ثقافة وفن

مسلسل “بين السما والأرض”.. عالقون في ماضٍ لا يرحل

منذ أن أُعلن عن البدء في صناعة مسلسل “بين السما والأرض” المستوحى من فيلم “بين السماء والأرض”، ثار تساؤل عن الكيفية التي سيتحول بها الفيلم الذي مدته ساعة وثلث إلى مسلسل مكون من 15 حلقة مدتها مجتمعة نحو 7 ساعات.

كتب قصة الفيلم الأديب الكبير نجيب محفوظ، بينما كتب السيناريو والحوار السيد بدير، وتولى الإخراج صلاح أبو سيف، الذي شارك أيضا في كتابة السيناريو.

فيلم بين السما والأرض
فيلم بين السما والأرض

الفيلم الذي عُرض عام 1960 كان ذا فكرة جذابة ويعد أيضا سابقا لعصره السينمائي، إذ تدور أغلب أحداثه داخل مكانٍ واحد، هو مصعد البناية الذي يضم الكثير من الأشخاص.

اعتمد الفيلم على فرضية بسيطة جدًا: ماذا لو انحبس مجموعة من البشر المتنافرين داخل المصعد لمدة طويلة؟

ولأن صناع “بين السما والأرض” أخذوا الفكرة وحولوها إلى عمل جديد، فلن نهتم هنا بقعد مقارنة بين العملين، بل بتحليل ما قدموه بالفعل. (يحتوي المقال على كشف لبعض تفاصيل المسلسل).

كيف يشكّلنا الماضي؟

كتب سيناريو مسلسل “بين السما والأرض” إسلام حافظ، وأخرجه محمد جمال العدل (ماندو).

بالطبع تطوير الفرضية الصغيرة التي انطلق منها الفيلم ذو المدة القصيرة إلى فرضية تناسب مدة المسلسل كان أمرا حتميا، وهكذا يمكن أن نقول إن المسلسل تبنى فرضية: ماذا لو اجتمع مجموعة من البشر الذين يجمعهم ماضٍ سيئ داخل المصعد لمدة طويلة؟

من هنا ينطلق “بين السما والأرض”: 11 شخصًا اجتمعوا داخل مصعد إحدى البنايات، ونتيجة تخريب متعمد من أحد الأشخاص خارج المصعد، يتوقف ويتعطل عن العمل، وتستمر محاولات إصلاحه وإخراج الأشخاص الذين بالداخل.

كان من الصعوبة بالطبع جعل الأحداث بالكامل تدور داخل المصعد، أو حتى بالتزامن بين الداخل والخارج، نظرًا لمدة المسلسل، وهكذا لجأ المؤلف إلى حيلة ذكية، وهي عرض ماضي الشخصيات وكيف وصلت إلى اللحظة التي هي عليها الآن، ومن خلال هذا نكتشف التحول الكبير الذي أصابها.

ربما كان هذا الحل جيدًا بالفعل لعدم التركيز على المدة التي يقضيها المصعد معطلًا، ولكن بعد مرور بعض الحلقات سيظهر هذا التساؤل بالطبع: ما هو هذا العطل الذي يجعل المصعد ثابتًا دون حركة أغلب الوقت ودون وجود سبيل للخروج كل هذه المدة؟

ومع ذلك نشاهد أكثر من محاولة للإصلاح لكن جميعها تبوء بالفشل، بشكل يفتقر إلى الإقناع كلما طالت المدة.

لا ملائكة في هذا المصعد

مسلسل بين السما والأرض

مسلسل بين السما والأرض

تعدد الشخصيات داخل المصعد، سمح بصناعة خلفيات مختلفة لها بحرية كبيرة، واختار مؤلف العمل أن تكون أغلب الخطوط الدرامية بها جانب مأساوي ما: إما مأساة معقدة، كالمهندس الذي تحوّل إلى مريض نفسي، أو مأساة أقل تعقيدًا مثل الممثلة التي خفتت عنها الأضواء.

لكن إسلام حافظ أضاف المزيد إلى هذه الشخصيات من مجرد مرورها بظروف صعبة، إذ جعل أغلب الشخصيات غير مثالية، مثل الممثلة التي استغلت جمالها للإيقاع بالمنتجين، أو الشاب الذي يبتز الفتيات بتصوير مقاطع جنسية.

هذه التفاصيل المكتوبة لكل شخصية منحت المسلسل ثراءً لدى المشاهد، بالذات في الحلقات الأولى التي كانت أبعاد هذه الشخصيات تتكشف فيها واحدة تلو الأخرى، ومن ثم بدأت شبكة العلاقات بين الشخصيات وبعضها، وهي من أمتع التفاصيل في المسلسل.

فشخصية الممثلة ريهام صدقي (نجلاء بدر) كانت متزوجة من عوض (محمود الليثي) قبل أن ينفصلا، ولها ماضٍ مع الممثلة الأخرى في المصعد فاتن سرور (سوسن بدر)، مما يجعل هناك حالة من التحفز بين الثلاث شخصيات.

يضاف إلى هذا التحفز ما يحدث من كل شخصية داخل المصعد، وهذا أضاف إلى دقائق الانتظار الصعبة مزيدا من التحفز والضيق.

يستغل العمل رسم الشخصيات بشكل جيد، إذ إن ما نعرفه من تاريخ الشخصيات وماضيها خارج المصعد ينعكس بشكل واضح على سلوكهم بالداخل.

سنجد مثلًا أن صاحب المكتبة شاكر (أحمد بدير) هو أكثرهم هدوءًا وأقلهم حديثًا، بينما المهندس المريض يكثر من الكلام ويبالغ في ردود فعله.

وبمرور الحلقات نصبح على دراية كاملة بهؤلاء الأشخاص، وعلى معرفة بأبعاد كل شخصية، فلا يمكن وصف هذه الشخصية بصفة مفردة لتعبر عنها، إذ أنقذ صناع المسلسل الشخصيات من فخ البعد الواحد.

هذا الجمع من الشخصيات التي قدمها المسلسل، جعل المُشاهد يتفاعل بسهولة مع حلقاته، ففي كل حلقة يتعرف على مزيد من التفاصيل عن الشخصيات. لكن هل كانت الشخصيات جميعها مثيرة للمشاهد بنفس القدر؟

اختر شخصيتك المفضلة

مسلسل بين السما والأرض
مسلسل بين السما والأرض

لم ينجح صناع المسلسل في جعل الشخصيات جميعا بنفس القدر من الثراء والجاذبية، فعلى سبيل المثال، تأتي شخصية عوض (محمود الليثي) المتدين الملتحي على قمة الشخصيات الجذابة، فعندما ننتقل إلى ماضيه نجده كان متزوجًا من “رقية” (نجلاء بدير) التي أصبح اسمها “ريهام صدقي”، وكان يعمل مغني مهرجانات.

تلقائيًا سنجد أننا نفكر في السر وراء تحول هذه الشخصية إلى هذه الحالة.. الأمر نفسه ينطبق على المهندس جلال (محمد ثروت) الذي يثير الانتباه كونه شخصية مضطربة نفسيًا داخل المصعد بينما هو على العكس تمامًا عندما نشاهده في مشاهد الفلاش باك.

على العكس سنجد أن شخصية صاحب المكتبة “شاكر” ليست على نفس القدر من الإثارة، سواء بالنظر إلى تفاصيل الشخصية، الأكثر مثالية والمتمسكة بشعارات كلاسيكية، أو بالنظر إلى ماضي الشخصية الذي لا يوجد فيه ما يثير.

الأمر نفسه ينطبق، بقدر أقل، على شخصية كريمة (ندى موسى) التي تعمل خادمة في بيت الدكتور الجامعي حميد (هاني سلامة)، فهي تحب الدكتور وتسعى للزواج منه، لكن لا يوجد الكثير من التفاصيل اللافتة فيما يخص تطور شخصيتها ضمن السياق الدرامي.

يُمكن أن نرجع هذا التفاوت إلى كثرة عدد الشخصيات، بالإضافة إلى الخطوط المتشابكة كما ذكرنا، لكن بمرور الحلقات تصبح بعض الشخصيات بمثابة عبء على العمل، فمشاهدها إما تتكرر أو أصبحت متوقعة بلا جديد يذكر، وهذا أمرٌ لا يمكن إغفاله بسهولة عندما ننظر إلى عدد حلقات المسلسل.

لكن عندما نخرج من المصعد ونبتعد عن شخصياته سنجد الأمر يختلف تمامًا، إذ إن الأحداث خارجه ليست بنفس الإثارة، والشخصيات ليست على نفس القدر من الجاذبية، حتى الخط الخاص بالعصابة التي عطلت المصعد، لا يتطور منذ الحلقة الأولى حتى العاشرة مما يجعل وجوده غير مؤثر.

اقرأ أيضًا: القاهرة كابول.. حين تتوقف الدراما تبدأ الموعظة

دون لحظة “جدعنة”

مسلسل بين السما والأرض

مسلسل بين السما والأرض

يمكن اعتبار شخصيات المصعد تمثل نظرة مصغرة على مجتمع كبير، يضم أطيافا مختلفة ومتنافرة، رجالا ونساء، دكتور جامعي متحقق ومشهور، ومهندس منسحق حتى فقد عقله، امرأة اعتمدت على جسدها لتصل إلى أهدافها، وشاب يستغل الفتيات جنسيًا.

ربما سبق وشاهدنا هذا التلاقي لأطياف عدة من المجتمع في أعمال أخرى، لكن المختلف هنا، والذي يميز “بين السما والأرض” هو عدم وجود هذه اللحظة المثالية (حتى الحلقة العاشرة على الأقل)، اللحظة التي تذوب فيها الاختلافات ويصبح الجميع على قلب رجل واحد.

يتجلى هذا في مشهد ولادة “سارة” (نورهان) داخل المصعد، إذ بينما تنشغل بعض الشخصيات بمساعدتها، نجد الشاب المتحرش سامي (عمرو صالح) لا ينشغل إلا بمراقبة جسدها.

ومع طول المدة، نجد أن ما في القلب يظل في القلب، لا أحد يسامح أو ينسى، هو فقط يتجاهل الماضي لتمرير اللحظة الراهنة.

ما قدمه المسلسل على مستوى الأحداث ورسم الشخصيات أمر يحسب لصناعه بالتأكيد، ربما كان بالإمكان الوصول إلى الأفضل بتطوير بعض الشخصيات بصورة مختلفة، أو بالتعامل بشكل آخر مع ما يحدث خارج المصعد ليبدو أكثر منطقية، لكن هذا لم يفسد من متعة التجربة ككل وتماسكها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى