زوايا

مشروع حكومي واعد لإنتاج “التقاوي”..هل تحقق مصر الاكتفاء الذاتي أخيرا؟!

طوال السنوات الماضية، جرت العادة أن تستورد وزارة الزراعة بذور وتقاوي الخضراوات والفاكهة من أسواق أوروبا لزراعتها في مصر. لم تجنِ مصر من هذا الأمر إلا خسارة مادية كبيرة للاقتصاد الزراعي، في حين تُحقق الأسواق المصدرة مكاسب طائلة.

لذلك، اتجهت الدولة إلى تأسيس مشروع لإنتاج تقاوي الخضراوات والفاكهة، بالتعاون مع مركز البحوث الزراعية والمعاهد البحثية المتخصصة في الجامعات المصرية، بغرض إنتاج التقاوي والبذور الصالحة للظروف المناخية والبيئية في مصر. وبذلك سُجِّل لأول مرة في مصر 23 صنفًا من تقاوي الخضراوات والفاكهة، كنتاج أولي للمشروع.

مشاكل استيراد التقاوي.. الهرمونات المسرطنة والعملة الصعبة

تقول الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إن 98% من تقاوي الخضراوات والفاكهة التي تزرع في مصر سنويًا، مستوردة من الخارج. يُعلِّق على ذلك عبد اللطيف عطية، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة الإسكندرية، بأن 2% فقط هي نسبة الاكتفاء الذاتي من التقاوي، في حين تبلغ قيمة الواردات من التقاوي أكثر من مليار دولار. «رقم ضخم بالطبع؛ خصوصًا أن قيمة صادرات المحاصيل الزراعية من خضراوات وفاكهة لا تتجاوز ملياري دولار».

التقاوي
98% من التقاوي في مصر مستوردة

بالتالي، من المتوقع أن مشروع إنتاج التقاوي مصريًا، سيوفر للبلد عملة صعبة «لطالما أهدرت على مدار سنوات»، كما يقول عطية. فضلًا عن ذلك، فإن الاعتماد على التقاوي المستوردة جعل الزراعة المصرية محكومة بأسواق الخارج، عبر تحديد سعر البيع، أو تحديد أنواع من التقاوي لشرائها دون غيرها.

«أحد المكاسب المهمة لمصر من المشروع، هو أنه يُمكِّنها من تأسيس معمل يحتوي الأصول الوراثية لإنتاج الخضراوات والفاكهة، وهو أمر لا يكلف الدولة أي أعباء مالية إضافية؛ بل يحقق عائدًا اقتصاديًّا يمكن من خلاله الاستفادة في الإنفاق على البحوث الزراعية ذات الميزانية الضعيفة».

اقرأ/ي أيضًا: “الفؤوس أهم من الفلوس”.. كورونا تغير توجه العرب الاقتصادي

ولا تقف مشكلات استيراد التقاوي عند حدود التكلفة المالية؛ بل كان لها بعد آخر، صحي-اقتصادي، ففي أحيانٍ عدة تم استيراد بعض التقاوي المسرطنة. وبحسب مصطفى العوضي، أستاذ الهندسة الوراثية والفيروسات في المركز القومي للبحوث، فإنه من الصعب التحقق من كون البذور المستوردة تعرضت للحقن الوراثي أم لا، وبالتالي «فرص حماية الصحة السكانية تكون أقل بكثير مما لو أنتجنا تقاوينا».

ملامح ومكتسبات المشروع

بدأ العمل في المشروع القومي لإنتاج تقاوي الخضراوات والفاكهة في مصر، في يونيو 2019. ويندرج تحته مشروع آخر يخدمه بشكل أساسي، وتتشارك فيه عدة جهات، هي: كلية الزراعة التابعة لجامعة الإسكندرية، بالتعاون مع المركز القومي للبحوث، وبتمويل من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا.

التقاوي
يندرج تحت مشروع إنتاج التقاوي مشروع بحثي بدعم قيمته أربعة ملايين جنيه

يحدثنا محمود العبادي، الأستاذ بقسم الخضراوات، كلية الزراعة، جامعة الإسكندرية، ورئيس الفريق البحثي للمشروع، عن ملامحه: «نحن المتخصصون في إنتاج بذور الخضراوات، لطالما رفضنا فكرة استيرادها؛ لكن لم يكن هناك أي اهتمام بالأمر، وقابلنا العديد من المعوقات، حتى دعمت الدولة مؤخرًا الفكرة، وأصبح هناك مشروع قومي».

المشروع البحثي الذي يندرج تحت مشروع إنتاج التقاوي، هو «استنباط هجن وأصناف محلية واعدة من بعض محاصيل الخضراوات الاستراتيجية»، وقد خصصت له ميزانية بقيمة 4 ملايين جنيه مصري، وبدأ العمل فيه رسميًا مطلع يناير 2021. وينقسم المشروع إلى 4 برامج أساسية، هدفها إنتاج هجن وأصناف جديدة من كل من: البامية، والكوسة، والقرع العسلي، والثوم.

لكن استمراريته -وفقًا للعبادي- مرهونة باستمرار التمويل. يوضح العبادي: «كي ينتج الباحث بذورًا جديدة للخضراوات والفاكهة، فهو بحاجة إلى الصُّوَب والعمالة الزراعية وفرق بحثية مدربة بعناية على إجراء التهجينات الزراعية، وكل ذلك يحتاج إلى التمويل الدائم».

ولا يتوقف الدعم عند التمويل المالي المباشر للمشروع: «لا بد من دعم شباب الباحثين في كليات الزراعة المختلفة، وكذلك في المراكز البحثية؛ حيث يهدف البرنامج إلى التعاون مع عدد من المتخصصين في إنتاج المحاصيل الزراعية والباحثين في تنميتها، لتقديم الدعم الكامل لهم ولأبحاثهم التي كانت حبيسة الأدراج على مدار سنوات عديدة، بما يحقق منها فائدة مباشرة على المجتمع والاقتصاد الوطني»، كما يقول محمود العبادي الأستاذ بكلية الزراعة، جامعة الإسكندرية.

التقاوي
من مكاسب مشروع إنتاج التقاوي، توفير فرص عمل جديدة

من جهة أخرى، من المتوقع أن يحقق المشروع مكتسبات عدة، بداية من توفير العملة الأجنبية، وليس انتهاءً بتحقيق الاكتفاء الذاتي بعد فترة من الإنتاج. هناك أيضًا مكتسبات تتعلق بالحفاظ على البيئة والصحة من المبيدات، كما أنه يوفر فرص عمل جديدة، وتقليل تكاليف إنتاج الفدان بتوفير التقاوي بأسعار مخفضة، وزراعة أصناف تتحمل الظروف البيئية توفر المحصول طوال السنة للسوق المحلية والأجنبية.

الأطوار الأولى للمشروع

بحسب القرار الوزاري رقم 38 لسنة 1997، فالتقاوي هي أساس الزراعة التي يكون مصدرها تقاوي المربين والناتجة تحت إشرافهم المباشر، والتي تتوفر فيها الصفات الوراثية للصنف، وتكون مصدرًا لإنتاج جميع درجات التقاوي المُعتمدة الأخرى.

في نهاية شهر يونيو الماضي، عُقدت ورشة العمل الأولى الخاصة بالفريق البحثي بكلية الزراعة، والتي استعرض فيها نتائج البرنامج، والتي تضمنت إنتاج أصناف جديدة مُحسَّنة، مثل: الثوم البلدي، والباميا، والكوسة، والقرع العسلي. وبعدها بدأت عملية زراعة تقاوي الخضراوات والفاكهة بشكل رسمي.

عن محصول البامية، تقول انتصار مسعود، الأستاذة المساعدة في قسم الخضراوات بكلية الزراعة، جامعة الإسكندرية، ومن أعضاء الفريق البحثي المنوط بالتحسين في محصول البامية: «اعتمدنا في تحسين محصول البامية على مجموعة من الصفات، واعتبرناها أساسية في عملية التحسين. تمثلت تلك الصفات في التبكير في الإنتاجية، وتقليل عدد الأفرع للنبات، ليكون -بحد أقصى- فرعين، وكذلك إنتاج نباتات عديمة التفريع».

بعد دورات متتالية من الانتخاب للنباتات، بالتوازي مع التلقيح الذاتي لعدد من الأجيال، استطاع الفريق بالفعل الوصول إلى سلالات نقية مبكرة جدًّا وعديمة التفريع، أو ذات فرع أو اثنين على الأكثر.

بالنسبة للقرع العسلي، فقد كان له برنامج خاص متعلق بإنتاج الهُجن النوعية، قامت على تحسينه عضو الفريق البحثي الخاص بالمشروع بكلية الزراعة، جامعة الإسكندرية، وهي نجلاء علي، المدرسة المساعدة بقسم الخضراوات في الكلية ذاتها. تقول نجلاء: «القرع العسلي من محاصيل الخضراوات غير التقليدية. وتعتبر دولتا الهند والصين أكثر المناطق زراعة له».

ويُعد القرع العسلي من المحاصيل ذات المجموع الجذري الكبير، وبالتالي يتحمل قلة المياه، بالإضافة إلى قدرته على امتصاص العناصر الغذائية من التربة بكفاءة أعلى من بقية المحاصيل.

اعتمد برنامج التحسين على التلقيح الذاتي والانتخاب للوصول إلى الصفات الجديدة للقرع العسلي، وأبرز تلك الصفات هي جودة الزهرة.

وبالإضافة إلى تحسين الصفات، كان لدى الفريق هدف آخر، وهو «الوصول إلى هجن نوعي بين الكوسة والقرع العسلي، وبالفعل توصل الفريق إلى تراكيب وراثية في القرع العسلي، ثمارها تشبه ثمار الكوسة في مراحلها الأولى. الهدف الأخير في برنامجنا، كان الوصول إلى هجن نوعية تتحمل الإجهاد المائي، يتم استخدامها كأصول فيما بعد للتطعيم عليها مع الأصناف التجارية»، كما تقول نجلاء علي.

بالنسبة للقرع العسلي فكان له برنامج خاص متعلق بإنتاج الهُجن النوعية، قامت على تحسينه أحد أعضاء الفريق البحثي الخاص بالمشروع بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، وهي نجلاء علي، المدرس المساعد بقسم الخضر في الكلية ذاتها. تقول نجلاء: “القرع العسلي من محاصيل الخضر غير التقليدية. وتعتبر أكثر المناطق زراعةً له دولتي الهند والصين”.

ويُعد القرع العسلي من المحاصيل ذات المجموع الجذري الكبير، وبالتالي يتحمل قلة المياه، بالإضافة إلى قدرته على امتصاص العناصر الغذائية من التربة بكفاءة أعلى من بقية المحاصيل.

اعتمد برنامج التحسين على التلقيح الذاتي والانتخاب للوصول إلى الصفات الجديدة للقرع العسلي، وأبرز تلك الصفات هي جودة الزهرة.

وبالإضافة إلى تحسين الصفات، كان لدى الفريق هدف آخر وهو الوصول إلى هُجن نوعي بين الكوسة والقرع العسلي، وبالفعل توصل الفريق إلى تراكيب وراثية في القرع العسلي، ثمارها تشبه ثمار الكوسة في مراحلها الأولى. “الهدف الأخير في برنامجنا، كان الوصول إلى هجن نوعية تتحمل الإجهاد المائي، يتم استخدامها كأصول فيما بعد للتطعيم عليها مع الأصناف التجارية”، تقول نجلاء علي.

ندى جمال

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى