ثقافة وفن

مسلسل The Sopranos.. العابر بين ضفتين لا جسر بينهما

جاء العرض الأول لمسلسل The Sopranos في العاشر من يناير 1999، ليمثل نقطة تحول عظيمة في تاريخ شبكة HBO التي قفزت مشاهداتها لمعدلات غير مسبوقة

في أحد مشاهد فيلم You’ve Got Mail، أحد أيقونات السينما الرومانسية في التسعينيات، تسأل البطلة كاثلين صديقها السيبري جو، النصيحة بخصوص عملها التجاري، فيرد عليها قائلا: “Go to the mattresses.”.

وعندما تسأله عن معنى هذه المقولة يخبرها بأنها اقتباس من فيلم “الأب الروحي The Godfather” وتعني: “أن تشن الحرب”.

في نهاية المشهد يعود خليلها إلى المنزل.. تسأله إذا ما كان يعرف مرجعية هذا الاقتباس، فيجيبها بتلقائية: من “الأب الروحي”، لتتساءل كاثلين باستنكار: ما بال الرجال وانبهارهم بالأب الروحي؟

في نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، لم تكن شبكة HBO عملاق الإنتاج التليفزيوني العالمي كما نعرفه اليوم، إذ اقتصرت عروضها على الأفلام، ومباريات الملاكمة، ومسلسل تليفزيوني وحيد هو المسلسل الكوميدي The Larry Sanders Show. ثم جاء العرض الأول لمسلسل The Sopranos في العاشر من يناير 1999، ليمثل نقطة تحول عظيمة في تاريخ الشبكة التي قفزت مشاهداتها لمعدلات غير مسبوقة، ليس بالنسبة لشبكة HBO فقط ولكن على مستوى الشبكات المدفوعة ككل.

استمر The Sopranos في تحقيق الأرقام القياسية وجلب المزيد من المشتركين الجدد إلى الشبكة الصغيرة في حينها، فبلغت مشاهدات الحلقة الأولى من الموسم الرابع 13.4 مليون مشاهدة، والحلقة الأخيرة من المسلسل 11.9 مليون مشاهدة، وهي الأرقام التي سينفرد بيها المسلسل لعدة سنوات قبل أن يتجاوزها مسلسل آخر لنفس الشبكة هو Game of Thrones.

لم يكن The Sopranos مجرد عمل تجاري نجح محليا وقفز بشبكته المنتجة إلى العالمية، ولكنه مثّل ظاهرة ثقافية متكاملة تركت أثرا عظيما على المجتمع الأمريكي في إحدى أبرز فتراته التاريخية إثارةً للجدل.

بيد أن الأهم من ذلك أن المسلسل حقّق ما يشبه الطفرة على مستوى تطوير أحد الأنواع السينمائية الراسخة، وهو “أفلام العصابات“، وبلغت أهميته الفنية إلى حد أن كل الكتابات النقدية والأكاديمية الخاصة بهذا النوع الفيلمي لا تخلو من مناقشة معمقة لأثر هذا العمل القادم من وسيط آخر، هو التليفزيون، على النوع الفيلمي وفن السينما ككل.. كيف حدث ذلك؟

The Godfather

تاريخ لا بد منه

استقت أفلام المافيا في مرحلتها الكلاسيكية سرديتها بشكل أساسي من الأعمال الأدبية، وهي الأعمال التي تأثرت بالواقع من خلال الأخبار وتقارير الشرطة وسجلات المحاكمات، فضلا عن السير الذاتية لعدد من الشخصيات الحقيقية داخل المافيا مثل آل كابوني، وجون دلينجر، وأحيط كل ذلك بخيال المؤلف الخاص وبعض من المبالغة الفنية المقبولة، ومن هنا نشأت الصورة النمطية لرجل المافيا.

على مدى تطورها التاريخي، خلقت الصورة الخيالية لرجل المافيا في الأدب والسينما، نوعا من المثيولوجيا الخاصة التي مثّلت خليطا انتقائيا من محاكامات رجال المافيا وجلسات الاستماع بالكونجرس وما ارتبط بهما من ضجة إعلامية، ومن الجرائم الحقيقية، والتاريخ الثقافي الشعبي.

ويفترض مفهوم المثيولوجيا أن المحتوى أو الحقائق التي تبنيها الأسطورة غير حقيقية، أو على الأقل غير مثبتة تاريخيا، ولكن هذا لا ينفي كونها واقعية، أو تعكس واقعا حقيقيا.

سردية المافيا السينمائية (أو حتى تلك التليفزيونية) هي ميثولوجيا بُنيت في جوهرها على شخصيات وأحداث حقيقية استقاها الأدب ومن بعده السينما من التغطية الإعلامية لهذه الشخصيات وما قامت به من جرائم، وكذلك من سجلات المحاكمات وجلسات الاستماع العلنية.

وعلى الرغم من المبالغات التي قد تتضمنها السردية السينمائية، فإنها ليست منقطعة الصلة بالواقع، وهنا تحديدا يكمن الأساس في جماهيريتها الكبيرة وتأثيرها وتأثرها بالثقافة الشعبية الأمريكية على مدار القرن العشرين وبدايات الألفية.

تأسست مثيولوجيا المافيا على أربعة عناصر رئيسية هي: 1- الثقافة الصقلية بوصفها العمود الفقري لنشاط المافيا. 2- العائلة الممتدة، والتي لا تربطها صلة الدم بالضرورة، وإنما الولاء وصلة النسب. 3- بنية العائلة كمؤسسة ربحية بالأساس واعتماد النشاط الإجرامي كمصدر للدخل وإعالة الأسرة. 4- ميثاق الصمت أو Omertà، ليس فقط كحائط صد ضد الملاحقة القانونية، ولكن أيضا كمصدر للفخر والاعتزاز لدى رجل المافيا.

هذه العناصر الأربعة هي ما يميز أفلام المافيا كنوع فيلمي فرعي، كما أنها خلقت سردية متصلة تربط الأعمال المختلفة تحت هذا النوع، فالمرجعية هنا ليست مجرد مجموعة من السمات والمحددات الشكلية أو البنيوية، ولكنها جزء من الثقافة الشعبية التي تُمكّن المشاهد من استدعاء الأعمال المختلفة والقيام بعمليات الربط والمقارنة بين الجديد والقديم.

فرانسيس كوبولا مع مارلون براندو

في عام 1972 قدّم المخرج فرانسيس فورد كوبولا فيلم The Godfather الجزء الأول من الملحمة السينمائية الشهيرة، وهو الفيلم الذي أحدث تحولا عظيما في نوع أفلام العصابات، وبدأ منه التأريخ لحقبة فنية جديدة فيما يعرف بـ”أفلام العصابات ما بعد الكلاسيكية”.

رسخت ثلاثية “الأب الروحي” لميثولوجيا المافيا، إذ أسست عليها سرديتها كمصدر رئيسي لرسم الشخصيات، كما أنها أضفت بُعدا رومانسيا على هذه السردية.

التطور الذي أحدثه فيلم كوبوبلا سيمثل مرجعية لكل الأعمال اللاحقة، بل سيذهب أثره لأبعد من ذلك عندما يتخذها رجال المافيا الحقيقيون مرجعية لصورتهم الإعلامية، كما فعل جون جوتي (أحد أبرز رموز المافيا في التسعينيات) إبان محاكمته، إذ بالغ في الاهتمام بصورته الإعلامية، مقتبسا تلك الصورة التي ظهر عليها أبطال “الأب الروحي“.

مثّلت بداية السبعينيات نقطة تحول أخرى في سردية المافيا، ولكن هذه المرة على مستوى الواقع وليس الميثولوجيا، وذلك بعد تطبيق قانون المنظمات الفاسدة والمشهور باسم RICO والذي أقر أن الانتماء لتنظيم إجرامي هو جريمة في حد ذاتها، حتى لو لم يقترف المتهم بنفسه أي فعل مخالف للقانون، فضلاً عن تضخيم العقوبات الخاصة بجرائم المافيا من بضعة سنوات إلى السجن مدى الحياة.

سهّل القانون مهمة جهات التحقيق في ملاحقة رجال المافيا، وأتاح للمؤسسات القضائية توجيه الاتهام لرؤساء العائلات، كما كانت العقوبات المغلظة وسيلة ناجعة في إقناع الكثير من رجال المافيا بالتعاون مع جهات التحقيق والانقلاب على القيادات الكبرى.

إذن دخلت المافيا في نفق مظلم جفلت أمامه المثيولوجيا وأبت أن تتخطاه حتى نهاية التسعينيات عندما ظهر توني سوبرانو على الشاشة للمرة الأولى.

سوبرانو

المافيا وصحوة الموت

كان النجاح التجاري والنقدي الكبير الذي حققه “الأب الروحي” مؤذنا بانتعاشة هذا النوع الفيلمي، ولفترة طويلة لم تتوقف هوليوود عن إنتاج المزيد من أفلام المافيا رغم تواري رجال العصابات في الواقع على إثر تداعيات قانون RICO، وإن كان السياق التاريخي لهذه الأفلام توقف عند بداية الثمانينيات، اللحظة التي مثلت ذروة احتضار المنظمة الإجرامية الأشهر عالميا.

يبدأ الخط الزمني لملحمة “الأب الروحي” بوصول فيتو كورليوني إلى الولايات المتحدة عام 1901، وينتهي بمقتل ماري كورليوني عام 1980. ينتهي فيلم Goodfellas عام 1981، وفيلم Casino عام 1983، أما فيلم The Irishman، ينتهي خطه الزمني بوفاة فرانك شيران عام 2002، إلا أن أحداثه الرئيسية المرتبطة بعالم المافيا تتوقف عند بداية الثمانينيات.

في العام الأخير من التسعينيات بدأ عرض مسلسل The Sopranos والذي تدور أحداثه في سياق زمني معاصر يتناول الجيل الجديد من عائلات المافيا في مدينتي نيوجيرسي ونيويورك، من خلال الشخصية الرئيسية “توني سوبرانو”، أحد الرؤساء الخمسة لعائلات المافيا في ولاية نيويورك، ومن هنا يكتسب المسلسل أهميته الكبرى، إذ إنه هو العمل الوحيد الذي استكمل السردية التاريخية لعالم المافيا على الشاشة، بعدما توقفت السردية السينمائية مع بداية الثمانينيات.

من البداية يظهر تأثر الجيل الجديد بأسطورة المافيا وبصورة رجالها كما رسمتها السينما، بل إن العديد من النقاد اعتبروا أن الجزء الأول من المسلسل هو بمثابة بارودي (محاكاة هزلية) لفيلم The Godfather.

نرى ذلك بشكل هزلي في محاولة سيلفيو المتكررة لتقليد أداء “آل باتشينو” في شخصية مايكل كورليوني، حينما يردد جملته الشهيرة: Just when I thought I was out, they pull me back in”، أو في قيام بولي بتعديل بوق سيارته ليطابق الموسيقى التصويرية الشهيرة للفيلم.

ونراه كذلك بشكل درامي من خلال ولع كريستوفر بكتابة سيناريو لفيلم عصابات، وهو ما يقوم به في مرحلة متقدمة من المسلسل، وكذلك من خلال استحضار المجازات الحوارية المختلفة من السينما، ففي أحد الحوارات بين طاقم توني سوبرانو بشأن موت أحدهم برصاصة في العين، يتم الاستشهاد بمشهد قتل Moe Green في الجزء الأول من “الأب الروحي”، وكيف أن طريقة القتل كانت بمثابة رسالة ضمنية.

لا يكتفي المسلسل باستخدام المثيولوجيا كمرجعية لرسم شخصياته، وتصوير التراتبية داخل عائلات المافيا وما يرتبط بها من صراعات داخلية، أو حتى كمادة للكوميديا، وإنما يقوم بتفكيك هذه المثيولوجيا عن طريق إعادة إنتاجها في سياق معاصر ومراقبة التحولات التي طرأت عليها بعد أكثر من عقد على توقف السردية السينمائية، كما يقوم بخلخلة البعد الرومانسي الذي أضفاه “الأب الروحي” على هذه السردية، واستكشاف مساحات جديدة ما بين التناول الواقعي كما في أفلام سكورسيزي، والتناول النفسي كما في أفلام مثل The Funeral وAnalyze This، مع الإبقاء على تيمة العنف كعنصر رئيسي في رسم شخصية رجل المافيا.

إن مرجعية السردية السينمائية للمافيا في مسلسل “سوبرانو” ليست أحد نماذج المرجعية الذاتية ما بعد الحداثية وحسب، ولكن الأهم أنها تمثل إطارا حاكما لسلوكيات أبطال المسلسل في محاولة لإضفاء المعنى والمسوغ لأسلوب حياتهم.

تعتبر هذه الفرضية جزءاً من مناقشة أوسع تؤكد أن المجتمع الأمريكي الحديث يعرف نفسه وهويته من خلال خطاب الثقافة الشعبية السائد والذي تمثل ميثولوجيا المافيا جزءاً لا يستهان منه، خاصة فيما يتعلق بالفئات المهمشة أو المهاجرين من ذوي الإثنيات المختلفة وعلى رأسها الإثنية الإيطالية.

على مستوى آخر، يقوم المسلسل بتفكيك مثيولوجيا المافيا من خلال تناول تيمة النوستاليجا. إن فكرة الولاء للأصول الإيطالية ولقواعد المافيا الخاصة كانت بمثابة شكل من أشكال النوستاليجا التي صبغت السردية السينمائية إلى حد كبير. نرى ذلك في ملحمة “الأب الروحي” ونراه أيضاً في أفلام سكورسيزي الأكثر واقعية عبر شخصية العم جيوفاني في فيلم Mean Streets، أو شخصية بول سيسرو زعيم العائلة في فيلم Goodfellas.

تتمثل النوستالجيا في مسلسل The Sopranos في توق رجال المافيا المعاصرين إلى عصور ولت كانت فيها المافيا أكثر سطوة، وكان رجالها أكثر ولاءً لميثاق الصمت وللعائلة.

أما اليوم، في ظل انقلاب الكثيرين، ليس بإمكان توني سوبرانو أن يثق حتى بأقرب رجاله ومعاونيه.

مرة أخرى يحاول The Sopranos تفكيك مثيولوجيا المافيا عبر إعادة وضعها في سياقها المعاصر لمجتمع الجريمة المنظمة، وبما يمثل انعكاسا للمجتمع الأمريكي ككل.

إن تيمة الباردوي الهزلية لملحمة “الأب الروحي” في الجزء الأول من The Sopranos هي بمثابة بارودي للنوع الفيلمي كله، وتستمد دلالتها في السياق المعاصر من كونها تناول هزلي لعالم المافيا نفسه تعبيرا عن الحال التي وصلت إليه أعتى المنظمات الإجرامية واندهست حدوده تحت وطأة الرأسمالية والوحش الذي أصبح عليه المجتمع الأمريكي في العصر الحديث الذي لم يتوقف عند التهام المواطن العادي البسيط والضعيف، ولكنه قادر على التهام المافيا برجالها القساة، وهو الأمر الذي لم يقدر عليه النظام السياسي والقانوني.

وفي مقابل “الأب الروحي”، الذي يقدم تراجيديا بطلها الفتى المثالي الواعد مايكل كورليوني الذي يتحول إلى وحش قاتل على رأس إحدى عائلات المافيا، يقدم The Soprano كوميديا سوداء بطلها ذلك الرجل البدين الشَرِه والشبق الذي يعاني من أجل الحفاظ على سلامه النفسي داخل منزله وفي عمله.

أبطال The Soprano

محاولة الإجابة عن سؤال كاثلين

من أين استمد “الأب الروحي” هذه السطوة الثقافية؟.. وبمد الخط على استقامته، من أين اكتسب مسلسل The Sopranos كل هذه الجماهيرية والتأثير على الخطاب الثقافي الشعبي؟

تقوم الصورة الخيالية لبطل أفلام العصابات على فكرة المجتمع السري الذي يمارس أفراده طقوسا ذكورية بالأساس تنضوى على مجابهة الخطر الدائم، ومن ثم تكتسب جاذبيتها الخاصة لدى الجمهور، خاصة من الرجال.

المافيا الإيطالية هي الشكل النموذجي للمنظمة الإجرامية في الثقافة الأمريكية، على الرغم من وجود العديد من المنظمات الإجرامية الإثنية الأخرى مثل الأيرلندية، والإفريقية الأمريكية، واللاتينية، والصينية، واليابانية، والروسية، وحتى اليهودية، وغيرها.

وعليه، فإن المافيا الإيطالية هي رافد رئيسي من روافد الثقافة الشعبية الأمريكية بالقدر الذي يميزها عن غيرها من منظمات “الواسب” (العرق الأبيض الأنجلو ساكسون البروتستانت)، وبما يجعل من صورة رجل المافيا أحد أبرز الخيالات الفانتازية للرجل الأمريكي بصرف النظر عن عرقه أو إثنيته، بل إنها تتجاوز حدودها المحلية إلى أخرى عالمية.

يستعرض مسلسل The Sopranos الجوانب المختلفة لعالم الجريمة السفلي، بما في ذلك الاحتيال، والسرقة، والقتل، والفساد السياسي، وكل أنواع الأنشطة التي يضطلع بها رجال المافيا، ولكنه في الوقت نفسه يترك مساحة مساوية لمناقشة مختلف القضايا الاجتماعية، فيصور كيف يتعامل هؤلاء الرجال الأشداء مع مشاكلهم الأسرية ومحيطهم الاجتماعي بعيدا عن العالم السفلي، بما يتضمن من قضايا المجتمعات الفقيرة وأحياء المهاجرين، والمعاناة مع الأبناء المتمردين والقلق الدائم بشأن مستقبلهم الدراسي والمهني، وعبء كبار السن، وغيرها من مشاكل المجتمع الأمريكي المعاصر.

“توني سوبرانو”، الذي يقطن أحد الأحياء الثرية وليس ضواحي المدينة ويعيش حياة مرفهة حيث المنزل الكبير، وشاشة العرض الضخمة، والأثاث الفخم، هو تمثّل للحلم الأمريكي، ولكنه في الوقت نفسه تجسيد لأحد أكبر مخاوف المجتمع الأمريكي.

في بداية الموسم الأول يبني المسلسل علاقة حميمية نوعا ما إزاء بطله، تدفع المشاهد إلى التماهي والتعاطف معه في كثير من الأحيان.

في الحلقة الخامسة، نشاهد “توني”، الذي يصطحب ابنته في جولة لاستعراض البدائل الجامعية المتاحة.. هذه الصورة للأب الحاني الذي يقوم بواجبه العائلي يتم الانقلاب عليها عندما يقوم “توني” بأحد أكثر الأعمال عنفا ودموية، حين يصادف أحد رجال المافيا القدامى، والذي تحول إلى مخبر للشرطة واندرج في برنامج حماية الشهود، فيتتبعه “توني” ويقتله بدم بارد.

طالما حملت صورة رجل المافيا تلك الازدواجية التي لا تخلو من تناقض. من ناحية تمثل هذه الصورة أحد الخيالات التي يطمح إليها المشاهد الذي يرغب في هذا القدر من الحرية ليفعل ما يحلو له بلا خشية من العواقب القانونية، ومن ناحية أخرى، يشعر بالازدراء تجاه هذا البطل لما يقترفه من جرائم.

أفلام المافيا تمنح المشاهد هذه القدرة على خوض تجربة مثيرة وشيقة لساعات قليلة يعود بعدها إلى عالمه الواقعي حيث يشعر بالأمان، كما أن السياق التاريخي لهذه الأفلام والبعيد عن حاضر المشاهد، يمنحه قدرا إضافيا من الأمان.

 The Sopranos يهدم هذا الجدار حينما يستدعي السياق الزمني المعاصر، ويضع المشاهد أمام أحد أكثر الأسئلة المرعبة: إذا كان بإمكانه التماهي مع شخصية “توني سوبرانو”، فهل يعني ذلك أن بداخله أيضا ذلك الوحش العنيف؟

النظرة التجريدية لثنائية رب الأسرة وزعيم المافيا تجعل “توني سوبرانو” أقرب إلى الرجل الأمريكي العادي/المشاهد الذي يعاني من أزمة وجودية بسبب عدم قدرته على استيعاب العالم المتغير من حوله، وحنينه إلى عالم أقدم وأبسط.

في أول حلقات المسلسل يصاب “توني” بنوبة هلع يفقد على إثرها وعيه، وبعد الفحص الطبي الدقيق يتبين غياب أي سبب عضوي، لهذا ينصحه الطبيب باستشارة متخصص في الأمراض النفسية.. يرفض “توني” الفكرة في البداية ولكنه يرضخ عندما تعاوده النوبة مرة أخرى.

يرى “توني” أن تواصله مع الجانب الإنساني بداخله هو تعبير عن الضعف لا ينبغي لمن هم في مثل موقعه.

يتمرد على العلاج النفسي أكثر من مرة ولكنه يعود ويرضخ تحت وطأة أزمته الوجودية.. يتناول الطعام بشراهة دب قطبي يتحضر للشتاء، ويمارس الجنس بشبق مراهق لم يبلغ العشرين، يراكم الثروات الطائلة، ويصارع من أجل المزيد من السلطة، ولكنه لا يزال يعاني من فقدان المعنى.

الحياة العائلية لتوني سوبرانو

تركيز المسلسل على الجانب النفسي لشخصية “توني” وانعكاسها في أزماته المنزلية، وعلاقاته بزوجته وأبنائه، وأمه، ورجاله، وكذا فقدانه اليقين بشأن مكانه من العالم الجديد، كل ذلك يقربه أكثر من المشاهد العادي الذي يعكس أزماته الخاصة على مرآة الشخصية الدرامية، ومن ثم يزيد من قدرته على التماهي معها رغم انتمائها الإجرامي.

هذا التكنيك هو الأساس الذي تقوم عليه صناعة شخصية البطل في أفلام الجريمة والعصابات، غير أن اختلاف الوسيط هنا ما بين السينما والتليفزيون، حيث يستمر المسلسل لستة مواسم على مدار سبعة أعوام، يضفي المزيد من الحميمية على العلاقة التي تجمع المشاهد بأبطال العمل، إذ تمتد علاقته بهم، زمنيا، أكثر من أي عمل سينمائي، حتى لو كان ذلك العمل هو ملحمة “الأب الروحي” بأجزائه الثلاثة.

أنيس أفندي

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى