ثقافة وفن

مسلسل “الطاووس”.. “قيم الأسرة المصرية” للضعفاء فقط

لم يكن مسلسل “الطاووس” ضمن القائمة الأولى لأغلب مشاهدات الجمهور في موسم رمضان الحالي: دعاية متواضعة وشركة إنتاج تقدم عملها الدرامي الثاني في مسيرتها، وأفيش مسلسل لا يضم نجوما من الصف الأول باستثناء الممثل السوري جمال سليمان والممثلة الكبيرة سميحة أيوب.

لعبة خطرة

أسرة مسلسل الطاووس
أسرة مسلسل الطاووس

كان الانطباع الأول أن الموسم الرمضاني سيمر دون أن يلاحظ أحد المسلسل، إلا أن اقتران “قضية الفيرمونت” باسم “الطاووس” وحكايته لفت الأنظار  إليه قبل أن يبدأ عرضه، ولأن المسلسل لا يتناول هذه القضية بالتحديد، بل يقدم معالجة درامية بتفاصيل مختلفة عن قضية الاغتصاب الشهيرة، بدا أن إلصاق اسم الفيرمونت للمسلسل نوع من الدعاية المجانية لجذب الجمهور لمشاهدته، ما تسبب في انزعاج عدد من الشخصيات المرتبطة أسماؤهم بالقضية التي لا تزال أوراقها في أروقة المحاكم وبين يدي القضاء.

ما لم يكن في حسبان صناع مسلسل “الطاووس” أن يثير من العدم حالة من الغضب والارتباك وصلت إلى تحقيق المجلس الأعلى للإعلام مع صناع المسلسل، وكذلك مع القنوات التي تعرضه، وانتهى الأمر بإصدار بيانٍ من المجلس الأعلى للإعلام يشير إلى تلقيهم شكاوى بعد عرض المسلسل الذي يكسر “الأكواد الأخلاقية” التي أصدرها المجلس كي تلتزم بها الأعمال الدرامية المصرية.

واللافت أن البيان لم يشر من قريب أو بعيد إلى تقديم المسلسل معالجة درامية لقضية “الفيرمونت”، بل تطرق إلى أن هناك تجاوزات أخلاقية تعرض في المسلسل وتمس الأسرة المصرية، وذكر البيان في اعتراضه على المسلسل:

“استخدام لغة لا تتفق مع الأكواد التي أصدرها المجلس، وتؤكد ضرورة إعلاء القيم وعدم المساس بالأسر المصرية أو الحط من شأنها، أو إظهارها في صورة تسيء إليها”.

هذه الفقرة بالتحديد تضعنا أمام تساؤل كبير حول ماهية الخطوط التي تجاوزها المسلسل في تعديه على قيم الأسرة المصرية والحط منها، والاجابة لن تأتي مما يقال على مواقع التواصل، بل تأتي من داخل المسلسل نفسه، والذي لم يتجاوز القيم الأخلاقية قط، بل إنه على العكس تمامًا التزم بها بصورة واضحة وتليق مع ما يتوافق مع الأسرة المصرية البسيطة.

فوق دماء الضحية

سهير الصايغ في مسلسل الطاووس
سهير الصايغ في مسلسل الطاووس

التزمت حلقات مسلسل “الطاووس” الست المعروضة حتى الآن بالكود الأخلاقي الذي يناسب الأسرة المصرية العادية من خلال حكاية تعرُّض فتاة فقيرة “أمينة” (سهر الصايغ) للاغتصاب الجماعي أثناء عملها ضمن طاقم الخدمة في أحد الأفراح المقامة بالساحل الشمالي.

ويبلور مشهد الاغتصاب في نهاية الحلقة الأولى، والذي استكمل في بداية الحلقة الثانية نقطة الانطلاق التي يتفجر منه الصراع الدرامي، والمثير للدهشة هنا أن المشهد لم يكن خادشا للحياء بل كان مؤلما في أثره النفسي على خلفية الموسيقى التصويرية الحزينة.

لم يصور مخرج المسلسل رؤوف عبدالعزيز المشهد بطريقة مبتذلة أو خادشة، بل بقطعات المونتاج التي أغلقت الستار على ما حدث للفتاة في الغرفة، لنفاجأ بها في اللقطة التالية في صبيحة اليوم التالي ممدة على السرير لنفهم من الملاءة البيضاء والدماء على السرير أنها تعرضت للاغتصاب على يد الشباب الذين وضعوا لها مخدرا في العصير واستدرجوها لغرفتهم.

اختار صناع العمل أن تلتزم المجني عليها بصورة محافظة للغاية، فالبطلة هي فتاة شابة فقيرة الحال، تسعى للعمل لمساعدة أسرتها، ملابسها محتشمة وملامحها ملائكية، إنها نموذج مثالي يدفعك للتعاطف معها على الفور، وتشبه الكثير من الفتيات اللاتي يمشين في شوارع القاهرة ويعملن في المقاهي والمطاعم والمولات.

وامتد الخط لنرى “أمينة” في مشهد مؤثر بعد عودتها إلى بيتها عقب حادث الاغتصاب تصلي إلى الله وتبكي خوفا وألماً على ما جرى، كأن الضحية التي وقع عليها الجرم تشعر بالذنب وتدعو الله أن تكون نسيا منسيا، لا حيلة بيدها سوى الصلاة والبكاء على شرفها المهدر وجسدها المنتهك.

يتجاور الآن المشهدان بجوار بعضهما، المعالجة الإنسانية التي يقدمها قصة المسلسل في مقابل القيمة التي يسعى المجلس الأعلى للإعلام لعدم المساس بها، أين يكمن الجرم هنا؟

باستقصاء الآراء في مواقع التواصل ومتابعة نقاشات الجمهور ومتابعي المسلسل كانت الأغلبية أنه ما من مذنب غير الرقابة التي تبطش وتحذف وتُهذب ما يتلقاه المشاهدون، كأن المشاهد لا دخل له في هذا الصراع رغم أنه المتلقي والطرف الأهم في هذا الصراع.

واللافت في هذه الأزمة أن “الطاووس” لم يتجاوز بالفعل أي خطوط حمراء قد تزعج المشاهدين من أي فئة عمرية، وهو ما اتفق عليه الجميع، وهو أيضا ما جعل الأمر في نظر الجمهور أشبه بالتشبث بمقعد الرقيب الصارم لمتابعة سير تقييد حرية الإبداع الفني أكثر منه حفاظا على القيم الأخلاقية في الدراما المصرية التي يؤكد المجلس دفاعه عنها.

ضحايا وجلادون

جمال سليمان في مسلسل الطاووس
جمال سليمان في مسلسل الطاووس

في مقابل الصورة البسيطة للضحية يقدم لنا “الطاووس” إدانة واضحة للمجرمين المغتصبين، وهم مجموعة من الشباب الأثرياء، طائشون لا يردعهم شيء، يسكرون في فرح صديقهم وينجرفون في لحظة طيش إلى اغتصاب الفتاة التي تعمل في الفرح ولا يشعرون بعدها بذنب أو جرم.

هنا يدين المسلسل بوضوح المتهمين، لا يضع لجرمهم أعذارا ولا يظهرهم في صورة الملائكة، وهو ما يتماشى مع واحد من الأكواد التي وضعها المجلس الأعلى للإعلام في تقييم المسلسلات التي تنص على “التوقف عن تمجيد الجريمة باصطناع أبطال وهميين يجسدون أسوأ ما في الظواهر الاجتماعية السلبية التي تسهم الأعمال الدرامية في انتشارها“.

وفي مسار موازٍ يجسد بطل المسلسل (جمال سليمان) “كمال الأسطول” شخصية محامٍ، “نصير البسطاء”، يقف في الحلقة الأولى من المسلسل أمام صديق عمره (أحمد فؤاد سليم) “ضياء شاهين” وهو محامٍ لا يكترث بالعدل، بل إنه قد يدافع عن الشيطان إذا لزم الأمر.

وتكشف لنا الحلقات الأولى أن ضحية الاغتصاب قررت أن تلجأ إلى القانون بعد أن لفظها أهلها، وبالفعل تطرق باب “كمال الأسطول” الذي سيدافع عنها ويقف مناديا بالقصاص لها ولأمثالها وسيخوض حربا أمام صديقه وخصمه الذي يدافع عن المتهمين.

يبدو أن هذا هو المسار الذي ستمضي فيه معالجة المسلسل -الذي لم يكمل عرضه أسبوعا واحدا- والتي تتماشى مع كود آخر من أكواد المجلس الأعلى للإعلام الذي يشير في بنوده إلى “التوقف عن تجاهل ودهس القانون عن طريق الإيحاء بإمكانية تحقيق العدالة والتصدي للظلم الاجتماعي باستخدام العنف العضلي والتآمر والأسلحة بمختلف أنواعها، وليس بالطرق القانونية“.

فإذا كان “الطاووس” يدين مجرمي الاغتصاب ويضع في معالجته الدرامية منصة القضاء أمام ميزان الانتصار للحق والعدل، ألا يناقض المجلس الأعلى للإعلام نفسه إذن في إثارة الغضب حول المسلسل والتحقيق مع صناعه والدعوة لوقف عرضه؟

ربما تكون قضية “الفيرمونت” هي التي ولدت الصراع، لأن أحداث المسلسل تتشابه بقدر كبير مع المعلومات التي وصلت للرأي العام حول القضية التي يُتهم فيها مجموعة من الشباب الأثرياء في استدراج فتاة إلى إحدى الغرف بفندق “فيرمونت” واغتصابها وكتابة الحروف الأولى من أسمائهم على جسدها.

مع اختلاف المعالجة الدرامية للمسلسل التي تضعنا أمام صراع بين الضحية والمجرم، الطبقات البسيطة والطبقات ذات النفوذ التي تفرد سطوتها ونفوذها في المجتمع دون رادع.

الإجابة الحقيقية عن كل هذه التساؤلات نراها الآن في غضب المشاهدين من التعنت أمام مسلسل مس مشاعرهم وتعاطفوا معه ورأوا أن القصة التي يحكيها لهم لم تزعجهم بل تمسهم بدرجة كبيرة، والنتيجة كانت تدشين حملة تضامن مع المسلسل لمنع وقفه من العرض.

ستكشف لنا الأيام القليلة المقبلة عن مصير “الطاووس”، وإن كان هذا الغضب غير المبرر لا يبشر بخير، ويبدو أن الكثير من الأعمال الدرامية ستصطدم مستقبلاً بالأكواد الأخلاقية التي تقيد حرية الإبداع الفني فتفرز لنا أعمالا درامية هي تكرار لحكايات لا تشبهنا وتخشى أن تمس الواقع الذي نعيشه.

آية طنطاوي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى