مصريات امتهن العمل من البيت:

إن سعيهنَّ عظيم

لم تكن هدير نوَّار، بكالوريوس زراعة، في مزاج جيد طيلة الأشهر الماضية. القلق يرسم خطوط النَكَد فوق جبينها، أيام صعبة، وراتب الشهر يهرب من مصاريف البيت الثقيلة، بعد أقل من أسبوع. تعبتْ هدير.

ابنة الـ26 عامًا لم تكن قادرة على تحمل الذهاب والعودة من وإلى عملها يوميًّا. يبدأ في  الساعة السابعة صباحًا وينتهي في الرابعة عصرًا. بطنها بارز. حامل في شهرها الأول، وكل ما تحصل عليه 1400 جنيه شهريًّا. الإدارة في إحدى الشركات الخاصة التي تعمل في مجال تغليف الدواجن، لا تعطيها راتبها بالكامل، في غالب الشهور تحصل على ثُلثه، بسبب الخصومات.  

تمر الشهور ثقيلة، بعد أن وصلت هدير في حملها إلى الشهر الخامس اتخذت القرار برفقة زوجها، وتخلت عن الوظيفة. وظيفة لم تكن تخلو من تعنت المديرين في إعطاءها إجازة ليوم أو يومين حتّى، بسبب وضع حملها الصعب. 

وبعد أن وضعت حملها قررت أن تعمل من خلال المنزل في مجال تجهيز مستلزمات العرائس مثل “بوكيهات الورد” والمشغولات، وغيرها مما تحتاج إليه الفتيات المقبلات على الزواج. ظلت على مدار 4 سنوات تُطوِر في عملها وتضيف منتجات أخرى جديدة حتى أصبحت من أشهر صُنَّاع “الهاند ميد” في مدينة بنها بمحافظة القليوبية.

انفرجت أسارير هدير، وامتد صيتها إلى المحافظات المجاورة من خلال صفحة موجودة على فيس بوك وصل عدد متابعيها إلى نحو 40 ألفًا، بالإضافة إلى المعارف والأصدقاء الذين يروجون كل دقيقة لعملها المتميز.

صناعة الورد المنزلي – أرشيفية

قصة هدير مستمرة! في أحد النقاشات عما إذا كان العمل له مردود وعائد يستحق كل هذا التعب، خصوصًا مع وجود 3 أطفال (الآن)، قالت هدير إن دخلها في الشهر في موسم العمل (من شهر مايو/ أيار إلى شهر أكتوبر/ تشرين الثاني 2020) تقريبًا، يصل في بعض الأحيان إلى 8000 جنيه شهريًّا، وهو رقم يرضي أسرتها ويكفي مصاريف البيت وطلبات الأبناء.

لم تكن هدير وزوجها بعيدين عن حالة الركود الاقتصادي التي تضرب العالم عمومًا والمنطقة العربية خصوصًا، حيث فقد زوجها عمله بالدولة الخليجية التي كان يعمل بها لمدة 10 سنوات على إثر اتخاذ مجموعة من سياسات التقشف. رجع الزوج بلا عمل، لمدة تقترب من 8 أشهر، وأنفق كل ما ادخره تقريبًا. يساعد الزوج زوجته الآن، في مجال الهاند ميد والأكسسوارات، حتى صار لديهما أكثر من محل يعرضون فيه منتجاتهم.

لجائحة كورونا رأي

لكن جاءت جائحة كورونا المستجد (كوفيد-19) في بداية العام الحالي، فعاد القلق يضرب على الأبواب. توقف العمل وصارت هدير وزوجها من دون دخل. 6 أشهر من المعاناة انقطعت مع دخول فصل الصيف الماضي، وتراجع انتشار الفيروس، وفك حظر التجول، ورواج الأسواق،  لكن ما إن عاد فصل الشتاء حتى بدأت شائعات الإغلاق مجددًا تتزايد، مع دخول العالم الموجة الثانية من كورونا. هل ستكون هناك إجراءات احتزازية جديدة؟ هل تفرض الحكومة المصرية حظر تجوال صحيًّا مجددًا؟ “إن شاء الله مافيش إغلاق تاني”؛ تصبّر هدير نفسها في انتظار مفاجآت الشتاء.   

العمل من المنزل بسبب كورونا - تعبيرية

“إن فاتك الميري، اتمرّغ في ترابه”. هذا المثل الشعبي المصري اختارته عزة على حسن، التي تسكن وزوجها حي الفسطاط بمحافظة القاهرة، لتؤكد على الأهمية الجزئية للوظيفة الحكومية التي تشتغل بها، لكنها تضيف أنها أعطت بقية الأهمية لتنمية موهبتها التي ما لبثت أن تحولت إلى مهنة، ومصدر دخل: “كروشيه هاند ميد” لدرجة أنها قررت أن توزع جهدها بين الوظيفة وبين مشروعها الذي بدأ منذ ربع قرن تقريبًا! 

تقول عزة (46 عامًا): “لم أرزق بأطفال، وهذه مشيئة ربنا، وتقبلنا الأمر أنا وزوجي، لكن كنت طول الوقت أفكر في الموضوع، وحسيت إني هادخل في دوامة واكتئاب من كتر التفكير، فقررت أشغل وقتي وذهني بحاجة تشغلني وتخفف عني، ومن هنا بدأت بـ10 جنيهات جبت بيهم خيط وإبره.. الكلام ده من 25 سنة.. وبدأت أشغِل كروشيه، وأهادي بيه قرايبي وجيراني، لحد لما اقترحت عليّ جارتي إني أحول موهبتي لمشروع”.

وبالفعل بدأ مشروعها يؤتي ثماره، وبالتوازي تدرِّب بعض النساء من الجيران والأقارب كعمل تطوعي، وتطوِّر إنتاجها للدرجة التي أصبحت معه تستطيع المشاركة في معارض المشروعات متناهية الصغر. توضح أكثر: “بدأت أروح معارض تبع وزارة التضامن زي معرض ديارنا، وكانوا بياخدوا نسبة بسيطة من البيع مقابل عرض المنتجات. دلوقتي بانزل معارض تبع جهاز تنمية المشروعات الصغيرة، ده غير الحصة اللي بتحصل عليها كل محافظة بنص الثمن، زي المعرض اللي بيقام في أرض المعارض بالتجمع الخامس”.

قصتا مروة وعديلة

لم يكن أمام مروة نبيل، ربة منزل، 45 سنة، من مدينة حلوان، سوى التخلي عن الوظيفة الحكومية، وهي التي كانت تعمل في إدارة الحسابات بمستشفى حكومي. تقول: “تخليت عن الوظيفة بعد الزواج وبعد أن رزقت بطفلة، قررت أكرس كل وقتي ومجهودي للبيت ولبنتي الأولى ولجوزي”.

تشرح مروة أن شغلها في الهاند ميد “كروشيه” منذ 18 عامًا لم يجعلها تدخر أي شيء بسبب ضعف العائد، فكانت تصرف جزءًا منه على الخامات وجزءًا على البيت والأولاد.

بصوت مليء بالفخر والهدوء، أكدت مروة أن زوجها متكفل بجميع التزامات البيت وطلبات بناته، لكنها تشعر بقيمتها وبالرضا حين تدفع ثمن ملابس لبناتها أو أن توفر شيئًا ناقصًا في البيت، “حاولت أعرض شغلي في معارض تبع الأسر المنتجة لكن ارتفاع أسعار حجز مكان للعرض كان مكلف وفوق طاقتي، لكن برضه راضية ومبسوطة بشغلي وإن شاء الله هيتطور”.

عديلة العزب صاحبة مشروع الأكل المنزلي

عديلة العزب سيدة في العقد الخامس من عمرها، لا تجيد القراءة ولا الكتابة، ولكنها قررت أن يكون لها دخل من عمل خاص بجانب رعاية أطفالها.

تقول عديلة: “عندي بنتين، واحدة في الجامعة، والتانية في الثانوية العامة. جوزي كان بيصرف علي والدنيا ماشية، لكن مع الوقت وبفعل الظروف الاقتصادية ووجود كورونا، حسيت إني لازم أساعد جوزي، لتخفيف الضغوط الكتيرة عليه، فقررت أعمل الحاجة اللي باعرفها وباحبها وهي الطبخ.. وبدأت أعمل أكل بيتي لمعارفي والناس بقت تقول لبعض عن أكلي، وبعض الستات شاروا عليّ إني أعمل صفحة على فيس بوك وجروب على واتساب، وفعلاً بناتي همّ اللي بيردوا على الناس دلوقتي”.

صورة لأنواع الطعام الذي تعده عديلة العزب

غالبية النساء اللاتي تواصلت معهن “ذات مصر”، كن يمتلكن ميزة أساسية في حياتهن وهي تفهم الزوج وتشجيعه للزوجة، على الرغم من أن فيهن حالات ميسورة ماليًّا.

عزة حسن تؤكد أن وضعها المادي هي وزوجها جيد إلى حد بعيد. لم تُرزق بأطفال، فقررت أن تركز جهدها على إنجاح مشروعها بدعم من زوجها وأخيها.

تقول سارة يسري، 30 عامًا، حاصلة على بكالوريوس سياحة وفنادق قسم إرشاد سياحي، إنها ظلت تعمل في مجال السياحة حتى حدثت أزمة في قطاع السياحة منذ عدة سنوات، ما دفعها للعمل في مؤسسات المجتمع المدني وبالتحديد العمل على قضايا العنف ضد المرأة، وأيضًا عملت في مجال الكول سنتر وحضانات الأطفال، لكن بعد الزواج والحمل توقفت عن العمل، ثم فكرت في العمل من خلال المنزل لتستطيع مراعاة طفلها، والحصول على بعض العائد.

سارة يسري صاحبة مشروع الكروشيه وأشغال الهاند ميد

اضطرت سارة إلى أخذ عدد من الكورسات لثقل موهبتها في حب الهاند ميد: “في البداية كنت باعتمد على طلب الأصحاب والقرايب. كنت بعمل لهم  بعض الحاجات، واللي ماكنتش باعرفه في الهاند ميد كنت بادوّر عليه في اليوتيوب، ولما كان يجيلي شغل مش عارفة يتعمل إزاي والباترونات بتاعته بتتعرض بفلوس، كنت باشتريها بالفيزا أون لاين”.

دافعٌ آخر جعل سارة تجتهد في عملها المنزلي: “الشغل برة البيت أصعب وبياخد وقت كبير، وده كان صعب مع وجود طفل صغير، لكن شغل البيت ضغطه بيبقى أحيانًا مش طول الوقت، إلا لما يجيلي طلبات مع بعضها ولازم تتسلم في وقت واحد”.

وعن الإحساس بالأمان المادي تقول: “كل اختيار منهم وليه عيوبه ومميزاته، يعني الوظيفة سواء حكومية أو قطاع خاص ليها دخل ثابت مضمون بس مش مناسبة لظروفي، لكن شغلي في الهاند ميد دخله قليل ومش ثابت لكن بامتلك وقتي وباراعي ابني جنب الشغل. عمري ما فكرت في الوظيفة الحكومية، لأن المرتبات طبعًا ضعيفة ولأنه مافيش تعيينات أصلاً”.

وعن مدى رضائها عن العائد المادي من شغل الهاند ميد، تشير سارة إلى أن العمل من المنزل في حرفة يدوية مثل الكروشيه يعتمد بالأساس على المجهود العصبي والعضلي لفترات طويلة، وبتالي العائد مقابل المجهود غير متكافئ ولا يرضيها في بعض الأحيان. تشرح سارة كيف أن زوجها قدم لها المساعدة بتسليم المنتج للمشتري، أو بالتخفيف عنها وتولي مسؤولية الطفل خلال فترة عملها على طلبات الهاند ميد.

صور من أعمال سارة يسري
شكرًا للأون لاين!

كثيرات من النساء اللائي تحدثن إلى “ذات مصر” قلن إن الإنترنت ساعدهن كثيرًا في تسويق المنتجات والوصول إلى أكبر قدر من المشترين، أو على أحسن تقدير سمح لأكبر عدد من الجمهور بالتعرف على النوعيات والأشكال المعروضة للبيع، وهذا لم يكن متاحًا في السابق.

يوجد أيضًا العديد من الأشغال التي تمتهنها النساء من المنزل، مثل تصنيع الطعام الجاهز، وبيع المفروشات والملابس التي تجذب جمهورًا واسعًا بسبب أسعارها المنخفضة نسبيًّا عن المحلات، التي تضيف هامش تكلفة الضرائب والإيجار والفواتير.

من يحمي حقوقهن؟

بالبحث والتقصي عن مصدر رسمي أو غير رسمي لمعرفة عدد النساء المصريات اللاتي يعملن من خلال المنزل لم نحصل حتى الآن على بيانات. لا يوجد حتّى تعريف واضح لهذه الشريحة في مصر، ولا نقابة أو رابطة تجمعهن، فالمعلومات نادرة للغاية، وقد فتنشنا في موقع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء والمنوط به تقديم معلومات ودراسات تفصيلية عن هذا النوع من الأعمال، فلم نجد شيئًا. وهذا الوضع يحرم هؤلاء النسوة اللائي يعملن من البيت، من وجود مظلة حكومية تحميهن: تأمين صحي أو اجتماعي مثلاً، كما يحدث في بعض الدول.

الباحثة في التمثيل الاقتصادي للنساء منى عزت، تقول لــ”ذات مصر” إن  الدولة اتخذت خطوات تجاه النساء اللاتي ليست لديهن وظائف، بأن أصدرت عددًا من التشريعات مثل قانون التأمين الصحي والاجتماعي الشامل لحماية العمالة غير المنتظمة، لكن لم تُفعَّل هذه القوانين بعد، داعية لحصر وتعريف تلك العمالة كي تشملها الحماية القانونية: “المشكلة أن السيدات اللائي يمتهنّ العمل من المنزل، غير مرئيات”!

“عزت” ثمنت من جهود بعض الجمعيات الأهلية في القرى التي على صلة وطيدة بالنساء العاملات في البيوت، حيث “توفر لهن  العديد من الخدمات، مثل التدريب والمساعدة على عمل المشروعات وطرائق التسويق”، وبالتالي يمكن للدولة الاعتماد على تلك الجمعيات فى محاولة الوصول إلى أكبر عدد من الشرائح العاملة في هذا القطاع غير المنتظم.

وتضيف: “يمكن للدولة تقديم آليات وفرص دائمة للتسويق من خلال المساعدة في تحسين جودة المنتج وفرص للتسويق من خلال المعارض، وبناء تعاونيات ووحدات إنتاجية للاستفادة من تلك القوى الإنتاجية بنحو أفضل. بصراحة، توجد أزمة في وجود رؤية شاملة ومستدامة لدى الجمعيات الأهلية بمفردها لإستراتيجية عمل طويلة لفتح أسواق جديدة للنساء، وهذه نقطة يجب العمل على حلها”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

داليا موسى

باحثة مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram