مسلسل (caliphate).. “داعش” ودوامة الموت في أوروبا

ماهر فرغلي

كاتب وباحث مصري

سيدات منتقبات، وفتيات صغار، وجنود دواعش يملئون الطرقات، ثم المئات يلتفون في حلقة كبيرة ليشهدوا قطع يد أحد العناصر الداعشية بتهمة السرقة، وبعدها انفجار يصم الآذان في إحدى الدول الأوروبية، و”فوتو مونتاج” لنشرات وبرامج إخبارية تلعن الإرهابيين، وفي المقابل أعضاء خلية سويدية مهاجرة إلى تنظيم الدولة بالرقة تتابع الأخبار بدقة وهي تهنئ بعضها بتلك العملية الإرهابية، في مشهد مثير ببداية مسلسل (caliphate الخلافة) الذي عرضه منتصف هذا الشهر موقع (netflex).

وهو واحد من الأعمال الدرامية التي تناولت تنظيم “داعش” من الداخل، وطرحت أسئلة وأيضًا أجوبة حول عمليات التجنيد التي تجري في صفوف الفتيات في أوروبا، وكيفية التمدد والاستقطاب، وتلك المشكلات التي يواجهها المجتمع المسلم في الخارج، وأيضًا عمليات الانتقال من أوروبا إلى سوريا؛ في إدانة درامية للأجهزة الأمنية -خصوصًا بتركيا- لأن تلك الأمور كانت تجري تحت سمعها وبصرها.

تجنيد بالعشق

يجلس أفراد الخلية الداعشية معًا وأمامهم الطعام الفاخر يتناوبون التهنئة بالعملية الإرهابية، ويحضر “أحمد” متأخرًا لأنه منشغل بأسيراته الإيزيديات، وعلى الفور ينظر لفتاة أوروبية في نشرة الأخبار، ويقول إن عيون الفتاة مثل عيون زوجة “كالي” زميله في التنظيم، التي كان معجبًا بها قبل هجرته لسوريا، فيهبّ الأخير ليضربه، ويفض أمير الخلية “عمر” الاشتباك، ويدعوهما للانتباه والعمل بجد خلال الفترة المقبلة.

“كالي” الذي ارتكب عملية قتل راح ضحيتها أطفال، دائمًا ما يصاب بكوابيس جراء ذلك، ويخشى رفع السلاح مرة أخرى، لذا فقد كلّفوه بأعمال تنظيمية منها مساعدة صاحب الاسم الحركي “المسافر”، وتقديم معلومات له ومساعدات تهيئ له السبيل للقيام بعملية مزدوجة ستطال محطة قطار وقاعة اجتماعات بالسويد.

في مشهدٍ آخر دخلت قوة أمنية تابعة لداعش لأخذ زوجة أحد مقاتلي التنظيم من السويد بالقوة، عقب أن قُتل، من أجل تزويجها بآخر بعد أن قضت عدتها. وفي بيت “صالح” وزوجته السويدية “نيفا” وهي تقاوم بشدة، والخوف والهلع يملآن المكان.

على الناحية الأخرى، كان “إيني” (المسافر) هناك في الجامعة يتعرف على فتيات مسلمات ومنهن “سولي”، و”كريمة” اللاعبة المشهورة، لقد كان يدرك ما يعتري الفتاتين من مشكلات نفسية؛ فالأولى كانت من أصل عراقي، والدها لا يهتم بها، ودائمًا ما ترى وتشاهد تلك الأفلام التي تتحدث عن غزة وما يحدث من الاحتلال الإسرائيلي بها.

وأما الثانية فلم تكن مقتنعة بالديمقراطيات الأوروبية، وترى أن السويد تمتلئ بالطائفية والإسلاموفوبيا، وأنها مهما بلغت فإنها لن تستطيع بأي حال من الأحوال أن تعمل كشرطية، أو ترتقي إلى أي منصب لأنها مسلمة، وهنا جاء الدور على “إيني” المكلّف بالتجنيد والقيام بعمليات إرهابية واسعة النطاق ليغذي تلك الأحقاد، ويرتبط بشكل كبير بالفتاتين المراهقتين.

إن الداعشي “أحمد” ينتهز فرصة قصف طائرة بدون طيار للرقة وإصابة “كالي” ليحمله إلى داخل البيت، ثم يقتحم المطبخ على “برفين” بعد أن سمعها تتواصل عبر الهاتف، ويتهمها بأنها تتواصل مع الشرطة السويدية، وهنا تدرك الفتاة أنها مقتولة فتستسلم صامتة، بينما هو يقرر أن يغتصبها لحظة إغماء زوجها عليه، لكنها تستل سكينًا من المطبخ وتضربه به فيغرق في دمائه، وحين تتواصل مع الشرطية المسلمة “فاطمة”، التي لا ترتقي في منصبها بسبب أنها مسلمة، تنصحها بالتخلص من الجثة، وبالفعل تنجح في إلقاء الجثة في بئر لجيرانها، بينما يفيق زوجها ويرى الدماء، لكنها تقنعه بأنها تهيؤات بسبب مرضه.

تبحث الشرطة الداعشية عن “أحمد”، وتفشل في العثور على جثته، بينما تتواصل “برفين” مع الشرطية “فاطمة”، التي تدعوها للعمل معها كجاسوسة على التنظيم، في مقابل أن تبحث لها عن وسيلة نجاة من الرقة.

حاولت “برفين” التفتيش في حاسوب زوجها لكنها فشلت، كما أنه اكتشف هاتفها الذي تخبئه في جدار بالمنزل، ومع ذلك نجحت في الإفلات من عقابه مستغلة أنه يشعر بأنه مريض نفسي لتؤكد له أنه هو صاحب الهاتف.

ببعض المعلومات التي قدمتها “برفين” للشرطية التي انتهزت حِرْص الأولى على الهروب من الرقة وصلت لمعلومات حول لواء العثمان، وحول الشيخ “عمر سوداني” الذي يقوم بعمليات تجنيد واسعة في السويد، وتشير الدراما إلى علاقات واسعة له مع الإيرانيين، رغم أنه غير ملفتٍ لانتباه الشرطة على اعتبار أنه داعية معتدل.

بينما استأجر (المسافر) قاعة كبيرة، وبدأ يستعين بجمعية التضامن مع مسيحيي الشرق الأوسط لعمل مؤتمر واسع، سيخطط فيما بعد لتفجيره والتخلص من قيادات اليمين المتطرف، وأيضًا القادة المسيحيين.

إن الفتيات “كريمة” و”سولي” و”مريام” وصلن إلى قناعة بلبس الحجاب، رغم أن إحداهن تدخن بشراهة، لكنها أحبت (المسافر)، وفي المقابل كانت تترقب ما يجري صامتةً وعلامات الذهول على وجهها دائمًا، وفي الوقت نفسه كان الإعجاب بأفكار صديقات أختها “كريمة” يسيطر عليها.

لقد جاء حادث شارلي إيبدو ليكشف أفكار “كريمة” حين ناقشت والدها وأصرّت على أن هذا العمل الإرهابي “قُربة إلى الله”، وقررت لبس الحجاب، لكن والدها قرر حبسها بالمنزل ما جعلها تفكر بالهرب، ونجحت بالفعل، حيث استقبلها (المسافر) في شقته، وبدأ في التخطيط لتسفيرها هي وصديقاتها للرقة.

أقالت الشرطة السويدية “فاطمة”، لكن الأخيرة قررت العمل على القضية وحدها ما استدعى مطاردتها، ورغم ذلك لم تكفّ عن التواصل مع “برفين” ودعوتها للعمل كجاسوسة معها مقابل مساعدتها في الهرب هي وابنتها الرضيعة من الرقة، في انتهازية واضحة، رغم أنها لا تمتلك إمكانات لذلك.

أعطت “برفين” للشرطية معلومات حول أماكن التدريب في السويد، وحول الشقيقين اللذين سيطلقان النيران على المسافرين في مطار إيرلاند، لكن مديرية الأمن السويدية لم تقم بواجبها تجاه الأمر واعتبرته بلاغًا كاذبًا.

الرقة بدأت تضيق على “برفين”، وبدأ زوجها يُدرك حقيقة قتلها للسويدي “أحمد” وأنه اغتصبها قبل مقتله، فقرر الاعتراف بذلك أمام الشيخ “عمر”، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، حين عاد ولم يجدها، إذ حاولت الفرار من المدينة، لكن الشرطة الداعشية أرجعتها في اللحظة الأخيرة.

قرر الشيخ “عمر” فجأة أن يكلف “كالي” بعملية انتحارية لكي يكتشف مدى ولائه للتنظيم، وخشي الأخير من الموت وصارح زوجته “برفين” بذلك فدفعته للتعاون مع السويد والإدلاء بكل المعلومات عن شخصية (المسافر) المجهولة.

بدأت رحلة هروب الفتيات، وفوجئت “كريمة” بأختها “ليشا” تركب السيارة معها، حاولت تدارك الأمر لكنها فشلت، ليذهب الجميع في رحلة إلى الرقة بدأت حين تركهم (المسافر) على أبواب المطار، ثم انتظرتهم سيدة في أنقرة، واصطحبتهن إلى غازي عنتاب، وأخذت منهن هواتفهن، ثم فوجئن بأنها تركتهن يذهبن للرقة وحدهن.

نجح الشرطي “نادر” في الوصول للفتيات على أبواب غازي عنتاب هو ووالد “كريمة”، لكن “ليشا” هربت إلى الناحية الأخرى ودخلت الرقة.

اعترفت الفتيات على (المسافر) وبدأت الشرطة تطارده، لكن إحدى عملياته نجحت في مقر مؤتمر التضامن مع مسيحيي الشرق، ووصلت الشرطة في اللحظة الأخيرة إلى الشقيقين قبل إطلاقهما النار بالمطار.

تكتشف الشرطية “فاطمة” أنهم أقالوها من عملها لأنها لا تستجيب لرؤسائها، وأنهم كانوا يعلمون بأمر تلك الخلية من البداية للنهاية، لكنهم تركوا تلك العناصر تقوم بالعملية الإرهابية.

في مشهد خاطف يكتشف الشيخ “عمر” الخيانة، ويقتحم منزل “كالي” ويطلق النيران على زوجته، لكنه يقتل عن طريق الشرطية السويدية “فاطمة” التي وصلت الرقة لإنقاذ “برفين” التي تموت بالطريق بينما ينجو زوجها.

في لحظة ضعف فكّرت “كريمة”: لماذا اختارها (المسافر) دون غيرها؟! وكيف لجندي دولة الخلافة أن يصادق فتاة أقل ما ظهر على صفحتها الشخصية هو صورتها دون غطاء رأس.

لم تشغل بالها كثيرًا، كانت لا تزال في ملهاتها القديمة ولا تستطيع الرؤية، حياتها الفوضوية وعلاقتها بأبيها وأمها المتهتكة جعلتها لا تقدر على حسن الاختيار أو فعل شيء سوى الاستسلام للتنظيم.

أصبحت “كريمة” أيضًا في حالة شرود، كانت تقف ساعتها عند مفترق الطريق، متوترة بين حلمها وما يختبئ في ذاكرتها، ويجعلها مأسورة لدماغها المشحون، لتنتهي الحلقات.

الوجه الآخر للحكاية

يبدو في حلقات المسلسل الثماني بوضوح التأكيد على حقيقة أن هناك أخطاء في الديمقراطيات الغربية، وكذا مشكلات أسرية واضحة، إضافة إلى الدعاية الداعشية الضخمة التي يقوم بها مجندون افتراضيون معروفون بأنهم دعاة سلام، وذلك هو ما تسبب في موجات الهجرة للتنظيم.

كان من الواضح تأكيد الحلقات على الفتيات وليس الشبان، وتلك المشكلات التي يعانين منها في المجتمعات المسلمة التي تعيش في (جيتو) داخل مجتمعاتها الأوروبية.

إن الدعاية الداعشية التي وصلت إلى “كريمة” وصديقاتها كان أبرزها تلك الصور لشبان داعش وهم يسترخون ويتنزهون على شاطئ نهر الفرات، حتى حلمت الفتيات بالزواج من أحدهم، وكان الحلم يتلون بتلك الخضرة والبيوت الزاهية المزدهرة ونعيم دولة الخلافة، والعدل الفضفاض الذي ستجده تلك الفتيات في هذا المجتمع.

إن الإسلام بدا في كل حلقات المسلسل على أنه دين مُضطهد مظلوم في الصورة التي ينقلها التنظيم عنه، حيث يعتبر القواعد منه أن القتل هو الذي يدخل الجنة، وأن الاستسلام لأبي بكر البغدادي هو الطريق الأوحد للحصول على رضا الله.

كان ذهن زوجة كالي السويدية “برفين” تتكوم فيها أسئلة لا تعرف لها أجوبة، لكنها سرعان ما أدركت حقيقة الأزمة التي أوقعت نفسها فيها هي وزوجها الذي يصرخ دائمًا حينما تقتحمه صورة الأطفال الذين قتلهم.

وحين حلّت “ليشا” في الرقة ورأتها لأول مرة، كان هناك فرق كبير بين صورتها في الدعاية والحقيقة، لكنها كانت لا تزال مخدوعة، وهنا قررت الإبلاغ عن “برفين” وزوجها بأنهما عميلان وجاسوسان، ما استدعى تدخل الشيخ “عمر” وإطلاق النيران عليهما، لكنه قُتل في النهاية.

طوال الوقت كانت عينا “برفين” الواسعتان تسقط دمعات، وأنفاسها كأنها تخرج من ثقب إبرة، فالخوف كان يملؤ جسدها وهي تعبر الطرقات الملتوية داخل المدينة التي يسير فيها المقاتلون في كل شبر.

الفتاة “ليشا” كانت تضحك وتبكي حين طلبوا منها أموالًا في أول يوم حلت فيه في مضافة السيدات المهاجرات، وإلا بقيت في غرف السوريات، وتم تزويجها من داعشي في أقرب وقت. وبالفعل قرروا تزويجها لشيخ عجوز داعشي، إلا أن “برفين” أنقذتها في النهاية.

كان يبدو في الحلقات كيف هو الدور الإيراني والتركي في دولة أوروبية مثل السويد، وكيف تتم عمليات الهجرة، والدخول في المطارات، حيث الموظفة تتقاضى أجرًا لتمرير قنبلة سيتم تفجير طائرة بها.

خلاصة الحلقات أن عمليات الاستقطاب متواصلة لأن أسبابها قائمة، وأن العلاقات الإشكالية بين الجيل الثالث من المهاجرين وأوروبا أدت إلى عمليات التجنيد، وظهر ذلك في صورة الشاب المصري من سيناء، والمسافر ذي الأب المصري والأم السويدية الذي مر بمشكلات اجتماعية كبيرة.

في ختام الحلقات كل شيء في حياة تلك الفتيات القديمة تلاشى، وأصبح كظلال سوداء، ولم يجدن حلًّا سوى أن يلعنّ ما كان يحتلهن، ولم يعدن يفهمن لماذا أغرقن أنفسهن في دوامة الموت!.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram