ثقافة وفن

مسلسل Mare of Easttown: رحلة امرأة إلى قلب متاهتها

ينتمى مسلسل Mare of Easttown وهو مسلسل قصير من سبع حلقات إلى ما يسمى دراما المدن الصغيرة، على غرار ما نجده في تحفة المخرج الأمريكي ديفيد لينش (Twin peaks) وأعمال أخرى ذات رواج جماهيري واسع مثل (the killing) و(Broadchurch).

في مثل هذه المسلسلات، هناك جريمة ما تمزق استقرار المجتمع الصغير الذي يعيش عزلته الخاصة، وحيث الجميع يعرفون الجميع، لكن ما نكتشفه دائماً أن ما يظهر على السطح ليس هو كل شيء. فتضئ لنا الجريمة الظلام الذي يتحرك تحت السطح الهادئ للأشياء وتكشف لنا أسرار المكان ومن يسكنه من البشر.

يتبع Mare of Easttown أيضاً تقاليد دراما الجريمة والغموض كنوع (genre)، لكن أهم ما يميز المسلسل الذي كتبه براد إنجيلسبي وأخرج حلقاته السبع كريج زوبل، أنه يتجاوزمثل هذه التصنيفات التي يستوفى شروطها.

كيت وينسلت في مسلسل Mare of Easttown
كيت وينسلت في مسلسل Mare of Easttown

في آخر حلقات Mare of Easttown تتلقى “مير شيهان” كيت وينسلت محققة الشرطة في مدينة (Easttown) اتصالاً هاتفياً يوقظها من نومها، من عجوز فَقَدَ زوجته حديثاً، وحين تأتي إليه لتحقق في الأمر يبدو أنه لا يتذكر حتى أنه هاتفها. يعد لها القهوة ويبدأ حواراً معها: “أنت أيضاً فقدت ابنك مؤخراً، هل تصبح الأمور أسهل مع الوقت؟ تجيبه: لا، ولكنك بعد فترة تستطيع العيش مع ما لا تتقبله، تجد طريقة للاستمرار في الحياة”.

بعد حوارها مع العجوز تُخرج دفترها وتسأله:

– لماذا اتصلت بي إذاً؟

يخبرها عن الفوضى التي تعم البيت منذ رحيل زوجته وأن الأشياء تختفى لتظهر من جديد، مثل مسدسه القديم.

– إذاً تريد أن تبلغ عن سرقة مسدسك؟ فيجيبها لا، لقد وجدته!

يقودنا هذا الحوار إلى انعطافة السرد الأكثر إثارة ومفاجأةً. كانت “مير” قبل ذلك قد وصلت لحل جريمة قتل فتاة من سكان المدينة تدعى “إيرين”، لكن شيئاً ما ظل يؤرقها في القضية له علاقة بسلاح الجريمة.

لماذا Mare of Easttown؟

كيت وينسلت في مسلسل Mare of Easttown
كيت وينسلت في مسلسل Mare of Easttown

هذا المشهد تحديداً يصلح كمدخل للحديث عما يميز مسلسل Mare of Easttown وسط طوفان من مسلسلات الجريمة والغموض التي تحتل الشاشات هذه الأيام.

أولاً: قوة السيناريو وذكاء السرد. في هذا المشهد لدينا صدفة تقود إلى الكشف الأهم في القضية (الصدف غالباً تُضعف الدراما) لكننا هنا أمام صدفة مُخطط لها جيداً ككل شئ في السيناريو، بحيث يدفع كل حدث جديد الدراما والشخصيات خطوةً للأمام.

اعتادت “مير” على تلك المكالمات، حيث يتم إبلاغها عن أشياء لاعلاقة لها بتخصصها الوظيفي (الجرائم الكبرى) لكنها ابنة مدينتهم ويثقون بها.

ثانياً: لدينا هنا عجوز وحيد يحاول تجاوز فقْد زوجته، لكن ثرثرته المعتادة تبدد شكوك “مير” بشأن قضيتها. هنا الغموض لا يبتلع الدراما. قصص الجريمة وتقاليد النوع تبدو مجرد ذريعة لاستدراج المشاهد إلى دراما الحياة اليومية دون أن يفقد اهتمامه.

كل شيء يدور حول العائلة

كيت وينسلت في مسلسل Mare of Easttown
كيت وينسلت في مسلسل Mare of Easttown

الخيطان السرديان اللذان يشغلان هذا العمل الممتع هما الخيط الإجرائي الذي يتقصى اللغز وراء جرائم اختفاء وقتل غامضة لفتيات من سكان المدينة، والخيط الثاني هو دراما العائلة.

الخيطان غير منفصلين تماماً، فالشكوك تُلقي بظلالها على الجميع كاشفةً المناطق الرمادية ومساحات عدم الأمان داخل الشخصيات. كل اكتشاف جديد يشعل التوتر القائم أساساً تحت السطح المألوف للعائلة الكبيرة -المجتمع المغلق للمدينة- وكذلك العائلات الصغيرة.

لكل عائلة صراعاتها الخاصة. في بيت المحققة “مير شيهان” تأتي والدتها لتقيم معها بعد تراجيديا وفاة ابنها مُنتحراً. من البداية لدينا هذا التوتر بينهما، إنه توتر قديم لكن الظروف التى تمر بها “مير” الآن تجعله أكثر حدة. هناك أيضاً توتر مماثل بين “مير” وابنتها. هناك مشاعر ذنب وغضب مكبوت تتكشف أسبابها لاحقاً تُحرِّك هذه العلاقات.

ترك الابن المنتحر أيضاً حفيداً لـ”مير” ومع بداية الأحداث تعود أم الطفل والتي عانت قبل من مشاكل مع إدمان المخدرات لتستعيد حضانة ابنها، بينما ترغب “مير” في الاحتفاظ به.

لدينا أيضاً علاقتها بطليقها التي تداعت بعد انتحار ابنهما، إنه يسكن الآن خلف بيتها ويوشك أن يبدأ حياة جديدة مع امرأة أخرى. هناك أيضاً بدايات علاقة عاطفية لا تخلو من التعقيدات مع أستاذ جامعي يدرس في الجامعة المحلية.

هذا مثال واحد فقط لشكل العلاقات داخل العائلة في هذا المسلسل وهو ما يجعل هذا الخط السردي لا يقل إثارة عن الخط الآخر الذي يتقصى حل لغز الجرائم. لكن الأكثر إثارة في المسلسل يأتى قرب النهاية واصلاً الخطين معاً حين نكتشف أن الدافع وراء مقتل الفتاة “إيرين” له علاقة بفكرة العائلة والخوف من تفككها.

الوحش الذي يسكن قلب المتاهة

صعود مير إلى العلية في المشهد الأخير
صعود مير إلى العلية في المشهد الأخير

في مثل هذه الأعمال التي تحوي قدراً من التعقيد والتداخل بين الحبكة الرئيسية والحبكات الفرعية مثل (Mare of Easttown) يتوه المعنى وهو ما يردنا إلى ما يسميه روبرت مكي في  كتابه الأيقوني (القصة) بـ”الفكرة الحاكمة”.

الفكرة الحاكمة كما يوضح مكي هي التيمة الأساسية، جذر الحكاية أو فكرتها المركزية. ينبغى أن تكون جملة واحدة وليس مجرد كلمة. كيف تعرف الفكرة الحاكمة لعمل ما؟ عن طريقة إجابة أحد هذين السؤالين: ما القيمة التي تجلبها النهاية إلى بطل القصة؟ وما القوة أو الوسائل التى بواسطتها جاءت هذه القيمة إلى العالم؟

على الفكرة الحاكمة أن تقيم جسراً بين البداية والختام. تبدأ الحكاية باستيقاظ “مير” من نومها على اتصال هاتفي وتنتهي بصعودها لعلية بيتها حيث توفي ابنها انتحاراً.  يبدأ قوس السرد وينتهى عند “مير”.

تخبرها مستشارتها النفسية في إحدى جلساتها أن كل ما تفعله وانغماسها الاستحواذي في العمل هو محاولة تجنب حزنها على فقد ابنها. إنها تتخفى في حزن الآخرين. هنا يصبح السرد بكل تشابكاته متمحوراً حول رحلة “مير” الداخلية لمواجهة أكثر ما تخافه.

أحد ملامح براعة السرد في الحقيقة هو قدرته على خلق تماس بين هذه القضايا التي تعمل عليها “مير” مع خوفها الخاص، فهي تتعامل في هذه القضايا مع نساء فَقَدن أطفالهن بطريقة أو أخرى.

كل ما يحدث على مستوى السرد والحوار ينكأ جرحها ويجبرها على المواجهة في النهاية. تقول لها مراهقة غاضبة من الضغط الذي تمارسه “مير” عليها في التحقيق: لا عجب أن ابنك انتحر؟

تشاهد “مير” فيديو للفتاة المقتولة، تعبر فيه الفتاة عن إحساسها بالتقصير تجاه طفلها وأنها أم سيئة فتستعيد ذكرى مؤلمة مع ابنها المنتحر. إحساس الفتاة بالذنب يوقظ في نفسها إحساسها هي الأخرى بالذنب.  يحتوى السرد على مشاهد كثيرة على هذه الشاكلة. تتوالى الفصول حتى ذروة الفصل الأخير والتي تجلب معها تغيّراً حقيقياً داخل البطلة، وكأن مسار السرد في الأساس كان من أجل أن يدفع بها نحو تلك العليّة التي تصعدها في النهاية.

عودة كيت وينسلت للشاشة الصغيرة

ملمح من أداء كيت وينسلت في مسلسل Mare of Easttown

ملمح من أداء كيت وينسلت في مسلسل Mare of Easttown
ملمح من أداء كيت وينسلت في مسلسل Mare of Easttown

أحياناً يكون أفضل ما يقدمه مخرج مع نص شديد التميّز كهذا أن يختفي. لا يمكن أن نتحدث هنا أسلوب خاص للمخرج لكن براعته ظاهرة في كل شيء: في قدرته على خلق جو عام للقصة، إحساسه بالمكان وتفاصيله وقيادة ممثليه الذين يقدمون جميعاً بلا استثناء أداءات عظيمة وعلى رأسهم كيت وينسلت.

جزء كبير من قوة الشخصية التي تؤديها كيت نابع من براعة الكتابة. هناك مشهد ما في بداية الحلقة الأولى تقفز فيه “مير” سياجاً قصيراً للغاية أثناء مطاردة مشتبه به، فتظل تعرج بقدمها بقية الحلقة الأولى. لسنا هنا أمام محققة شرطة استثنائية، إنها محققة جيدة نعم لكنها لا تمتلك أي قدرات خاصة كعادة مثل هذه الشخصيات.

تلتقط “كيت” خيط الشخصية وتمنحها جسد وروح امرأة حقيقية فقدت ابنها وتهرب من آثار هذه الحقيقية.

تظهر كيت بوزن زائد وبلا مكياج في أغلب المشاهد. لديها هنا ميل واضح للاقتصاد في التعبير. هناك مدى معين لا تسمح لانفعالها أن يتجاوزه. لا نشاهد دموعها أبداً، قد نشاهدها على حافة البكاء لكنها تنجح دائماً في ابتلاع دموعها. وهذا يناسب فهمها لطبيعة الشخصية التى تؤديها: شخصية تحاول أن تظهر من الخارج لا مبالاتها أو جَلَدِها لتُبقي ضعفها حبيس الداخل.

ما يفعله المخرج هنا يفسح مجالاً أوسع للمشاهدين للاندماج مع عالم بنيت تفاصيله ببراعة شديدة وشخصيات رسمت ملامحها بدقة وواقعية استثنائية. نجح كريج زوبل في خلق تناغم واضح بين المتن الثقيل عاطفياً ولمسات الكوميديا الخفيفة النابعة من دراما الموقف وطبيعة الشخصيات.

هذا أفضل عمل درامي نشاهده في 2021 حتى الآن ومن المتوقع أن يشارك بقوة في موسم الجوائز القادم كأفضل مسلسل قصير، وكأفضل أداء تمثيلي نسائي رئيسي لصالح كيت وينسلت التي تعود بهذا العمل للشاشة الصغيرة بعد غياب عقد من الزمن حيث عرض آخر أعمالها (Mildred Pierce) عام 2011 ومنحها جائزة “إيمي” كأفضل ممثلة رئيسية في مسلسل قصير.

أحمد عزت

كاتب سينمائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى