قصص وتحقيقاتمختارات

مصابو الحروق في مصر: معاقون بأمر المجتمع.. أسوياء بقرار حكومي

 

أمام مكتب مديرية القوى العاملة بشبرا في القاهرة، وقفت “فاطمة”، 36 عامًا، تندب حظها، فعلى مدار 10 سنوات حاولت الحصول على وظيفة، طرقت العديد من الأبواب لكنها أغلقت أمامها بالكامل، سارت في طرق عدة علّها تجد من يقدم لها يد العون وفي كل مرة كانت تعود أدراجها خالية الوفاض.

في سن 8 سنوات أصيبت “فاطمة” بحروق بالغة نتيجة اشتعال حريق بمنزلهم، قاومت الفتاة الموت، لكنّها حتى اللحظة تعاني من تلك الحادثة التي أثرت في يديها ووجهها رغم إجرائها عشرات العمليات التجميلية، ومع محاولاتها الدائمة للعودة إلى هيئتها الطبيعية أخبرها الأطباء بأنّه لا فائدة.

حروق اليد

على مدار 28 سنة تحاول “فاطمة” تقبّل آثار حروقها، اعتادت نظرات المارّة إليها بالشارع ولمزات أصدقائها بالمدرسة.. حصلت على شهادة “الدبلوم” وبدأت رحلة البحث عن مصدر دخل، لتساعد أسرتها متوسطة الحال.. بعد فترة حصلت على وظيفة كعاملة بأحد مصانع البلاستيك وافق صاحبه على عملها به، لكن بعد وفاته تعرضت للعديد من المشكلات مع نجل صاحب المصنع حتى اضطرت إلى ترك العمل.

عدد حوادث الحروق في مصر

“سعيت كتير، لكن كل مرة باتقدم لوظيفة كانت إجابتهم عليا سيبي رقمك وهنتصل بيكي.. الجملة اللي باتأكد بعدها إني مرفوضة حتى لو حلفت على المصحف إني قادرة أشتغل”.. ظلت الفتاة الثلاثينية لفترة طويلة داخل حجرتها الصغيرة لا تود الخروج أو لقاء أحد، فاليأس تملّك من قلبها وأدركت أن لا فائدة من محاولاتها، حتى نصحها أحدهم بالتقديم في وظائف القوى العاملة، والتي أعلنت عنها الحكومة مؤخرًا، ليتجدد أملها.

استيقظت “فاطمة” مبكرًا.. لم تنم بفعل القلق والأمل انتظارًا للغد.. حملت أوراقها وذهبت إلى مديرية القوى العاملة في منطقة شبرا مصر بمحافظة القاهرة محل سكنها.. وقفت وسط عشرات الشباب ممن جاؤوا للتقدم إلى الوظائف، التي خُصصت في بعض المصانع، وبعد وقت طويل حان دورها.. وصلت إلى الموظف المسؤول وعلى وجهها ابتسامة خفيفة.. قدمت إليه أوراقها.. اختفت الابتسامة من وجهها وفاجأتها إجابته: “مكانك مش هنا يا آنسة، طلبك مرفوض”.

حاولت معرفة سبب رفض طلبها، لكن الموظف أخبرها بأنّ هيئتها تدل على كونها من ذوي الاحتياجات الخاصة، لذلك عليها انتظار الوظائف الخاصة بهذه الفئة، لكنّ الفتاة أكدّت أنّها ليست لديها إعاقة.. فقط آثار حروق خارجية، ويمكنها العمل في أي وظيفة، إلا أنّ الموظف أصر على رفض الطلب ونصحها بالذهاب إلى وزارة التضامن وتقديم طلب الالتحاق بفئة الخمسة بالمئة لذوي الإعاقة.

الحروق.. السبب الثالث للوفاة في مصر

المصدر: منظمة الصحة العالمية

خرجت “فاطمة” تفكر في حديث موظف القوى العاملة.. أيقنت أنّه لا حل سوى الذهاب إلى مديرية التضامن واستخراج شهادة الخمسة بالمئة.. عادت إلى المنزل وبعد أيام حملت أوراقها وذهبت إلى الشؤون الاجتماعية.. وقفت أمام موظفة أربعينية، ألقت نظرة عابرة إليها وطلبت منها الأوراق، وبعد ثوانٍ أخبرتها: “إنتي مش من حقك تقدمي، خدي ورقك وروّحي، طلبك مرفوض.. إنتي ماعندكيش إعاقة”، وسط إصرار الفتاة على إقناع موظفة الشؤون بأنّ موظف القوى العاملة هو من أخبرها بأنّها تستحق، لكن دون جدوى.

1- تعتبر معدلات الوفاة الناجمة عن الحروق أعلى لدى الإناث مقارنة بالذكور

2- يكمن الخطر الأكبر في تعرض الإناث للحرق أكثر من الذكور بسبب طبيعة عملهن في البيت، خاصة الطهو، مع وجود مواقد طهو غير مأمونة بطبيعتها، والتي يمكن أن تسبب احتراق الملابس الفضفاضة

المصدر: منظمة الصحة العالمية

عادت فاطمة في اليوم التالي إلى القوى العاملة، وأصر الموظف هو الآخر على أنّها غير مستحقة للوظيفة، لم تيأس وقررت الذهاب ثانية إلى الشؤون الاجتماعية علّها تجد أحدًا ينقذها، حالفها الحظ بموظفة أخرى وافقت على طلبها، لكنها طلبت منها أن تأتي بعد 15 يومًا للعرض على لجنة طبية ستحدد ما إذا كانت الفتاة مستحقة أم لا.

بعد 15 يومًا عُرِضت الفتاة على اللجنة، التي أقرت أنّ “فاطمة” غير مستحقة لفئة الخمسة بالمئة، كون إصابتها لم تسبب لها أي إعاقات وظيفية في أجهزة أو أعضاء الجسم المختلفة، لتتأكد حينها أنّها لن تستطيع الحصول على وظيفة فاستسلمت.. وعاشت في منزل والدها برفقة أمها وشقيقها الأصغر، اللذين يتكفلان بعلاجها على أمل أن تجد عونًا فيما بعد.

القانون المصري لذوي الإعاقة

أعطى القانون السابق ذكره الحق بإمكانية إضافة أشخاص إلى فئة الخمسة في المئة الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، لكن بموجب موافقة من رئيس الوزراء، حسب خليل محمد، مدير مركز التأهيل التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، موضحًا أنّه بالفعل توجد فئات من مصابي الحروق أُدرجوا ضمن قانون الإعاقة، لكنها الفئات التي انطبق عليها القانون وثبت بالفعل إصابتها بخلل في وظيفة أو عضو بسبب الحريق.

مدير مركز التأهيل في حديثه إلى “ذات مصر” أقرّ بمعاناة مصابي الحروق في الحصول على عمل، حكومي أو خاص، فلا يوجد صاحب عمل سيوافق على تشغيل مصاب بحروق، خاصة ممن تظهر عليهم آثار الحرق بنسبة كبرى إلا في ما ندر، حتى المدرَجون ضمن فئة الخمسة بالمئة والتحقوا بالعمل في وظائف خاصة، غالب أصحابها يطلب منهم عدم الحضور، والحصول على الراتب الشهري عن بعد، وفي تلك الحالة لا يخالف صاحب العمل القانون، فقد استوفى بدوره نسبة الخمسة بالمئة.

وردّا على ما أثير بشأن اعتراض موظفي القوى العاملة على استقبال الأوراق الخاصة ببعض مصابي الحروق ممن تظهر آثار التشوهات عليهم، قال المتحدث باسم وزارة القوى العاملة المصرية، هيثم سعد الدين، لـ”ذات مصر” إنّه لا يحق لأي من العاملين في الوزارة بالمديريات المختلفة رفض الطلبات المقدمة من المواطنين، ما داموا يستحقون الوظائف التي يُعلَن عنها، خاصة أنّ الوزارة تحدد وظائف للأشخاص الأسوياء وأخرى لذوي الإعاقة، وكلها له شروط وقوانين، فما دام الشخص المتقدم لا يحمل كارت الإعاقة وغير منضم إلى فئة الخمسة بالمئة، من حقه التقدم إلى الوظائف المختلفة التي تعلن عنها الوزارة لغير المعاقين.

ومن حق موظف القوى العاملة رفض استقبال طلب الشخص المتقدم حال حمله شهادة إعاقة، ليتقدم إلى وظيفة لغير المعاقين، بحسب “سعد الدين”، لكن يسمح له فيما بعد بالتقدم إلى الوظائف الخاصة بهم والتي لا تستقبل سواهم ولا يمكن لغيرهم التقدم إليها، ونفى ما يتردد عن وجود تضارب بين وزارتي القوى العاملة والتضامن.

شروط إدراج مصابي الحروق ضمن ذوي الإعاقة

الأطفال تحت سن 5 سنوات في دول الشرق الأوسط معرّضون للوفاة بسبب الحروق أكثر 6 أضعاف من أي دولة في العالم

المصدر: منظمة الصحة العالمية

في السنوات الأخيرة لعب مستشفى “أهل مصر” دورًا بارزًا في علاج وتأهيل مصابي الحروق، ومن ضمن المناشدات التي خرجت من أطباء المستشفى، إدراج مصابي الحروق ضمن فئة الخمسة بالمئة الخاصة بذوي الإعاقة، نظرًا إلى معاناتهم الشديدة في الحصول على عمل، حسب ما قال الدكتور عادل أحمد، المدير التنفيذي لمستشفى أهل مصر للحوادث والحروق بالمجان، لـ”ذات مصر”.

يعاني 17% من الأطفال المصابين بالحروق من إعاقة مؤقتة في حين يعاني 18% منهم من إعاقة دائمة في “بنجلاديش وكولومبيا ومصر وباكستان”

المصدر: منظمة الصحة العالمية

وتابع المدير التنفيذي لمستشفى أهل مصر، أنّ مصابي الحروق فئتان، الأولى تصاب بتشوه في الوظائف يسبب إعاقة، وفي الثانية يحدث تشوه دون إعاقة، لذلك فحسب ما أقر قانون ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر، فإن الفئة الأولى تُدرَج ضمن المعاقين، وبالتالي تدخل تلقائيًّا في فئة الخمسة بالمئة، أما الفئة الثانية التي تعاني من مشكلات عدة، وهي المصابون بتشوه دون فقدان في الوظائف، مثل التشوه في الوجه أو غيره، هؤلاء لا يطلق عليهم لقب “معاقين” مهما بلغت درجة التشوه، لذلك لا يمكنهم الحصول على المميزات التي يحصل عليها ذوو الاحتياجات.

الفئة التي لا تندرج ضمن ذوي الإعاقة تواجه مشكلات في التعيين وأيضًا في الحصول على وظيفة، ولذلك سعت مستشفى أهل مصر لإدراج المواطنين ممن أصيبوا بتشوهات خارجية ضمن فئة الخمسة بالمئة، حتى يتمكنوا من الحصول على عمل وفقًا لقدراتهم، حسب للمدير التنفيذي لمستشفى أهل مصر.

وأوضح “عادل” أنّ إضافة مثل هؤلاء ليس مخالفا للقانون، على العكس، فهناك ما يطلق عليه روح القانون، بمعنى إضافة أصحاب التشوهات، من مصابي حروق أو جذام وغيرهما من الأمراض التي تؤثر في الشكل الخارجي للإنسان، إلى فئة الخمسة بالمئة الخاصة بذوي الإعاقة.

شروط إدراج مصابي الحروق ضمن ذوي الإعاقة

“لا يمكن أن نطلب معاملة مصابي الحروق مثل ذوي الاحتياجات الخاصة مطلقًا”، وفقًا لحديث النائبة هبة هجرس، عضو لجنة التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة، بالبرلمان، وعضو لجنة الإعاقة بالمجلس القومي للمرأة، فإنّه يمكن إنشاء برامج خاصة بمصابي الحروق، لكن لا يمكننا التغيير في مسميات الأمور خاصة وأننّا نسير وفقًا لقوانين دولية، مؤكدة على أنّه من الصعب إضافة أو حتى تعديل القانون الحالي.

وإذا كان في الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة أمر لافت للنظر، فيمكن عرض مقترح على الدكتورة نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي المصرية، والتي بدورها تسهم في عمل برنامج أو تغطية خاصة بمصابي الحروق فقط، لكن لا يمكن انضمام مصابي الحروق أو أي فئة أخرى إلى ذوي الاحتياجات الخاصة والدخول تحت مظلة القوانين الخاصة بهم، حسب حديث عضو لجنة التضامن والإعاقة بالبرلمان المصري، هبة هجرس، إلى “ذات مصر”، وقد أوضحت أنّ مصابي الحروق ممن سببت الحادثة لهم خللاً في أعضاء أو وظائف، لهم الحق في الانضمام إلى ذوي الإعاقة، وهؤلاء لا جدال فيهم، لكن من أصيبوا بتشوهات دون إعاقات لا يمكن ضمهم، واختتمت بأنّه إذا حد هذا الأمر فسيكون مخالفًا للاتفاقيات الدولية التي يسير وفقًا لها القانون المصري، مؤكدة أنّه ليس من صالح مصابي الحروق الانضمام إلى ذوي الإعاقة في فئة الخمسة بالمئة، كما سيقع ظلم كبير على المعاقين حال تنفيذ ذلك.

 نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في مصر بلغت 10.6% من تعداد السكان

المصدر: تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء 2018

استيقظ “كريم”، 32 عامًا، مبكرًا كعادته.. أمسك هاتفه.. بدأ يتصفح إعلانات الوظائف عسى أن يجد فرصة عمل تناسبه، وقعت عيناه على إعلان يطلب عمالاً لأحد المصانع.. خرج من بيته في مدينة السلام شرق القاهرة إلى وجهته للبحث عن عمل.

الشاب الثلاثينيّ أصيب في حريق قبل 17 عامًا عندما أشعلت والدته “الباجور” ووضعت عليه المياه، لكن لم تمر فترة طويلة حتى انفجر “الباجور” فجأة في وجه “كريم”، ما تسبب في إصابة الشاب بحروق بالغة فقد على أثرها عينه اليمنى.

“الإعلان بيبقى لسه نازل، وأول ما بيشوفوني بيقولوا خلاص مش محتاجين”، بطريقة غير مباشرة يُرفض طلب “كريم” في أي عمل يحاول التقدم له.

الشاب الذي لم يلتحق بالتعليم نظرًا إلى ظروف أسرته البسيطة، يصعب عليه أيضًا الحصول على فرصة عمل، رغم حمله شهادة ذوي الاحتياجات الخاصة التي تتيح له التقدم للوظائف التي تعلن عنها وزارة القوى العاملة، لكنه منذ حصوله على الشهادة عام 2014، لم تتوافر له أي فرصة.

– من % 80 إلى 90% من الحروق تحدث في المنازل

– يُصاب الأطفال والنساء عادة بالحروق في المطبخ نتيجة سقوط أواني الطهو المحتوية على سوائل ساخنة أو المشتعلة أو انفجار مواقد الطهو

– يعتبر الرجال أكثر عرضة للإصابة بالحروق في أماكن العمل بسبب الحرائق والمواد الكيميائية والكهرباء

المصدر: منظمة الصحة العالمية

يحكي “كريم” لـ”ذات مصر” أن القوى العاملة تتيح الوظائف وفقًا لتاريخ الميلاد، ومنذ 6 أعوام حتى اللحظة لم توفر الوزارة فرصة لأصحاب شهادات ذوي الإعاقة بدعوى أنّها لا تزال تقف عند مواليد 1985، و”كريم” من مواليد 1989، لذلك فقد الأمل في الحصول على فرصة لديهم: “باشتغل أي حاجة.. نقاش.. نجار.. المهم إني أوفر أكل لولادي”.. لكنه في أي مهنة يتعامل معه صاحب العمل بتنمر شديد حتى يضطر الشاب إلى الاستغناء عن العمل ليبدأ رحلة بحث جديدة عن غيره.

مبادرة “احتواء” لدعم مصابي الحروق

في السنوات الماضية، كان مصابو الحروق يعانون في صمت، لم يخرج أحد للحديث عن المشكلات التي يواجهونها في حياتهم اليومية، لكن تغير الوضع عام 2018، عندما خرجت شابة من الإسكندرية، شمال مصر، لتعلن انطلاقة مبادرة تهتم بمصابي الحروق ومشكلاتهم، وعلى رأسها مشكلة عدم حصولهم على عمل بسهولة، فجاءت مبادة “احتواء”.

هند البنا، أصيبت قبل 18 عامًا بحروق متوسطة نتيجة اشتعال النيران في مطبخ منزلها، تلك الإصابة أثرت في يديها، لكن طوال تلك المدة عانت “هند” في حياتها، خاصة في أثناء محاولة البحث عن فرصة عمل مناسبة، فكانت دائمًا ما تتعرض للإقصاء من أماكن العمل.

يعتبر الأشخاص الذين يعيشون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل أكثر عرضة للإصابة بالحروق من الأشخاص الذين يعيشون في البلدان مرتفعة الدخل

المصدر: منظمة الصحة العالمية

اللحظة التي كانت فارقة في حياة “هند” جاءت في أثناء عملها بأحد مراكز التجميل، ورغم مهاراتها قرروا فصلها نتيجة أنّ بعض المترددين على المركز لا يفضلون مظهر يديها بآثار الحروق.. خرجت من المكان حزينة فقررت إنشاء مبادرة “احتواء”، المعنية بالحديث عن كل ما يعاني منه مصابو الحروق في مصر: “بنتعامل في مصر كأننا مواطنين درجة تانية”، تحكي “هند”.

حاولت الحصول على عمل ثابت، فتقدمت للعديد من الشركات لكنّ تلك الطلبات كان مصيرها الرفض دائمًا، رغم أنّها تحمل شهادة التأهيل التي استخرجتها قبل سنوات لتسهل عليها الكثير، خاصة في مجال العمل، لكنّها حتى الآن لم تمكنها من الحصول على وظيفة ثابتة، فكان هذا منطلقًا لمبادرة “احتواء” لدعم المصابين في الحصول على عمل آدمي لكون غالبهم من الطبقات الفقيرة.

هند

في شارع 26 يوليو بمنطقة وسط البلد في العاصمة المصرية، وتحديدًا في ممر جانبي، يوجد محل لبيع الملابس يعلق على بابه لافتة مكتوبًا عليها: “توجد فرصة عمل”.. بداخل المحل قعد أربعيني خلف مكتب يتصفح جهاز كمبيوتر أمامه، ليتضح فيما بعد أنّه صاحب المكان، وعلى مسافة قريبة منه فتاة عشرينية وشاب يتحدثان مع زبائن المحل.

“محمد”، صاحب أحد محال الملابس الكبرى في وسط القاهرة، يعمل في المهنة منذ أكثر من 20 عامًا، يمتلك أكثر من محل للملابس في العاصمة، اختار الرجل من يعمل معه بعناية مشترطًا المهنية والأمانة، فضلاً عن حسن المظهر، الذي لم يكن الشرط الأساسي.

“حسن المظهر بيكون متوافر في غالبية اللي بيتقدموا للشغل، لكن لو اتقدم شاب شاطر ومظهره بسيط باقبله طبعًا”.

الغريب في أمر “محمد” أنّه رغم حديثه المثالي، فور سؤاله ماذا لو تقدم شاب على درجة عالية من التعليم والأمانة لكنّه مصاب حروق أثرت في مظهره الخارجي، تردد في الإجابة لكنه أخيرًا قال: “لا.. ماينفعش”، مبررًا رفضه بأنّ مثل هذا الشاب سينفِّر المواطنين من الدخول إلى المحل.

بعد رصد عشرات الحالات من مصابي الحروق في محافظات الصعيد والقاهرة والإسكندرية، بمعدل 20 حالة في الصعيد و5 بالإسكندرية و4 بالقاهرة، ثبت أن أكثر من 60% ممن أصيبوا بتشوهات يعملون في مهن بسيطة خاصة بهم.

بيت العزلة

في غرفة صغيرة بممر جانبي داخل مركز العطيفي الطبي لمصابي الحروق بمحافظة أسيوط، جنوب مصر، كانت “ماجدة” منهمكة في عملها وهي تحمل بيدها أدوات نظافة، وعلى وجهها بدت آثار حروق.

قبل 18 عامًا كانت بداية الرحلة، يوم أن اشتعلت النيران في منزل “ماجدة” بسبب “الباجور”. تسلل اليأس في بادئ الأمر إلى قلب ماجدة بسبب نظرة المارة بالشارع من ناحية وتنمر زملائها بالمدرسة من ناحية أخرى، وأدركت عدم تقبل الناس لشكلها.. وبعد حصولها على الشهادة الثانوية الزراعية، وبعد بحث طويل لم يعد أمامها طريق للحصول على عمل مناسب، فاتخذت قرارها بإغلاق باب غرفتها على نفسها وعدم الخروج مرة ثانية إلى الشارع.

ظلت “ماجدة” منعزلة فترة، لكن شاء القدر أن تفكر في الخروج إلى مركز للتأهيل النفسي، ونجحت فعلاً في الخروج، وبعد فترة أعلن المركز عن عدد من الوظائف وكانت الأولوية لمصابي الحروق.

عملت “ماجدة” داخل المركز في العديد من الأنشطة المختلفة، حتى حصلت على وظيفة عاملة، وعادت الحياة تفتح أبوابها من جديد.

تزوجت “ماجدة” وأنجبت “طفلة” تدرس حاليًّا في المرحلة الابتدائية.. مرت 15 عامًا على عملها داخل المركز وهي تعين زوجها المريض وطفلتها.. تفكر كثيرًا “ماذا لو لم تحصل على تلك الوظيفة، كيف ستكون حال زوجها وطفلتها؟”

ماجدة

محمد حافظ، اختصاصي تأهيل نفسي اجتماعي في مركز العطيفي للحروق، قال إن المركز يعالج مصابي الحروق مجانًا، ويؤهلهم نفسيًّا من ناحية أخرى، لكن المفاجأة أنّ مركز العطيفي، حسب “حافظ”، قرر عدم الاكتفاء بالعلاج بل فتح الباب أمام مصابيه للعمل داخله أو توفير مشاريع خاصة لهم وتمويلها.

يعمل حاليًّا بمركز العطيفي للحروق من المصابين نحو 13 مصابًا، موزَّعين على الأقسام المختلفة، تمريض واستقبال ونظافة وعمال وقاية ومطبخ.

المصدر: محمد حافظ.. اختصاصي التأهيل النفسي بمركز العطيفي للحروق

أدرك المركز قبل سنوات معاناة مصابي الحروق في الحصول على عمل، فأطلق مبادرة مع بعض المصانع الخاصة في المدينة الصناعية بأسيوط لتعيين عدد من مصابي الحروق بها، كما قرر المركز أن يكون لمصابي الحروق الأولوية في الوظائف التي يعلن عنها، وفق “حافظ”.

 

سارة أبو شادي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى