الأمراض المزمنة العادية”، بينما يكون نصيب متوسط المصابين بالفيروس منهم 30 حالة يوميًّا.

وتختلف سيارة الإسعاف المجهزة لنقل مصاب “كورونا”، سواء كانت حالة إيجابية أو حالة اشتباه، عن السيارة العادية؛ إذ تكون خالية تمامًا من أي أجهزة، وتحتوي فقط على أسطوانات من الأكسجين، و”ترولي”، وجهاز للتنفس الصناعي إن اضطر الأمر وفقًا للحالة التي يتم نقلها، وذلك ليسهل تعقيمها جيدًا فور نقل المصاب لمنع انتقال العدوى، بينما السيارة العادية تحتوي على جهاز للضغط والسكر وأسطوانات أكسجين وغيرها من الأجهزة.

داخل غرفة عمليات الهيئة، يجلس “محمد عبدالصابر”، مسئول جهاز جنوب الجيزة بالقاهرة الكبرى، لتلقي البلاغات، يتفقد شاشته المستطيلة الموصلة بجهاز تتبع لمعرفة تفاصيل بلاغ خاص بنقل إحدى الحالات، ثم يستدير مسرعًا للتوجه للشاشة الرئيسية في الغرفة ليحدد رقم سيارة قد انتهى من كتابة الكود الخاص بها في ورقة بيده، وتأكد من خلوها، فطلب من السائق التوجه إلى العنوان الذي استلمه من الخط الساخن.

خطة محكمة وضعتها وزارة الصحة بالتعاون مع هيئة الإسعاف للتعامل مع الجائحة، كما يوضح “محمد الشربيني”، مدير إسعاف 6 أكتوبر والواحات البحرية، بداية من تلقي الاستغاثات لتوصيف الحالة إن كانت حالة إيجابية أو اشتباه، وصولًا إلى تلقّي التعليمات والإسراع لإنقاذ المُصاب، لافتًا إلى أن الحالات الإيجابية تُنقل إلى مستشفيات العزل الصحي التي خصصتها الوزارة، بينما يُنقل المشتبه بهم إلى مستشفيات الحميات أو الأمراض الصدرية. 

خشي الشاب الثلاثيني “علي عبدالغني” (33 عامًا)، مساعد أخصائي إسعافات أولية بالهيئة، من تكليفه فور الكشف عن الوباء في مصر، فهو لم يتردد منذ 12 عامًا عن أداء عمله كما تردد للوهلة الأولى مع صدور قرار ضمه إلى فريق نقل المصابين. مشاعر الخوف على أسرته كانت أحد تلك الأسباب “مكنتش عايز أروح بيتي، عشان خايف على أبويا وأمي وأسرتي، بس حبي لمهنتي خلاني أتغلب على مشاعر الخوف، مهنتي هي واجب وطني”.

قلة تسليط الضوء عليهم، وسقوطهم من قائمة المكافآت الاستثنائية، أو الاهتمام ببطولاتهم، لم تمنعهم من إكمال مهمتهم في سبيل سرعة إنقاذ المصابين.
اعتاد “علي عبدالغني” في أداء عمله أن يتبع جميع الإجراءات التي تدرب عليها للوقاية ومكافحة العدوى، ولا يخشى الإصابة بها أثناء عمله بعدما أدرك خطورة وأهمية ما يقومون به “بالعكس أنا ممكن تتنقلي العدوى خارج الشغل، وأنا في المواصلات أو أثناء التعاملات العادية في حياتنا الشخصية، لأن في شغلي بيكون متوفر كل سبل الحماية”.

لم تمر الأيام بيسر، فمع نقله لكل حالة كان يدعو الله كثيرًا أن يحفظ بلاده من كل سوء، ويحفظه لأسرته، فهو العائل الوحيد لهم بعد ستر الخالق لأحوالهم، ويزداد الأمر صعوبة عندما يتلقى أنباء عن تعرض أحد المسعفين للإصابة، يؤثر الخبر على حالته النفسية، لكنه يزيده إصرارًا على أداء مهمته في مواجهة الفيروس، متمنيًا أن تعبر مصر وجميع الدول بسلام هذا الوباء.

يحكي المُسعف الشاب مشاهدَ من علاقته بأسرته التي أصابها الهلع مع انتشار الوباء، واختياره ضمن فريق المواجهين له: “أمي لما عرفت أنه وقع عليا الاختيار، كانت خايفة، وفضلت تدعي الله ليل ونهار بألا يصيبني مكروه، لدرجة أنها شكت أني اتصبت لما قعدت 10 أيام كاملين ما أنزلش البيت على غير المعتاد، وما صدقتنيش وأنا بقولها في التليفون.. أنا بخير، ويوم ما نزلت البيت قعدت تعيط عشان رفضت أخدها في حضني زي كل مرة”.

خوف الشاب الثلاثيني على أسرته دفعه للتفكير في أن يكون هو أحد أسباب إصابتهم، لذا فضل المكوث في العمل طويلًا وعدم مخالطتهم “أوقات بتخيل أني لو مُصاب ورحت البيت ممكن أعدي أمي وأخواتي، وبتخيل أنهم راكبين سيارة إسعاف ومنقولين للمستشفى بسببي.. لا قدر الله، بس المشرف دايمًا بيطمنا وبيقولنا خدوا حذركم وما تخافوش لأن مهمتكم كبيرة، ودوركم مش هيتنسي”. 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

هاجر المصري

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram