مسلسل عقوبات إيران

احتواء للتمدد أم خطة لإبقاء ترامب في البيت الأبيض؟

لا شك أن إيران تواجه ضغوطات هائلة بالعقوبات المفروضة عليها، فتدهور الاقتصاد الإيراني بالتزامن مع العقوبات وتبعات جائحة كورونا، التي أصابت نحو 429 ألف إيراني، مثلت مشكلات متراكمة على اقتصاد البلاد؛ وللمرة الأولى منذ الثورة الإسلامية في عام 1979 طلبت إيران قرضًا من صندوق النقد الدولي بقيمة 5 مليارات دولار لتجاوز أزمتها الداخلية. لكن البحث وراء الهدف من العقوبات الأمريكية الجديدة على طهران يضعنا أمام احتمالين، إما إخراج إيران من دائرة “عدو الشرق الأوسط” واحتواء تمددها، وإما إبقاء دونالد ترامب في مكانه بالبيت الأبيض عبر لعبة الأصوات في الانتخابات الأمريكية المقبلة.

وفي سياق سعي ترامب لإبراز نجاحاته في ملف السياسة الخارجية الأمريكية قبيل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، أعلنت الإدارة الأمريكية، الاثنين الماضي، عقوبات جديدة على النظام الإيراني وعلى أي دولة أو كيان تتعاون معها في مجال الأسلحة التقليدية، موضحة أن العقوبات ستطبق على 27 شخصًا وكيانًا إيرانيًّا (بينهم مسؤولون في وزارة الدفاع الإيرانية، وعلماء نوويون، ومنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، وأي شخص أو بنك أو دولة، يتاجر أو تتاجر، بالأسلحة التقليدية مع إيران) بمن فيهم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مطالبة بقية الدول بالتعاون مع الولايات المتحدة في تطبيق قرار العقوبات.

وزيرا الخارجية والخزانة بأمريكا
لماذا سعى ترامب لفرض عقوبات جديدة على طهران؟

 تمتلك الإدارة الحالية للولايات المتحدة أسبابًا متعددة تدفعها لفرض عقوبات جديدة على إيران، إذ تُظهر استطلاعات الرأي الأمريكية عدم رضا المواطنين عن أداء ترامب في ملف الاقتصاد الأمريكي، وفي آلية تعامله مع جائحة كورونا، التي قتلت ما يزيد على 200 ألف مواطن وأصابت الملايين، إضافة إلى الاحتجاجات الواسعة منذ مقتل المواطن الأمريكي من أصول إفريقية، جورج فلويد، على يد الشرطة في مايو/أيار الماضي، ما جعل أمور الدولة الأمريكية أكثر اضطرابًا، وهو الأمر الذي يمكن من خلاله فهم دوافع ترامب لتوجيه أنظار مواطنيه إلى نجاحه في قضايا السياسة الخارجية، منها توسطه في اتفاقيات التطبيع بين دول الخليج العربي وبين إسرائيل، وكذلك في تحجيم السلوك الإيراني الضار بالمنطقة، حتى يتمكن من زيادة فرص فوزه بالانتخابات المقبلة.

تجديد العقوبات الاقتصادية لم يكن المحاولة الأولى لـ”ترامب” في تقويض السلوك الإيراني هذا العام، فقد سبق أن قتل زعيم فيلق القدس، “قاسم سليماني”، في يناير/كانون الثاني الماضي. كل هذا في سبيل اكتسابه مزيدًا من الأصوات الانتخابية المعادية لإيران والداعمة لإسرائيل، وفي سبيل جذب الدعم الخليجي الذي قد يترجم إلى اتفاقيات تطبيع أخرى مع إسرائيل، واستقرار أكبر داخل منطقة الشرق الأوسط.

ترامب وروحاني

وتؤمن الولايات المتحدة بأن لها دورًا في تقويض الإرهاب الإيراني داخل منطقة الشرق الأوسط، بردعها عن دعم الميلشيات الشيعية المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، ووقف سعيها لمهاجمة حلفاء الولايات المتحدة مثل المملكة العربية السعودية والبحرين من حين لآخر، وأيضًا دعمها للفصائل الفلسطينية التي تحارب إسرائيل.

وستظل إيران، بفرض العقوبات أو تمديد قرارات الحظر، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، ولن تستطيع تلقي مزيد من أموال بيع نفطها أو أسلحتها التقليدية للدول، وبالتالي لن تكون قادرة –من وجهة نظر واشنطن- على دعم الإرهاب داخل المنطقة في ضوء أزمتها الاقتصادية الداخلية، التي تعطلها عن توفير الموارد اللازمة لدعم الميلشيات المسلحة، أو تطوير برنامج الصواريخ الباليستية الخاص بها، أو البرنامج النووي.

علاوة على ما سبق، يستخدم ترامب إستراتيجيته الخاصة بممارسة الضغوط حتى يدفع إيران إلى طاولة المفاوضات، وتتم حينها اتفاقية نووية جديدة، في مقابل تنازل إيران عن سلوكها المتسبب في “توتر واضطراب منطقة الشرق الأوسط”، إلا أن إيران أعلنت مؤخرًا رفضها التفاوض مع ترامب، في ضوء إصراراه على سياسة “إملاء الشروط”.

مواقف القوى الكبرى من العقوبات الجديدة

الأمم المتحدة على أعتاب رفع الحظر المفروض على مبيعات الأسلحة التقليدية مع إيران في منتصف أكتوبر/تشرين الأول المقبل، لذا لاقى القرار الأمريكي الجديد انتقادات متعددة من القوى الكبرى، خصوصًا أنه لم تمر إلا فترة وجيزة بعد المحاولة الأولى التي باءت بالفشل في أغسطس/آب الماضي، حين حاولت الإدارة الأمريكية دفع الأمم المتحدة لتمديد قرار الحظر على تجارة الأسلحة التقليدية مع إيران.

اتفاق لوزان النووي

وفي المحاولة الثانية حثَّ وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” كلاً من فرنسا وألمانيا وبريطانيا على تطبيق العقوبات هي الأخرى، ودعم القرار الأمريكي من أجل تقويض النظام الإيراني، إلا أن دول الأمم المتحدة كانت ذات رؤية مغايرة للرؤية الأمريكية بخصوص تمديد فترة العقوبات، فقد ندد أعضاء الأمم المتحدة بقرارات ترامب بمعاقبة إيران، موضحين أن القرار ليس قرار واشنطن لأنها دولة غير عضو في الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحبت منه واشنطن عام 2018، وبالتالي فهي لا تمتلك الحق في اتخاذ رد فعل مفاجئ بشأن مد فترة العقوبات أو رفعها، وأي سلوك تتخذه الولايات المتحدة لا بد من أن يكون سلوكًا فرديًّا لا يمكن إرغام الدول الأخرى على اتباعه، بحسب الموقف الأممي.

مد الحظر على إيران من شأنه أن يدفعها لارتكاب مزيد من الأفعال المضرة بمنطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن، بحسب دول الأمم المتحدة. ورغم رفضهم القرار الأمريكي، فإن العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران صيغت بلغة قد تردع بقية الدول عن انتهاك القرار وإلا عرضت نفسها هي الأخرى للعقوبات الأمريكية، وأدخلت نفسها تحت وطأة مشكلات جديدة هي في غنى عنها.

منشأة نفطية في إيران
هل ستنجح المساعي الأمريكية في الضغط على النظام الإيراني؟

عقب فشل الإدارة الأمريكية في الحصول على توافق الدول الأعضاء بالأمم المتحدة على تمديد قرار حظر السلاح في أغسطس/آب الماضي، قال وزير الدفاع الإيراني، العميد أمير حاتمي، إن العقوبات الأمريكية لم تؤثر في صناعة الأسلحة الإيرانية، التي سينشط سوقها عقب رفع الحظر، في حين أشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في قمة افتراضية، الثلاثاء الماضي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى أن قرار ترامب الخاص بإعادة فرض العقوبات على بيع الأسلحة التقليدية لإيران “يضع الولايات المتحدة في عزلة عالمية” من جراء اتخاذها موقفًا أحاديًّا لا تتوافق عليه بقية الدول. ورغم أن القرار يضع مزيدًا من القيود الاقتصادية على إيران بسبب أنه يصعب عمليات بيع النفط الإيراني، فإن إيران دولة مستقلة ولن تقبل أن تسير وفقًا لرغبات ترامب، بحسب روحاني الذي أكد أن إيران “لن تكون ورقة مساومة في الانتخابات الأمريكية وسياسة واشنطن الداخلية”.

وقد فسر روحاني أمام الحضور الافتراضيين أن إيران تتدخل في دول منطقة الشرق الأوسط لـ”مساعدة الأشخاص المحاصرين”، وبالتالي فهي لا تسعى لممارسة الإرهاب، على عكس الولايات المتحدة، بحسب قوله، التي وصفها بأنها “تبيع الأسلحة المتسببة في امتداد أمد الحروب داخل المنطقة”.

وزير الدفاع الإيراني

وشدد رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، علي أكبر صالحي، أن إيران تلتزم ببنود الاتفاق النووي وتسمح بالتفتيش الدولي على منشآتها النووية، ومن الممكن ملاحظة تراجع معدل اليورانيوم المخصب لديها. وما دام هناك تمسك دولي بالاتفاقية النووية، فإن إيران هي الأخرى ستظل متمسكة ببنود الاتفاقية.

وفي ظل معارضة القوى الكبرى، (بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، والصين، وروسيا) داخل الأمم المتحدة للقرار الأمريكي، ووصفها إياه بالقرار “غير القانوني”، وإعلانها عن تمسكها بالاتفاقية النووية مع إيران، إلى جانب تحليل تصريحات المسؤولين الإيرانيين، يمكن التنبؤ باحتمالية حدوث تخفيف للعقوبات الأمريكية المفروضة، وتخفيف حدة السلوك الإيراني العدائي داخل منطقة الشرق الأوسط لاستمالة بقية القوى الكبرى تجاهها. وفي حال تحقق ذلك، ستكتسب إيران فرصة أكبر لتحسين أوضاعها الداخلية إن رفعت الأمم المتحدة العقوبات عنها في منتصف أكتوبر/تشرين الأول، ما يعني فقدان ترامب ورقة رابحة قد تؤهله لاكتساب مزيد من الأصوات والدعم قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

مع هذا، لا يمكن التقليل من شأن القرار الأمريكي الذي قد يدفع دول أخرى لمواجهة عقوبات أمريكية، ما يردعها عن التعاون مع إيران. كذلك من الممكن تغير الموقف الأمريكي كليًّا حال كانت الإدارة الامريكية القادمة ديمقراطية، لأنه من المعروف أن المرشح الديمقراطي جو بايدن سيسعى لإعادة توقيع الاتفاقية النووية مع إيران، وهو ما سيغير أمورًا كثيرة في المشهد الكلي، البعض منها يرتبط بالعلاقات الخليجية الأمريكية التي قد يشوبها قدر من التوتر حال اتجهت الإدارة الجديدة للتوافق مع إيران، التي تُكِنّ العداء لدول الخليج.

المصادر:
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

ياسمين أيمن

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram