سياسةمختارات

لعبة آبي أحمد.. لماذا يدعم مسلمو إثيوبيا سد النهضة؟

على مدار السنوات الماضية، حشدت إثيوبيا كل أدواتها الإعلامية والسياسية والثقافية في سبيل دعم قضية سد النهضة على حساب مصالح بقية دول حوض النيل الأخرى، وكان من بين الأدوات مسلمو إثيوبيا.

وحشدت الدولة عددًا من وجوه النخبة المسلمة في الداخل الإثيوبي، والتي تلقت تعليمًا إسلاميًا وعربيًا في عدد من دول الخليج العربي، ومصر والسودان.

نشطت العناصر المسلمة على مستويات متباينة، متلفّحة بالرواية الرسمية التي تسعى لسلب مصر والسودان حقوقهما التاريخية في النيل، وذلك بتقديم الكثير من التبريرات التي تؤكد أحقية الجانب الإثيوبي في تكملة “سد النهضة” دون اعتبار لمواقف مصر والسودان المتضررتين من التشدد الإثيوبي، دون استشعار أن السد سيلحق الضرر بعشرات الملايين من المسلمين.

مسلمو إثيوبيا بين الواقع والحلم

ورغم الواقع المزري لمسلمي إثيوبيا تاريخيًا، والذي حمل طابع المظلومية من تهجير وحملات اعتقال وترويع وعدم حصولهم على مواطنة كاملة جراء سياسات الحكومات المتعاقبة، إلا أن ذلك لم يمنع الوجوه المسلمة من تقدم الصفوف للدفاع عن سد النهضة، الذي سيترتب على اكتماله بهذا الشكل أزمة مائية كبيرة لدولتي المصب.

اقرأ أيضا: إثيوبيا “الرافضة”.. هل تمثل “فرنسا الإفريقية” حلا ممكنا لأزمة سد النهضة؟

فما الأسباب التي دفعت مسلمي إثيوبيا لمؤازرة السلطة القائمة رغم معاناتها طوال العقود الماضية من تهميش وتغييب لدورها السياسي والمجتمعي؟

الرئيس المصري ورئيس الوزراء إثيوبيا قبل فشل مفاوضات سد النهضة

مسلمو إثيوبيا واتجاهاتهم

يشكل المسلمون ما يقارب 35٪ من سكان إثيوبيا، 110 ملايين (بأغلبية مسيحية أرثوذكسية)، ويغلب عليهم المذهب السني (أحناف ومالكية) ويوجد بينهم قليل من الزيدية والإسماعيلية، وتهيمن فيهم الصوفية الطرقية من حيث الممارسات التعبدية.

يتوزع مسلمو إثيوبيا في معظم الأقاليم الجغرافية، فيما يتمركزون في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية والغربية الشمالية، وينحدرون في مجملهم من عدد من الإثنيات المختلفة أبرزها “الأورومو، الأمهرا، والتجراي”.

ورغم الكثافة السكانية والتمركز الجغرافي، فإن الأقلية المسلمة عايشت واقعا صعبا للغاية، جراء سياسات عنصرية انتهجتها الأنظمة السابقة، خاصة في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي بين (1928-1974)، ثم القائد العسكري الشيوعي “منغستو هيلا مريام”، بين (1987- 1991)، والتي كانت من أصعب الفترات على مسلمي إثيوبيا.

فقد عانى مسلمو إثوبيا من التضييق ومنعهم من ممارسة شعائرهم وإظهار هويتهم الدينية، وتم تهجيرهم واعتقالهم، إلى أن تنفسوا الصعداء مع بدايات العقد التاسع من القرن الماضي، عقب وصول الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية إلى الحكم، 1991.

تجدر الإشارة إلى غياب الدور العربي والإسلامي الفاعل في أوساط مسلمي إثيوبيا، باستثناء بعض الدعم من السعودية لإنشاء مساجد ومراكز تحفيظ قرآن في نهايات القرن الفائت، إلا أن العقدين الأخيرين شهدا غيابًا ملحوظا لهذا الدور الذي انتقل مباشرة إلى الاستثمارات الاقتصادية مع الدولة بهدف التعاون الاقتصادي، دون التركيز على الأقلية المسلمة.

غياب عربي ووجود تركي

وفي موازاة ذلك، ولسد الفراغ الناجم عن غياب الدور العربي والإسلامي، سارعت تركيا نحو ملئه عبر “الوكالة التركية للتعاون والتنسيق” (تيكا)، التي قامت بترميم مسجد “النجاشي” التاريخي في إقليم تجراي، الذي يقع في قرية على بعد 770 كم من العاصمة الإثيوبية، بالإضافة إلى أعمال تطوعية وخيرية أخرى.

يمثل المسلمون في إثيوبيا 35% من عدد السكان

مسلمو “آبي أحمد”

في سياق تقديمها لملف سد النهضة إلى العالم الخارجي، سارت الدولة الإثيوبية في 3 مسارات على النحو التالي:

الأول: مخاطبة الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، لإقناعهم بجدوى السد وانعكاساته الاقتصادية على الداخل، وسعت لجذب استثمارات غربية على هامش بناء السد، ونشط دبلوماسيوها في إقناع تلك الدول بالرؤية الإثيوبية حيال السد.

الثاني: مسار التفاوض مع الجانبين المصري والسوداني.

الثالث: تجييش نخبة إعلامين وأكاديميين إثيوبيين ناطقين بالعربية ممن لهم خبرة بالأوضاع السياسية والمجتمعية في مصر والسودان، وتعبئتهم للدفاع عن الرؤية الإثيوبية للسد، والذين يظهرون في الفضائيات والمنصات الإعلامية المختلفة، فضلًا عن السوشيال ميديا، لترسيخ رؤى إثيوبيا.

وكان رئيس الحكومة الإثيوبية الحالي، آبي أحمد، يعي طبيعة المرحلة وأهمية المكون الإثيوبي المسلم في معركة السد، خاصة في مواجهة كل من مصر والسودان، ونجح في أن يجذب قطاعات هامة من النخب المسلمة في الداخل الإثيوبي بهدف توظيفهم في ملف السد.

إغراءات آبي أحمد لمسلمي إثيوبيا

وعمل آبي أحمد على تحقيق ذلك وخلق واقع مغاير عن سابقيه، إذ سمح في 2018 بإنشاء “المجلس الأعلى” وهو أكبر هيئة إسلامية في البلاد، وذلك بعد 60 عامًا من المطالبة بمنحه وضعًا قانونيًا، ليصبح بذلك مؤسسة دينية إسلامية ذات سيادة كاملة.

وأفسح المجال للمسلمين كي يعملوا داخل المؤسسات الحكومية بعد أن كانت الوظائف حكرًا على الأغلبية المسيحية الأرثوذكسية، الأمر الذي كان يدفع العديد من المسلمين لتغيير ديانتهم من أجل الحصول على وظيفة.

وأوصى رئيس الوزراء حكومته برفع قيودها عن بناء المساجد، وعن مؤسسات الدعوة الإسلامية المختلفة، الأمر الذي استُقبل بحفاوة بالغة في الأوساط المسلمة، كما تعهد ببناء مسجد كبير في العاصمة “أديس أبابا” وإنشاء “بنك إسلامي في إثيوبيا”.

اقرأ أيضا: “المماطلة” إثيوبية.. من يوقف تلاعب أديس أبابا في أزمة سد النهضة؟

وفي موازاة ذلك، عمل آبي أحمد على التودد لرموز ودعاة المسلمين ومشاركتهم مناسباتهم وأعيادهم الدينية، ودائمًا ما تحمل مثل هذه المناسبات تصريحات هامة له ومن أبرزها: “وحدة المسلمين هي وحدة الوطن كله”، “وجود مجتمع مسلم قوي سيكون الأساس لوحدة إثيوبيا”.

يواجه المسلمون في إثيوبيا أوضاعا صعبة

الدفاع عن السد

على رأس النخب المسلمة الداعمة لحكومة آبي أحمد، تحديدًا في ملف السد، يأتي الشيخ قاسم محمد تاج الدين، أمين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبية، وممثل رئيس المجلس، ففي تصريحات إعلامية له طالب الحكومة بـ”استكمال السد” والدفاع عن مصالح إثيوبيا.

كذلك يحظى المفتي الحاج عمر إدريس بتقدير كبير من ممثلي السلطة في إثيوبيا، وذلك لسعيه لإضفاء شرعية دينية على مشروع السد، بالإضافة لدعمه خطوات آبي أحمد في مواجهة مصر والسودان، فيخاطب الدولتين المتضررتين من السد بقوله إن بلاده لا تحرم السودان ومصر من المياه، وإن إثيوبيا لم تستغل مياه النيل، بل تحاول استخدام مياه “آبي” (الاسم الإثيوبي للنيل الأزرق) بشكل معقول ومنصف.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد العروسي أيضًا قدم دفاعًا على شاشة قناة “الجزيرة” في برنامج “الاتجاه المعاكس”، عن تطبيع الدولة الإثيوبية مع إسرائيل، في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والاستخباراتية المتنوعة، نافيًا في الوقت ذاته الاتهامات الموجهة إلى إثيوبيا بأن مشروع السد يأتي كثمرة هذه العلاقات التي تربطها بإسرائيل.

ورفض الرجل اتهام إثيوبيا بتقليص الكميات التي تحصل عليها دول المصب مصر والسودان من نهر النيل، من خلال التحكم فيه من منابعه، وهي المهمة التي تقوم على عاتق سد النهضة الإثيوبي.

وعقب حلقة العروسي، سارعت السيدة أدانتش أبيبي نائبة عمدة مدينة أديس أبابا برفقة عدد من مساعديها في زيارة الإعلامي، وذلك لتهنئته على جهوده في تمثيل إثيوبيا على الصعيد الدولي، وهو ما يأتي في إطار التوظيف الممنهج الذي تقوم به حكومة آبي أحمد للنخب الإثيوبية المسلمة.

اختراق دبلوماسي

ولم يقف آبي أحمد عند هذا الحد، بل دفع بوجوه إثيوبية مسلمة في الفضاء الدبلوماسي، خاصة في الخليج العربي وعدد من دول الشرق الأوسط، رغبة في إزالة عقبات اللغة وعدم الفهم المشترك بين الإثيوبيين ونظرائهم العرب، ومن بينهم: حسن تاجو ليجاس في دولة الكويت، حسن عبدالله علي بسلطنة عمان، يوسف عبدالله سكر لدى المملكة العربية السعودية، جمال بكر عبد الله لدى البحرين، في حين سفيرها بالقاهرة هو ماركوس تيكلي ريكي.

رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا حاج عمر إدريس

للدولة لا للدين والأمة

لا يمكن اعتبار موقف الشخصيات المسلمة الداعمة للحكومة في إثيوبيا بأنه يمثل رأي الغالبية من المسلمين، وهو ما يسعى آبي أحمد إلى تصديره للعالم الخارجي.

كذلك لا يمكن النظر للموقف على أنه ينتصر لفكرة الانتماء للوطن على حساب الهوية الدينية، لأن نخبتهم ما قدموا على ذلك من منطلقات ودوافع فكرية، وإنما انطلاقًا من البحث عن دور قرب السلطة التي أبعدوا عنها لعقود متتالية نتيجة سياسات التهميش والتضييق التي مورست على غالبية مسلمي إثيوبيا.

يؤكد ذلك الكاتب والباحث السودانى إبراهيم ناصر بقوله إن قضية الإسلام في إثيوبيا ليست لها مكانة في الوعي الجمعي للشخصية الإثيوبية، مشددًا على أن منطلقات الشعب الإثيوبي ليست دينية، وإنما إثنية، فضلًا عن كون مسلمي إثيوبيا من أضعف القوى الإسلامية في المنطقة، وقد نجح النظام الإثيوبي بشكل كبير في ترسيخ الهوية الإثنية لتحل بديلًا للهوية الإسلامية.

في موازاة ذلك، يذكر الكاتب الإريتري عبدالقادر محمد علي أن النظام قدم مشروع السد للإثيوبيين عامة، والمسلمين خاصة، بأنه سيمثل نقلة نوعية في البلاد وأنه سيؤثر إيجابًا في حياتهم، حتى أصبح السد ذا مكانة رمزية تجعله غير قابل للنقاش أو التفاوض، مضيفًا: “رمزية السد أضحت حالة وطنية، أو بمعنى أدق نظرت النخبة المسلمة إليه باعتباره الوسيلة الفضلى لتحسين أوضاعهم”.

في المحصلة، قد ينعكس استمرار النخب الإثيوبية المسلمة في دعم مشروع سد النهضة سلبًا على مستقبلها من خلال فرض مزيد من العزلة عليها من قبل مسلمي الخارج العربي والإسلامي، جراء موقفها الذي يبارك أضرار كل من الجانبين المصري والسوداني.

من جهة أخرى، تنذر الاضطرابات القائمة داخل إثيوبيا على قاعدة الإثنيات والعرقيات بتفكك هذا التحالف القائم بين آبي أحمد والنخب المسلمة، التي تمني نفسها بواقع ومستقبل أفضل، لن يتأتى إلا بوجود دولة القانون والدستور الذي تتلاشى فيه العصبيات القومية والسجال الإثني وتبقى فيه سلطة الدولة فوق الجميع.

مصطفى زهران

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى