دراسات وتحليلات

مصالح حيوية ودوافع اقتصادية.. ملامح توجه إيطاليا نحو إفريقيا

باتت قارة إفريقيا تحظى بأولوية في أجندة السياسة الخارجية الإيطالية، وذلك في ضوء تنامي المصالح والدوافع لدى الحكومة الإيطالية، التي تطمح إلى لعب دور مهم في إفريقيا يُكسِبها المزيد من النفوذ مستقبلًا، ويمنحها مساحة حركة تُمكِّنها من التعامل مع بعض الملفات الضاغطة، وفي مقدمتها أزمة اللاجئين وهجرة الأفارقة إلى أوروبا، وتصاعد نشاط الإرهاب وشبكات الجريمة المنظمة في إفريقيا.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على مصالح ودوافع التوجه الإيطالي نحو إفريقيا، وملامح الاهتمام بالقارة، فضلًا عن التحديات التي يمكن أن تواجهها هناك، وأخيرا مستقبل نفوذ روما في القارة.

مؤتمر إيطاليا - أفريقيا
مؤتمر إيطاليا – أفريقيا الذي عقد عام 2018

أولًا: مصالح إيطاليا في إفريقيا

تأتي التحركات الإيطالية في إفريقيا -خلال السنوات الأخيرة- لتحقيق عدد من الأهداف والمصالح الحيوية، التي تضمن تعزيز حضورها وإيجاد موطئ قدم في القارة، وتتمثل أبرزها في:

  1. المصالح السياسية:

تسعى روما إلى استعادة نفوذها وقوتها عبر بوابة إفريقيا، من خلال تعزيز العلاقات السياسية والدبلوماسية مع دولها، بهدف تحقيق عدة أهداف سياسية واقتصادية وأمنية، الأمر الذي يضمن لها مساحة حركة والوجود بصورة أكثر اتساعا على الساحة الدولية، ولعب دور أكبر في القارة الإفريقية، وكتلة تصويتية كبيرة قد تحتاج إليها في الدفاع عن قضاياها وتمرير مشاريعها في المحافل الدولية، فضلًا عن تعزيز الدور الإيطالي في الاتحاد الأوروبي كونها أحد القوى المؤثرة في القارة الإفريقية وتسهم في الدفاع عن مصالح القارة الأوروبية هناك إلى جانب القوى الفاعلة الأخرى، خاصةً في بعض الملفات الاستراتيجية مثل التصدي للنفوذ الصيني والروسي المتنامي في القارة الإفريقية، والهجرة غير الشرعية، والحرب على الإرهاب.

  1. المصالح الاستراتيجية:

إن التحرك الإيطالي في الساحة الإفريقية من شأنه إعادة تموضعها الجيوسياسي في منطقة البحر المتوسط، وتعزيز العلاقات مع دول الجوار المتوسطي في شمال إفريقيا، وإمكانية التمدد إلى منطقة الساحل والصحراء، بجانب محاولة الربط الاستراتيجي مع منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، ما يسمح لروما باستعادة النفوذ في بعض المناطق الاستراتيجية.

هناك رغبة لدى إيطاليا في الانخراط بشكل قوي في عدد من الملفات الحيوية التي تمس مصالحها في القارة، مثل الملف الليبي، وملف مكافحة الإرهاب في الساحل والصحراء.

  1. المصالح الاقتصادية:

تعد قارة إفريقيا جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، فقد حققت في عام 2010 أعلى معدل للعائدات من الاستثمار الأجنبي المباشر عن أي منطقة نامية أخرى، في حين بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر للقارة نحو 54 مليار دولار في عام 2015. ومن ثَمَّ، تمثل القارة سوقًا اقتصاديًة واسعة للمنتجات والصادرات والاستثمارات الإيطالية، حيث ارتفع حجم الاستثمارات الإيطالية المباشرة في إفريقيا إلى 28 مليار دولار في عام 2018، لتحتل إيطاليا المرتبة السادسة ضمن أكبر المستثمرين الأجانب في القارة.

وتستند إيطاليا في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الدول الإفريقية إلى مقاربة “الكل رابح”، والتي تعتمد عليها بكين في تعزيز نفوذها الاقتصادي في القارة أيضًا.

داعش في أفريقيا
داعش في أفريقيا
  1. المصالح الأمنية:

لدى إيطاليا مخاوف عدة من نشاط التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء وتمددها إلى مناطق في شمال وغرب القارة، ما يزيد المخاوف من خطر إقامة خلافة داعشية جديدة عند أبواب إيطاليا نظرًا للقرب الجغرافي، وهو ما جعل مواجهة الإرهاب في إفريقيا -وتحديدًا الساحل والصحراء- بمثابة أولوية استراتيجية بالنسبة للسياسة الإيطالية في إفريقيا، وذلك في ضوء سعي الحكومة الإيطالية لحماية مسؤوليها ورعاياها في دول القارة، لا سيما بعد مقتل السفير الإيطالي لدى الكونغو الديمقراطية، لوكا أتاناسيو، بعد تعرضه لهجوم في شرق البلاد في فبراير الماضي.

وقد ارتأت إيطاليا ضرورة الإسهام في البعثات الأممية لحفظ السلام المنتشرة في عدد من المناطق الساخنة في أنحاء إفريقيا، كما انخرطت في عملية التنمية في الدول الإفريقية من خلال دعم التعاون الاقتصادي وعمليات التكامل القاري، بهدف رفع معدلات التنمية الاقتصادية في بعض الدول التي تشهد نسبًا مرتفعة من تدفق المهاجرين الأفارقة إلى دول أوروبا.

  1. قضية اللاجئين والهجرة:

تدرك إيطاليا أهمية الحاجة إلى وقف تدفق الهجرة من إفريقيا إلى الشواطئ الأوروبية، والذي يعتبره البعض سببًا رئيسيًا في عودة إيطاليا إلى إفريقيا، فقضية اللاجئين تُشكّل ضغطًا على اقتصادات الدول الأوروبية، فضلًا عن كونها تمثل عبئًا أمنيًّا على تلك البلدان.

وقد ارتفعت معدلات الهجرة خلال السنوات الأخيرة، حيث تشير التقديرات إلى أن إيطاليا قد استقبلت خلال السنوات الماضية نحو 700 ألف مهاجر عند السواحل الإيطالية عبر البحر المتوسط وعبر بلدان شمال إفريقيا.

  1. تأمين مصادر النفط والغاز:

تعتمد إيطاليا بشكل كبير في وارداتها النفطية على إفريقيا، وهو ما يجعل تأمين وحماية الحصول على المصادر النفطية أمرًا ضروريًّا، وهو ما يبرر تعزيز إيطاليا تواجدها العسكري في القارة الإفريقية ومحاولات الانخراط في بعض المناطق الاستراتيجية، لا سيما في الساحل والصحراء والقرن الإفريقي عند البحر الأحمر.

وتستورد إيطاليا نحو 80% من احتياجاتها من الطاقة من إفريقيا، حيث يذهب نحو 32% من إنتاج النفط الليبي إلى إيطاليا، والذي يغطي 12% فقط من الاحتياجات الإيطالية، كما تسعى إيطاليا إلى تأمين مصادر نفطية جديدة لها في بعض دول القارة مثل أنجولا وغيرها.

يأتي ذلك في إطار تطلع إيطاليا للعب دور مهم في قطاع الطاقة لتصبح أحد اللاعبين البارزين على الساحة الإفريقية في هذا القطاع.

شركة إيني الإيطالية
التنقيب عن البترول بواسطة شركة إيني

ثانيًا: مناطق ارتكاز إيطاليا ومداخلها في إفريقيا

يعد مجال الاهتمام الإيطالي الرئيسي هو البحر المتوسط ومناطق جواره الجغرافي في الشمال الإفريقي والساحل والصحراء، بفعل التأثير الجيوسياسي، بالإضافة إلى منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن، إذ إن تموضع إيطاليا في منطقة البحر المتوسط يسمح لها بالتمركز والانطلاق نحو إعادة تجسير العلاقات مع الدول الإفريقية.

وتمثل ليبيا أولوية استراتيجية بالنسبة للسياسة الخارجية الإيطالية في الشمال الإفريقي، ما دفع روما إلى المشاركة بقوات عسكرية ضمن قوات بعثة “إيريني” التي أطلقها الاتحاد الأوروبي في مارس 2020 للاضطلاع بمهام مراقبة تطبيق قرار الأمم المتحدة بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، وبعثة “تاكوبا” التي تقودها فرنسا في منطقة الساحل والصحراء بهدف حماية مصالحها.

ولم تغفل روما تعزيز علاقاتها أيضًا مع دول مثل الجزائر وتونس ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو.

وتعد تشاد والنيجر (دول الجوار المباشر لليبيا) بمثابة امتداد مناطقي استراتيجي تحاول روما ربطه وتعمل على بنائه مع منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، وذلك لخلق شبكة من الترابطات والتشابكات الإقليمية، التي تعزز الحضور والدور الإيطالي هناك، وهو ما يفسره زيارة رئيس الوزراء الإيطالي السابق “جوزيبي كونتي” إلى تشاد والنيجر في يناير 2019 بعد جولته إلى القرن الإفريقي.

وتنظر إيطاليا إلى الدولتين باعتبارهما الحدود الجنوبية لأوروبا، حيث أسفر التعاون بين الأطراف الثلاثة عن انخفاض معدلات الهجرة بنسبة 80% من هذين البلدين عبر ليبيا والبحر المتوسط.

اهتمام إيطاليا يتزايد بمنطقة القرن الإفريقي، حيث حظيت دول الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا باهتمام دبلوماسي إيطالي خلال السنوات الأخيرة، خاصةً في ظل رغبة روما في إيجاد شركاء أفارقة للإسهام في حل أزمة المهاجرين، فيما ترى إثيوبيا وإريتريا والصومال في إيطاليا باعتبارها شريكا مفضلا، في حين تحظى السودان بأهمية استراتيجية بالنسبة للسياسة الإيطالية في شرق إفريقيا.

ومن شأن عملية الربط الاستراتيجي بين منطقتي البحر الأحمر والبحر المتوسط تعزيز النفوذ الإيطالي في تلك المناطق الاستراتيجية، التي تشهد -أصلًا- تزاحمًا وتنافسًا دوليًا وإقليميًا على النفوذ.

وتدرك إيطاليا عدم قدرتها على منافسة القوى الفاعلة في إفريقيا من حيث التمويل أو التأثير، لذلك فهي تتحرك تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، ولا تميل لاتخاذ مواقف منفردة، بحيث يمكنها التأثير في صياغة سياسة استراتيجية للاتحاد الأوروبي تجاه إفريقيا، خاصةً أنه بإمكانها لعب دور مهم كوسيط موثوق به في إفريقيا في عدد من الملفات الاستراتيجية مثل صنع السلام وتعزيز التعاون والنمو الاقتصادي.

الهجرة غير الشرعية
مخاوف إيطالية من الهجرة غير الشرعية

وتتعدد مداخل الاهتمام الإيطالي بقارة إفريقيا، والتي يمكن تناولها من خلال الآتي:

  1. المدخل السياسي والدبلوماسي:

ركزت إيطاليا خلال العقد الأخير على تطوير علاقاتها بمعظم الدول الإفريقية على المستوى السياسي والدبلوماسي، بهدف خلق تحالفات استراتيجية تسهم في تعزيز النفوذ الإيطالي في إفريقيا. عزّز هذا الطرح الجولات الدبلوماسية التي قام بها المسئولون الإيطاليين إلى الدول الإفريقية خلال السنوات العشر الأخيرة، فقد شهد عام 2014 جولة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، ماتيو رينزي، شملت دول تونس وأنجولا وموزمبيق والكونغو، والجولة الثانية في عام 2015 والتي قد شملت دول تونس وإثيوبيا وكينيا، بينما شملت جولة عام 2016 دول نيجيريا وغانا والسنغال. كما قام رئيس الوزراء الإيطالي السابق، جوزيبي كونتي، بزيارة إلى كل من إثيوبيا وإريتريا في أكتوبر 2018، فيما اُعتبرت تلك الزيارة بمثابة مسار جديد للسياسة الخارجية الإيطالية في القرن الإفريقي.

وفي هذا الإطار، سعت إيطاليا إلى توسيع البعثات الدبلوماسية لها في قارة إفريقيا، وهو ما برز في افتتاح روما لبعض السفارات الدبلوماسية في عدد من دول المنطقة، حيث افتتحت سفارة جديدة لها في مالي في أكتوبر 2020، وقد سبق ذلك افتتاح بعض البعثات الدبلوماسية الجديدة في بعض دول الساحل مثل النيجر وبوركينا فاسو.

وفي إطار المساعي الإيطالية لمحاكاة سياسات القوى الدولية المنخرطة في إفريقيا، دشنت روما أول مؤتمر وزاري إيطالي-إفريقي في مايو 2016 حضره وفود من أكثر من 50 دولة إفريقية، حيث أعلنت روما في حينها رغبتها في توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إفريقيا.

وجاء انعقاد قمة إيطاليا-إفريقيا في عام 2018 لتعبر من خلاله روما عن التزامها تجاه إفريقيا والاستجابة لقضاياها وترسيخ العلاقات التي تقوم على التعاون والتنسيق المتبادل في مجالات مختلفة، وقد ركّز هذا المؤتمر على إيجاد حلول مشتركة للتحديات التي تواجه الدول الإفريقية في مجال الأمن والسلم والحريات والديمقراطية.

  1. المدخل الاقتصادي:

من الواضح أن إيطاليا تنتهج سياسة مزدوجة، من شأنها تعزيز الاستثمارات الإيطالية في إفريقيا، وفي نفس الوقت الإسهام في الحد من تزايد معدلات الهجرة غير الشرعية، وذلك من خلال ضخ مزيد من الاستثمارات إلى بعض الدول الإفريقية التي تستهدف تقليص حجم البطالة بين الشباب الأفارقة، لا سيما في الدول التي تشهد تصاعدًا في أعداد المهاجرين إلى أوروبا وإيطاليا مثل إثيوبيا والصومال وإريتريا، وتنفيذ العديد من المشروعات الاستراتيجية في مجالات متنوعة مثل البنية التحتية بهدف تحسين الوضع الاقتصادي وفتح الأسواق الخارجية للمنتجات المحلية لدول المنطقة.

وتعد إيطاليا سابع أكبر مُصدِّر لإفريقيا، حيث تجاوزت قيمة صادراتها 26 مليار دولار وفقًا لتقديرات عام 2014.

وتُصدِّر إيطاليا إلى إفريقيا ست فئات من المنتجات هي الآلات والأجهزة الميكانيكية، والوقود والزيوت المعدنية، والآلات والمعدات الكهربائية، والحديد والصلب، والمركبات وقطع الغيار.

ومن بين الأسواق المهمة لإيطاليا في إفريقيا هي تونس والمغرب وجنوب إفريقيا وإثيوبيا، ويبلغ حجم الاستثمارات الإيطالية في دولة جنوب إفريقيا -وحدها- نحو 4.5 مليارات دولار.

وقد أعلنت روما إنشاء صندوق إيطالي بقيمة 200 مليون يورو في 2017 بهدف مساعدة دول إفريقيا للسيطرة على حدودها ووقف عمليات الهجرة غير الشرعية.

وافتتح رئيس الوزراء الإيطالي السابق جوزيبي كونتي في 2019 مركز إفريقيا للمناخ والتنمية المستدامة في روما، وذلك باعتباره آلية سريعة تُمكِّن الدول الإفريقية من الحصول على المنح التي تدعم السياسات والمبادرات المتعلقة بتغير المناخ والأمن الغذائي والحصول على المياه والطاقة النظيفة، بما يُعجِّل بتحقيق أهداف التنمية المستدامة في إفريقيا.

وقد اتجهت الشركات الإيطالية خلال السنوات الماضية إلى إفريقيا للاستثمار في عدة قطاعات مختلفة، مثل شركة إيني النفطية التي تمتلك نحو 60% من إجمالي احتياطاتها في 14 دولة إفريقية، وتتوسع في بعض البلدان الأخرى التي تحصل فيها على امتياز التنقيب والاستكشافات النفطية، مما جعلها أداة قوية في يد الحكومة الإيطالية لتوسيع نفوذها في القارة الإفريقية.

وقد لعب Offshore Cape Three Points، فرع الشركة في دولة غانا، دورًا بارزًا في تعزيز المكانة الإقليمية للشركة النفطية في القارة ومنطقة غرب إفريقيا.

وهناك شركة Gabtriele Volpi’s Orlean، التي تعد اللاعب الرئيسي في قطاع الخدمات اللوجيستية في دول نيجيريا وأنجولا وموزمبيق، بينما تقوم شركة Salini Impregilo -التي تعمل في مجال الطاقة الكهرومائية- بإنشاء العديد من السدود في بعض الدول الإفريقية، وهي التي تنفذ مشروع سد النهضة الإثيوبي.

وقد قامت الشركة الإيطالية بتدشين بعض السدود المائية الإفريقية مثل سد جيلجل جيب الثالث في إثيوبيا، بالإضافة إلى سد Kariba في زيمبابوي، وسد Akosombo في غانا، كما أقامت الشركة الإيطالية سد Neckartal في جنوب ناميبيا بهدف ري الأراضي الزراعية.

العلاقات بين إيطاليا وإثيوبيا
رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ورئيس وزراء إثيوبيا

ويعد مجال الطاقة هو الأكثر جذبًا للاستثمارات الإيطالية في القارة. وكذلك الأمر بالنسبة للطاقة المتجددة حيث تلعب شركة Enel Green Power دورًا بارزًا في إنتاج الطاقة النظيفة من الرياح والمياه والمصادر الطبيعية في عدد من الدول الإفريقية مثل إثيوبيا وكينيا وجنوب إفريقيا وزامبيا والمغرب.

وتعمل شركة Terna في مجال بناء محطات وشبكات نقل الكهرباء، وتقوم الشركة بمشروع الربط الكهربائي بين تونس وصقلية في إيطاليا، والذي من المتوقع أن يبدأ تشغيله في عام 2025 بتكلفة 600 مليون يورو، فيما تجدر الإشارة إلى أن صناعات النقل والتصنيع الزراعي والطاقة تمثل نحو 63.6% من إجمالي المشروعات الإيطالية في إفريقيا، إذ توجد شركة Nutella الإيطالية في كل دول القارة الإفريقية، كما أن هناك وجودا صناعيا للشركات الإيطالية في دولتي جنوب إفريقيا والكاميرون.

وتنتج شركة فيريرو Ferrero لأسواق دول الكاميرون ونيجيريا ومنطقة وسط إفريقيا.

وتسعى روما إلى إقامة علاقات استراتيجية مع بعض دول شرق إفريقيا مثل كينيا والاحتفاظ بالعلاقة مع إثيوبيا، حيث تعمل المنظمات غير الحكومية الإيطالية المانحة في كينيا، وتتجاوز قيمة الصادرات الإيطالية لكينيا نحو 182 مليون يورو.

وتتمتع الصومال بأهمية وأولوية، وتقدم إيطاليا بعض المنح والمساعدات لها، ويتوقع أن تصل المنح المقدمة من إيطاليا خلال العقدين القادمين لنحو 270 مليون يورو، فضلًا عن اهتمام إيطاليا بتعزيز مشروعاتها في البنية التحتية، وهو ما يبرز في إمكانية قيام إيطاليا ببناء خط سكك حديدية يربط بين العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وميناء مصوع الإريتري.

وإذ تسعى إيطاليا إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع قارة إفريقيا، تشارك إيطاليا مع كل من تركيا وتونس في تدشين ممر النقل (إيطاليا- تركيا- تونس) الذي يستهدف إعادة تكوين أنماط التجارة بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، ويشكل قوس من الاتصال التجاري من المغرب الكبير إلى البحر الأسود بمفهومه الجيوسياسي، ويشكل هذا الممر رابطًا أساسيًا لطريق النقل من أوروبا إلى إفريقيا لا سيما غرب إفريقيا.

  1. المدخل الأمني والعسكري:

يحظى هذا المدخل بأهمية كبيرة في ضوء التهديدات الأمنية التي تواجهها دول أوروبا، لا سيما إيطاليا، بسبب ارتفاع معدلات الهجرة غير الشرعية وانتشار الإرهاب في الساحل والصحراء وتداعيات احتمالية تمدده وصولًا إلى أبواب جنوب أوروبا عبر المتوسط، ما يُهدِّد المصالح الغربية في المنطقة، وهو ما أدى إلى تزايد الاهتمام الإيطالي بمنطقة الساحل والصحراء باعتبارها منطقة شاسعة تضم عدد من التنظيمات الإرهابية التي تشكل خطرًا داهمًا لجنوب أوروبا.

ومن ثَمَّ، تسعى إيطاليا إلى المشاركة في الجهود الدولية لمواجهة الإرهاب في إفريقيا، إذ تشارك القوات الإيطالية في بعثات حفظ السلام الأممية الرئيسية التي تقودها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في إفريقيا، والتي يصل عددها إلى 13 بعثة تقريبًا.

وتكثف إيطاليا جهودها فيما يتعلق ببناء المؤسسات المحلية في إفريقيا ومواجهة الإرهاب والإتجار غير المشروع بمختلف أشكاله، وتسعى إلى تعزيز السلم في بعض بلدان القارة مثل ليبيا.

وتضطلع القوات العسكرية الإيطالية بدور كبير في إفريقيا، حيث أرسلت روما في عام 2018 أفرادًا عسكريين إلى خمس بعثات إفريقية جديدة، جاء ذلك بالتزامن مع الإعلان عن استراتيجية إيطالية جديدة تعني بالبحر المتوسط الموسع، والذي حددته بأنه منطقة شمال إفريقيا حتى منطقة الساحل والصحراء والقرن الإفريقي إلى جانب منطقة البلقان والشرق الأدنى.

وقد تم رفع ميزانية البعثات العسكرية الإيطالية في إفريقيا بنسبة 7% بهدف دعم التزامات إيطاليا في الشق العسكري. وتضم هذه البعثات البعثة الأممية لليبيا والانتشار في النيجر، وبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، وبعثة التدريب العسكري التابعة للاتحاد الأوروبي في إفريقيا الوسطى، وبعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تونس.

وتسعى إيطاليا بشكل خاص للعب دور مهم في مجال مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا، حيث تبرز المساعي الإيطالية لاستعادة الاتحاد الأوروبي لدوره في إفريقيا من خلال الإسهام في عمليات مكافحة الإرهاب مثل المراقبة الجوية لوقف إطلاق النار في ليبيا، وكذلك إرسال المروحيات المقاتلة الإيطالية إلى مالي.

ومن المقرر إرسال مئات الجنود الإيطاليين من وحدات مكافحة الإرهاب خلال الفترة المقبلة، إضافة إلى عدد من المركبات العسكرية وثماني طائرات، كما خصّصت الحكومة الإيطالية نحو 15 مليون يورو لتلك المهمة. وتُسهِم روما في فرقة عمل تاكوبا بحوالي 200 فرد و20 مركبة برية.

وقد صرّح وزير الدفاع الإيطالي، لورينزو غويريني، بوجود إيطالي في النيجر منذ عام 2018، حيث تقوم روما ببناء قاعدة لوجيستية للتعاون هناك.

ومن المقرر نشر وحدة هناك تضم 470 جنديا على دفعتين، نظرًا لما تشكله من أهمية استراتيجية بالنسبة لإيطاليا كونها تقع على مفترق طرق بالنسبة لعمليات الهجرة غير الشرعية، فضلًا عن وقوعها في منطقة تعاني من نشاطات إرهابية تقوم بها تنظيمي داعش والقاعدة، كما أن التمركز الإيطالي في النيجر يسمح لها بإجراء عمليات استخباراتية ومراقبة استطلاعية على الحدود بين النيجر وليبيا.

الانتشار العسكري الإيطالي
الانتشار العسكري الإيطالي

وأطلقت وزارة الدفاع الإيطالية مشروع ميسين MISIN Project للتدريب العسكري في النيجر من أجل تحسين مكافحة الإرهاب في الساحل.

وانضمت روما إلى التحالف الدولي من أجل الساحل بهدف بناء القدرات وتقديم المساعدات الإنمائية للشركاء في المنطقة.

وفي إطار المساعدات العسكرية لدول المنطقة، قدمت إيطاليا نحو 150 مليون يورو في إطار التعاون الثنائي مع دول المنطقة، كما دعمت ميزانيات بعض دول المنطقة مثل النيجر وتشاد بقيمة 60 مليون يورو في عام 2018.

وتولي الحكومة الجديدة في إيطاليا اهتمامًا خاصًا بمالي، مما دفعها إلى الانخراط عسكريًا بشكل مكثف في البلاد من خلال بضع مئات من العسكريين وآليات عسكرية بهدف الدفاع عن أوروبا، وذلك ضمن عملية تاكوبا، التي تستهدف تدريب قوات جيوش مالي والنيجر وبوركينا فاسو، خاصةً أنها تحظى بتأييد الاتحاد الأوروبي.

  1. المدخل التنموي والإنساني:

تستغل إيطاليا الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في معظم البلدان الإفريقية لتقديم بعض المساعدات التي من شأنها تعزيز النفوذ وتحسين الصورة الذهنية لإيطاليا في العقل الجمعي الإفريقي، خاصةً في المناطق الاستراتيجية التي تستهدفها السياسة الإيطالية، مثل الساحل والصحراء والقرن الإفريقي.

فخلال عامي 2017 و2018 قامت روما بتقديم بعض المساعدات بقيمة تجاوزت 81 مليون يورو لمشروعات تنموية وإنسانية في إثيوبيا والصومال وإريتريا. كما قدّمت الحكومة الإيطالية بعض المنح والمساعدات إلى إثيوبيا بقيمة 47 مليون يورو.

توجه إيطاليا نحو أفريقيا
توجه إيطاليا نحو أفريقيا

ثالثًا: تحديات تعزيز النفوذ الإيطالي في إفريقيا

تدرك إيطاليا حجم التحديات التي قد تقف عائقًا أمام تعزيز نفوذها وحضورها في القارة الإفريقية، خاصة أنها قررت العودة إلى إفريقيا في وقت تتكالب فيه العديد من القوى الدولية والإقليمية نحو القارة، واستطاع بعضها بناء نفوذ قوي لها سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، مما يجعل مهمة روما في إفريقيا صعبة ولكن ليست مستحيلة.

ويمكن رصد أبرز التحديات القائمة أمام إيطاليا فيما يلي:

  • غياب استراتيجية إيطالية واضحة بشأن إفريقيا:

حيث لم تصدر استراتيجية شاملة لتنظيم الوجود الإيطالي في قارة إفريقيا، ولم يتجاوز الأمر سوى بعض المبادرات تجاه إفريقيا في ظل تركيز جُلّ الاهتمام على ملفات بعينها تمس المصالح الاستراتيجية لروما، مثل الهجرة غير الشرعية والحرب على الإرهاب.

  • الانقسام الداخلي حول الانخراط الإيطالي في إفريقيا:

ثمة انقسام بين بعض الأطراف الداخلية في إيطاليا لا سيما بين اليمين المتطرف واليسار، ما بين مؤيد ورافض للانخراط العسكري الإيطالي في الساحل والصحراء.

  • التزاحم الدولي والإقليمي على إفريقيا:

أدى انخراط العديد من القوى الدولية والإقليمية في قارة إفريقيا إلى احتدام التنافس بينها، وهو ما يشكل ضغطًا على التحركات الإيطالية في إفريقيا، كما أن تضخم حجم الاستثمارات لبعض القوى الدولية الفاعلة في القارة مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية والهند يمثل عبئًا على المساعي الإيطالية في ضوء تواضع حجم الاستثمارات الإيطالية مقارنة ببعض نظيراتها.

  • التنافس الإيطالي-الفرنسي:

وهو أمر متعلق بالسياسات المتعارضة للقوى الأوروبية، لا سيما باريس وروما، بشأن التعامل مع بعض الملفات الإفريقية مثل الأزمة الليبية وملف الهجرة غير الشرعية، فضلًا عن محاولات تلك القوتين لتعزيز دورهما في نيل زمام مبادرات الاتحاد الأوروبي في إفريقيا بما ينعكس على تعزيز نفوذهما ومصالحهما الاستراتيجية في القارة.

فقد شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين أزمة دبلوماسية، وتصاعد التوتر بينهما بعد عدة تصريحات متضادة من الجانبين، فقد صرح لويجي دي مايو، نائب رئيس وزراء إيطاليا، بأن فرنسا هي ذبابة أخرى تمتص إفريقيا، وأنها تتحمل مسؤولية رئيسية في تزايد موجات الهجرة من إفريقيا.

وطالبت روما بمحاسبة باريس من قبل الاتحاد الأوروبي لكونها تعد سببًا في فقر الأفارقة، وقد أرجع ذلك إلى اعتماد 14 دولة إفريقية في غرب القارة على عملة الفرنك الإفريقي التي باتت مرتبطة بشكل وثيق بالفرنك الفرنسي لفترة زمنية قبل أن ترتبط باليورو، مع استمرار ارتباطها بالخزينة الفرنسية برغم تلك التحولات.

الأمر الذي ينذر بتصاعد الخلافات الأوروبية، مما يؤثر على الوجود الأوروبي -بشكل عام- في إفريقيا، ويمنح الفرصة لبعض القوى المنافسة مثل الصين وروسيا لملء الفراغ في المناطق الاستراتيجية هناك.

مصالح فرنسا وإيطاليا في أفريقيا
رئيس الوزراء الإيطالي السابق كونتي والرئيس الفرنسي ماكرون
  • تنامي النفوذ الصيني والروسي:

يشكل الصعود الصيني القوي وتنامي النفوذ الروسي في معظم مناطق إفريقيا مصدر تهديد وقلق للقوى الأوروبية، لا سيما فرنسا وإيطاليا، خاصةً في ظل تعاظم النفوذ الاقتصادي للصين والنفوذ السياسي والعسكري لروسيا خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يدفع إيطاليا إلى السعي لمواجهة ذلك النفوذ المتصاعد.

  • التهديدات الأمنية:

تمثل واقعة مقتل السفير الإيطالي لدى الكونغو الديمقراطية في فبراير الماضي بمثابة رسالة تحذير بتنامي التهديدات الأمنية ضد المصالح الإيطالية في إفريقيا، في ضوء تصاعد نشاطات العديد من التنظيمات الإرهابية التي تتمركز في بعض الدول الإفريقية، والتي تستهدف بالأساس المصالح الغربية في مناطق تمركزها، ما يشكل ضغطًا على التحركات الإيطالية خاصةً على المستوى الاقتصادي، كما أنه قد يؤدي إلى استنزاف خزينتها من أجل تقديم المزيد من الدعم المادي للشق الأمني للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في القارة.

  • تخوفات المستثمرين:

تتزايد المخاوف لدى العديد من المستثمرين الإيطاليين وأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة من التوجه باستثماراتهم تجاه الدول الإفريقية، نظرًا لتعقد السياق الإقليمي وبيئة التفاعلات المحلية في بعض دول القارة، وانعدام الأمن في بعضها، وانتشار التنظيمات الإرهابية التي تستهدف المصالح الدولية، ما يشكل عبئًا على الحكومة الإيطالية من أجل توفير الضمانات لمستثمريها للانخراط في بيئة الاستثمار الإفريقية، كما أن الأزمات الاقتصادية التي تواجه إيطاليا في ظل تداعيات تفشي جائحة “كوفيد-19” قد أثرت سلبًا على معظم المستثمرين.

الجيش الإيطالي
عناصر وطائرات تابعة للجيش الإيطالي

ختاما، يبدو واضحًا إصرار إيطاليا على لعب دور واسع في إفريقيا خلال المرحلة المقبلة بهدف تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي هناك، وفي سبيل ذلك، تستغل روما بعض المداخل المهمة والقضايا المحورية التي تمس الأمن القومي للدول الإفريقية مثل الإرهاب والتنمية والهجرة.

وقد باتت إيطاليا تهتم بتعزيز علاقاتها مع بعض الدول الإفريقية، بل وتتخذها مرتكزًا لها للتمدد إلى باقي القارة، مثل ليبيا ودول القرن الإفريقي ودول الساحل والصحراء، ولكن يظل توسيع إيطاليا لنفوذها في إفريقيا مرهونًا بتجاوز التحديات التي تواجهها، لكي تضمن تحقيق أهدافها وتعظيم مصالحها وإيجاد موطئ قدم مهم في دوائر اهتمامها بالقارة.

اقرأ أيضًا:

لعنة الموارد: الصراع على إفريقيا الفرانكفونية

آلان جريش: المهاجرون كبش فداء لفشل نيوليبرالية أوروبا

حرب فرنسا على الإرهاب في الساحل والصحراء.. ذراع طولى لا تقطف ثمارًا

أحمد عسكر

باحث مختص في الشأن الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى