دراسات وتحليلاتمختارات

“مسيرة العلم المقدس” من ترومان إلى ترامب: أمْرِك ما استطعت أمْرَكَتُه من الأمم!

 

هذه التنمية، المفهوم الغامض والملتبس، ستتحدد أطره وفقًا للنموذج الأمريكي المنفذ على الأرض. لن تكون التنمية فقط ذريعة لاستعمار جديد عسكري في بعض الأحيان (الحرب الكورية في عهد ترومان نفسه)، واستخباراتي في أحيان أخرى، عبر مكاتب النقطة الرابعة حول العالم أو بالتدخل الخفي لدعم أو إسقاط سياسيين كما حدث في إيطاليا سنة 1948 من دعم سري-استخباراتي لسياسيي الحزب المسيحي الديمقراطي وإضعاف جبهة الحزب الشيوعي، وكما حدث في إيران بعملية أجاكس التي أطاحت فيها المخابرات الأمريكية والبريطانية برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق بعد قراره تأميم صناعة النفط في البلاد؛ بل كانت هذه التنمية أيضًا الطريق نحو أمركة ما يمكن أمركته من أمم العالم ثقافيًّا واجتماعيًّا من خلال طرحٍ يمحو خصوصيات الشعوب والاختلافات بينها، ويرسم نموذجًا واحدًا ونسقًا خطيًّا للتطور يتجه نحو الشمال حيث الأمم المتقدمة، في حين يمثل الجنوب الأمم المتخلفة أو ما ستعرف بـ”دول العالم الثالث”.

“STOP THE COUNT”، كما قال ترامب، لكن العد لم ينتهِ حتى بعد تخطي مرشح الحزب الديمقراطي، جو بايدن، حاجز الـ270 صوتًا في المجمع الانتخابي. ويبدو أن المعركة المحتدمة ستبقى لبعض الوقت على الأقل حتى تُحسم محاولات ترامب لنقض النتيجة.

وأثار فوز السياسي الأمريكي العتيد غير العنيد، جو بايدن، ردود فعل متباينة في العالم وخاصة في الشرق الأوسط الذي تابع سير العملية الانتخابية باهتمام بالغ، ودارت على خلفيتها نقاشات حادة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بين فريقين ثالثهما نادر؛ فمن جهة اعتبر فريقٌ أن فوز بايدن سيكون بمثابة “خلاص سياسي”، ومن جهة أخرى يعتقد الفريق الثاني أن فوزه “خرابٌ سياسي”، في حين أن فريقًا ثالث يطرح رؤية قد تتجاوز تبسيط توزيعة الخير والشر المتباينة بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة.

هنا نتتبع خيوط رؤية “الثالث المرفوع” التي تنطلق من قراءة تاريخية لصورة ما يسمى بالحلم الأمريكي والذي يعرف في سردية أخرى بـ”بمسيرة العلم المقدس”، وهل دونالد ترامب بدعة بين الرؤساء الأمريكيين أم أنّ الجميع يشتغلونها؟

بابا أمريكا

تبدأ القصة سنة 1898، حين وقف السياسي الأمريكي “ألبرت جرمايا بفريدج” في 16 سبتمبر/ أيلول 1898، أمام تجمع للحزب الجمهوري بولاية إنديانا الأمريكية، يلقي بخطابه الذي مثل لاحقًا إحدى ركائز أدبيات السياسة الأمريكية، فبعد عام واحد من الخطاب توجت القصة بأول احتلال أمريكي لدولة في العالم خارج حدودها الإقليمية، في ما يبدو تنفيذًا لوصايا المسيرة المقدسة في خطاب السياسي الأمريكي “ألبرت جرمايا بفريدج” المصدّر بـ”مسيرة العلم“.

كان قد مضى أكثر من 30 عامًا على الحرب الأهلية الأمريكية التي اندلعت على خلفية حملة الرئيس الأمريكي إبراهيم لينكولن، ضد العبودية، والتي تكللت أخيرًا بإعلان تحرير العبيد، كما تكللت الحرب بانتصار الحكومة الاتحادية بقيادة لينكولن الذي كان أول رئيس للحزب الجمهوري. ولم يكن الحزب الجمهوري آنذاك الأكثر جنوحًا نحو اليمين السياسي، بل على العكس كان أكثر تقدمية وأقل محافظة من الحزب الديمقراطي.

أما بفريدج فكان متأثرًا بلينكولن حتى وصفه بـ”وزير الإله”، كما ألف أشهر كتاب يتناول سيرته. وكان أيضًا من أبرز منظري الحقبة التقدمية في الولايات المتحدة التي قادها الجمهوريون بداية من العقد الأخير في القرن 19، نفس العقد الذي شهد أول حروب الولايات المتحدة خارج أراضيها في مفارقة تكشف منظور أدبيات السياسة الأمريكية لـ”التقدمية” التي لعبت دورًا تحديثيًّا في الداخل الأمريكي، ولم تكن كذلك بالضرورة في تحركاتها الخارجية.

مهّد خطاب بفريدج لعهد جديد في نظرة الولايات المتحدة المؤسسية لنفسها وموقعها في العالم، بالتزامن مع تداعي نفوذ الإمبراطوريات التقليدية حول العالم، منها مثلاً الإمبراطورية الإسبانية.

السياسي والمنظر الأمريكي ألبرت جرمايا بفريدج (مكتبة الكونجرس الأمريكي)

تحركت كوبا ضد الاستعمار الإسباني عام 1895. كانت الولايات المتحدة حينها أكثر حذرًا بشأن التدخلات الخارجية، فاكتفت بتوسع محدود في أمريكا الوسطى في إطار مساعيها لتدعيم اقتصادها التجاري. وكانت عينها آنذاك على حفر قناة تربط المحيطين الأطلسي والهادئ. وفي حين كان دعم الانتفاضة الكوبية فرصة سانحة أمام الولايات المتحدة لترسيخ قدمها في منطقة الكاريبي وخليج مكسيك، يبدو أن بعض السياسيين كانوا متخوفين من الدخول في حرب لا يُعرف مصيرها، مع الإمبراطورية الإسبانية.

حينئذ خرج السياسي والمنظر الأمريكي ألبرت جرمايا بفريدج ليلقي بخطابه الأشهر “مسيرة العلم”، المؤسس للدور الإمبراطوري للولايات المتحدة. استدعى بفريدج مفردات الخطاب الاستعماري، وصاغها في خطبة موضوعها الأساسي هو “السيادة التجارية للعالم”.

وبينما صاغ بفريدج مفهوم السيادة التجارية للعالم بوضوح، أحاطه بالسردية التي ستمثل جوهر النهج الأمريكي في السياسة الخارجية على مدار عقود طويلة لاحقة، أو ما أسماه بـ”المسألة الأمريكية، بل المسألة العالمية”.

قال بفريدج: “هل تُوسع المؤسسات الحرة حكمها المبارك بقوة تؤسس لإمبراطورية (مبادئنا في قلوب البشرية جمعاء)؟” معتبرًا أنها مهمة إلهية كُلف بها الشعب الأمريكي “المختار من الله” على حد تعبيره.

ثم يُفصّل بفريدج في خطابه الأهداف الإستراتيجية: “سنحتل أسواقًا جديدة لمحاصيل مزارعينا، وأسواقًا لمنتجات مصانعنا، وأسواقًا لبضاعة تُجّارنا. سنستفيد من مصادر إمداد جديدة لما لا نجمعه أو نصنعه، حتى تكون كماليات اليوم من ضرورات الغد”.

أسس خطاب بفريدج أيضًا لـ”الحلم الأمريكي” الذي أسماه بوضوح بـ”النموذج الأمريكي”، داعيًا إلى تصديره في معرض حديثه عن “الحرب المقدسة” التي بدأتها الولايات المتحدة خارج حدودها. خطبة التبشير بالنموذج الأمريكي هذه، بروح أبوية مصدرها “المهمة الإلهية”؛ زعمت أنّ “الحرية فقط للقادرين على حكم أنفسهم”، مستدلاً بحكم الأمريكيين البيض للسكان الأصليين دون موافقتهم، منطلقًا من تلك الفرضية غير العبثية أبدًا في النموذج الأمريكي إلى تبرير الدعوة لاحتلال الفلبين التي كانت مستعمرة إسبانية تشهد بدروها حراكًا تحرريًّا.

بالطبع لم يغفل بفريدج مخاطبة الناخب الأمريكي بالمصلحة المباشرة عندما أشار إلى أهمية الفلبين بالنسبة إلى بلاده لتعزز إمبراطوريتها التجارية حول العالم.

بعد عام واحد حدث أمران: حصل بفريدج على كرسي في مجلس الشيوخ الأمريكي، وغزت الولايات المتحدة الفلبين.

غزوة الفلبين.. قتلٌ حر

يمثل “الحلم الأمريكي” ركيزة لكل ما قامت عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وتنعكس مفرداته في إعلان الاستقلال: المساواة (حينها كانت بين الرجال البيض فقط) الحياة والحرية والسعي وراء السعادة و”تأمين برَكة الحرية لأنفسنا وللأجيال القادمة”.

كان ذلك قبل أكثر من 100 عام على خطاب بفريدج، وبعد 100 عام كان لا بد من البحث عن سبل لتعزيز سردية “الحلم الأمريكي”. سينظّر بفريدج لتصديره للعالم بما يكرس لما أسماه بـ”النموذج الأمريكي”، فعندما تصبح هناك نماذج متماثلة تحت مظلة السطوة الأمريكية، تسود إذًا الإمبراطورية الأمريكية.

قد يفسر هذا الاهتمام الأمريكي البالغ بإسرائيل، أو كما قال جو بايدن في خطاب قديم: “لو لم تكن هناك إسرائيل، لكان على الولايات المتحدة اختراع إسرائيل”. في جوهره، لا يتعلق الأمر بأي مبادئ أيديولوجية، إنما المصالح الاقتصادية هي الفيصل قبل أن تُصبغ بالأيديولوجية لتسويقها عند الناخبين والعالم، وهو أمر يمكن استيضاحه من خطاب بفريدج أيضًا.

سوّق بفريدج لغزو الفلبين حتى حطّت أقدام الجنود الأمريكان على سواحلها مصحوبة بوعود الحرية من المستعمر الإسباني وإعادة بناء البلاد. استقبلهم الفلبينيون بترحاب حذر، سرعان ما تحوّل إلى غضب متفاقم من مجازر أمريكية لم تفرق بين رجل أو امرأة أو طفل.

في كتابة “في صورتنا: إمبراطورية أمريكا في الفلبين” الحائز سنة 1990على جائزة بولتيزر للتاريخ، ينقل الصحفي والمؤرخ الأمريكي ستانلي كارنو، ما جاء في تقرير لسيناتور أمريكي زار الفلبين عام 1899، يروي فيه بتفاخر ما قام به الجنود الأمريكان: “لم يعد في الفلبين الآن شخص واحد يرفض وجودنا؛ قتلَ جنودنا كل رجل وامرأة وطفل فوق سن العاشرة، كما لم يتركوا أسيرًا أو مشتبهًا فيه حيًّا”.

على مدار نحو ثمانِ سنوات قتلت الولايات المتحدة ما لا يقل عن مليون فلبيني (الأرشيف الوطني الأمريكي)

كان الرئيس الأمريكي آنذاك، وليام ماكنلي، يروج لأن موجة الاستعمار الأمريكي التي بدأت بأمريكا الوسطى وجزر الأطلسي والهادئ ولاحقًا الفلبين، هي “واجبٌ أخلاقي” تجاه سكان أصليين “لا يعرفون مصلحتهم”، لذا كان يقول إن واجب بلاده “رفع مستوى هؤلاء السكان وتعليمهم وترقية عقائدهم”.

بعد ذلك بنحو 50 سنة سيدلي الرئيس الأمريكي هاري ترومان بتصريحات مشابهة في خطبة تنصيبه لولاية ثانية. الرداء الخطابي هذه المرة هو “التنمية” والدافع كالعادة “الواجب الأخلاقي”.

تنمية قسرية

في خطاب تنصيبه لولاية ثانية عام 1949، افتتح الرئيس الأمريكي، الديمقراطي، هاري ترومان، عهدًا جديدًا للنفوذ الأمريكي في العالم.

كانت الحرب العالمية الثانية وضعت أوزارها أخيرًا بأول وآخر استخدام حتى الآن للقنبلة النووية، على هيروشيما وناكازاكي في اليابان، أعلنت بهما الولايات المتحدة، على جثث أكثر من 200 ألف إنسان، سيادتها العالمية بما في ذلك على أوروبا المنهكة تمامًا من الحرب، فلجأت إلى الولايات المتحدة التي صاغت نظامًا جديدًا للاقتصاد العالمي أصبحت السيادة فيه للدولار الأمريكي عبر اتفاق بريتون وودز.

عرفت خطبة ترومان بـ”خطاب النقاط الأربع” لتضمنها أربع نقاط ستمثل النهج الأمريكي الجديد في السياسات الخارجية، فقد حدد ترومان أربع نقاط أو مسارات لما أسماه “برنامج السلام والحرية”: النقطة الأولى تركز على تدعيم النظام السياسي العالمي متمثلاً في الأمم المتحدة ومنظماتها.

النقطة الثانية تتمثل في تدعيم نظام الاقتصادي العالمي المستجد بتعزيز التجارة العالمية. يقول ترومان: “يعتمد الانتعاش الاقتصادي، بل السلام نفسه، على زيادة التجارة العالمية”.

النقطة الثالثة تركز على دعم الحرية وتعزيز التعاون العسكري بين الدول والشعوب الحرة بتعبير ترومان. سيتمخض عن تلك النقطة تشكيل حلف شمال الأطلسي في إبريل/ نيسان من نفس العام.

والنقطة الرابعة، يمكن اختصارها بـ”التنمية”. طرح ترومان في هذه النقطة، التي ستصبح لاحقًا “برنامج النقطة الرابعة“، التصور الأمريكي لتنمية الأمم “المتخلفة” لتلحق بركب حضارة الأمم “المتقدمة”. قال ترومان: “التنمية هي الحل الوحيد لمشكلات الأرض والسبيل لتلحق الأمم المتخلفة بالأمم المتقدمة”.

ألقيت القنبلتان النوويتان على اليابان في عهد الرئيس الأمريكي هاري ترومان (متحف هاري ترومان – CFR)

هذه التنمية، المفهوم الغامض والملتبس، ستتحدد أطره وفقًا للنموذج الأمريكي المنفذ على الأرض. لن تكون التنمية فقط ذريعة لاستعمار جديد عسكري في بعض الأحيان (الحرب الكورية في عهد ترومان نفسه)، واستخباراتي في أحيان أخرى عبر مكاتب النقطة الرابعة حول العالم أو بالتدخل الخفي لدعم أو إسقاط سياسيين كما حدث في إيطاليا سنة 1948 من دعم سري-استخباراتي لسياسيي الحزب المسيحي الديمقراطي وإضعاف جبهة الحزب الشيوعي، وكما حدث في إيران بعملية أجاكس التي أطاحت فيها المخابرات الأمريكية والبريطانية برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق بعد قراره تأميم صناعة النفط في البلاد؛ بل كانت هذه التنمية أيضًا الطريق نحو أمركة ما يمكن أمركته من أمم العالم ثقافيًّا واجتماعيًّا من خلال طرحٍ يمحو خصوصيات الشعوب والاختلافات بينها، ويرسم نموذجًا واحدًا ونسقًا خطيًّا للتطور يتجه نحو الشمال حيث الأمم المتقدمة، في حين يمثل الجنوب الأمم المتخلفة أو ما ستعرف بـ”دول العالم الثالث”.

في كتاب “قاموس التنمية.. دليل نحو المعرفة باعتبارها قوة“، يصف جوستافو إستيفا، التنمية التي طرحها ترومان بالمفهوم الذي يحدد الدور التبشيري للولايات المتحدة، ما يقول عنه جين روبرت: “استبدل به الغرب احتلاله العسكري لدول العالم باحتلال من نوعٍ جديد، احتلال لأحلام الناس وعقولهم”.

فضلاً عن أشكال التدخل المختلفة للولايات المتحدة، التي مهدت لها التنمية؛ كانت من بين نتائج هذه التنمية أيضًا، بحسب رصد كتاب “قاموس التنمية”، أن تحولت ما سُميت بالأمم المتخلفة إلى باحات خلفية للنفايات النووية الخاصة بالأمم المتقدمة. وعلى كل حال، فبعد عشر سنوات تقريبًا من خطاب ترومان عن التنمية، وفي عام 1960، أصبحت دول الشمال أغنى 20 مرة من دول الجنوب، ثم ازداد الفارق بعد 20 سنة أخرى في 1980، لتصبح أغنى 46 مرة، وفقًا لقاموس التنمية.

هل يمكن القول إذًا إن التنمية ومجمل خطاب النقاط الأربع لترومان، ليست إلا طريقة جديدة لتنفيذ وصايا “مسيرة العلم”؟

في جعبة الحاوي: الحرب على الإرهاب ودعم الديمقراطية

تمر خمسة عقود منذ خطاب التنمية لترومان، تخوض خلالها الولايات المتحدة عدة حروب عسكرية متباينة المستوى، أعنفها وأكثرها تأثيرًا حرب فيتنام، قبل أن تقترب حربا أفغانستان والعراق من مضاهاتها.

في عهد جورج بوش الابن دخلت الولايات المتحدة حربين متتاليتين في أفغانستان ثم العراق بذريعة خطابية هي “الحرب على الإرهاب”. تقول الأحداث التالية للحربين، وعلى مدار قرابة 20 عامًا، إن أيًّا من الحربين لم يحققا الهدف المعلن، بل على العكس فاقما الإرهاب الذي وجد الفرصة سانحة في العراق لينظم نفسه في شكل داعش.

وحين لم تنجح ذريعة الحرب على الإرهاب في أفغانستان وفي العراق معززة بذريعة القضاء على أسلحة الدمار الشامل، إذ لم يجدوا في النهاية أسلحة دمار شامل؛ وجد بوش الابن أنّ العودة لـ”دعم الحرية الديمقراطية” قد تنقذه من الوحل. كان ذلك في خطاب تنصيبه لولاية ثانية في 2005، الذي قال فيه: “بقاء الحرية على أرضنا يعتمد على بقدر كبير على نجاح الحرية في الأراضِ الأخرى. أفضل أمل لتحقيق السلام لعالمنا، بتوسيع الحرية في العالم”، مضيفًا: “لذلك سياسة الولايات المتحدة هي دعم نمو الحركات والمؤسسات الديمقراطية في كل دولة حول العالم، بهدف نهائي هو القضاء على الاستبداد”.

“إسقاط الديكتاتوريات كما تسقط قطع الدومينو” بتعبير بوش الابن، بدأ من خلاله بإسقاط نظام صدام حسين في العراق، لكنه لم ينتهِ بانتهاء فترة حكمه، تخبرنا بذلك الوثائق والمستندات المسربة لاحقًا لتكشف أدوار إدارة باراك أوباما، على الأقل في ليبيا لإسقاط معمر القذافي. والهدف ليس تحقيق الديمقراطية أو منح الشعوب الحرية. الهدف هو بسط النفوذ و”ردع المنافسين والطامحين لأدوار إقليمية أو عالمية أكبر”، كما جاء في وثيقة إرشادات التخطيط الدفاعي التي وضعتها إدارة جورج بوش الأب سنة 1992.

يُذكر أن نفس الذين وضعوا هذه الوثيقة هم مهندسو الغزو الأمريكي للعراق في 2003، بحسب “The American Conservative”.

هل كان ترامب مختلف حقًا؟

من الشائع وصف السياسات الخارجية الأمريكية في عهد ترامب بالانسحابية، الأمر الذي لا تعكسه مجمل تحركاته ولا خطبه قبل الترشح وبعده. بل على العكس، يمكن القول إن ترامب كان الوجه الأكثر وضوحًا في السردية الأساسية للإمبراطورية الأمريكية، سردية “مسيرة العلم”، ففي حين صُبغت خطط سابقيه بمقولات خطابية تداعب أحلام الناس وعقولهم، كان ترامب واضحًا في جعله “أمريكا أولاً” عبر إستراتيجية تقوم على “تعزيز التأثير الأمريكي”، كما جاء في وثيقة إستراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارته في 2017.

لا يمكن تجاهل انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقيات ومنظمات أممية، مثل اتفاق باريس للمناخ واتفاق التجارة عبر المحيط الهادئ والاتفاق العالمي للهجرة ومنظمة اليونسكو، وتخفيض المنح لمنظمة الصحة العالمية وغيرها. غير أن هذه الانسحابات لم تعنِ على أرض الواقع تراجع الدور الإمبراطوري للولايات المتحدة أو ما أسمته مجلة “The American Conservative” بـ”السياسات الأمريكية المتعجرفة”.

صدّر ترامب وثيقته لإستراتيجية الأمن القومي بـ”تعزيز التأثير الأمريكي” (أ.ف.ب)

يمكن الاستدلال على ذلك بنفس الانسحابات الأمريكية من الاتفاقيات والمنظمات الأممية، التي تمثل وسيلة للضغط على المجتمع الدولي للقبول بالمزيد من التصورات الأمريكية للعالم. كما يمكن الاستدلال على ذلك بما تُعرف بالحرب التجارية مع الصين، والضغوط المستمرة لتقويض أي إمكانية لنفوذ اقتصادي صيني سيتجاوز الولايات المتحدة. وهناك كذلك ما تعرف بصفقة القرن ومن قبلها إقرار قانون نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس متجاهلاً كل المقررات الدولية والمبادرات بما فيها مبادرة السلام العربية التي أطلقها العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود.

إذا كان خطاب “مسيرة العلم” لبفريدج يتمحور حول السيادة التجارية للعالم، وخطاب “التنمية” لترومان يتمحور حول تعزيز التجارة العالمية بعد أن أصبح هناك نظام عالمي مستحدث، السيادة فيه سياسيًّا/عسكريًّا للولايات المتحدة واقتصاديًّا للدولار الأمريكي؛ فيمكن القول إن عهد ترامب يتمحور حول تصويب الوضع العالمي بما يعزز السيادة الأمريكية.

وفيما كان الوضع العالمي قد اتجه نحو تعدد الأقطاب، وتأثَّر الأمريكيين بشكل مباشر من عولمة الإنتاج والتصنيع مع ظهور قوى تقدم نفسها كأرض خصبة للاستثمار قليل التكلفة؛ خرج النظام العالمي، أو كاد، عن السردية الأمريكية. صاغ ترامب ذلك في وثيقته: “شئنا أم أبينا، نحن نشهد حقبة جديدة من المنافسة”. دفع ذلك بترامب ليؤكد مجددًا على أنّ أمريكا أولاً، مع بقاء الهدف الإستراتيجي لهذه الجمهورية الإمبراطورية، والمصاغ في وثيقته بأنّ عالمًا يدعم المصالح الأمريكية ويعكس مبادئنا، يجعل الولايات المتحدة أكثر أمنًا وازدهارًا”.

 

محمد عطية

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى