سياسة

العودة إلى مربع الفعل.. مصر تنجح في إرساء قواعد الاستقرار بالمنطقة

بعد مرحلة انتفاضات الربيع العربي، انشغلت مصر بأولويات ترتيب البيت الداخلي، ما خفّض مساحات التحرك الإقليمي، قبل أن تستعيد نشاطها الدبلوماسي بصورة مكثفة، ظهر ذلك في التحركات الأفريقية، والدور المصري الرئيسي في وقف إطلاق النار في غزة.

في السطور التالية المترجمة بتصرف عن موقع موقع ذا هيل، رصدٌ لتحركات مصر الأخيرة من أجل استعادة دورها في مربع الفعل إقليميًا.


في 21 مايو الماضي، توسطت مصر لتحقيق وقف إطلاق النار، بين إسرائيل وحماس، بعد 11 يومًا من القصف الإسرائيلي الكثيف لقطاع غزة، مقابل صواريخ الفصائل المسلحة في القطاع التي وصل بعضها إلى تل أبيب..بهذا التحرك الفعّال والمهم جددت القاهرة  دورها في المنطقة، والذي لحقه تحرك أبعد مما سبق لها القيام به، حيث استضافت في 30 مايو المنصرم، وزير خارجية إسرائيل في القاهرة لأول مرة منذ 13 عامًا.

العودة لمربع الفعل

يبدو ذلك جزء من تحول بطيء، لكنه حثيث، لمصر، وهي تحاول استعادة دورها القيادي في الشرق الأوسط.

لقاء وزير الخارجية المصري ونظيره الإسرائيلي
لقاء وزير الخارجية المصري ونظيره الإسرائيلي

تتزامن هذه الزيارة الرمزية التي أجراها الوزير الإسرائيلي جابي أشكنازي إلى القاهرة للقاء نظيره المصري سامح شكري، مع تكثيف مصر اتصالاتها مع دول القرن الأفريقي.

وفي نفس الوقت، وأثناء ما كان أشكنازي بالقاهرة، كان رئيس جهاز المخابرات العامة، اللواء عباس كامل، يلتقي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

اقرأ أيضًا: الإعلام الإسرائيلي: مصر الفائز الأكبر من عملية “حارس الأسوار”.. وتعاظم دورها “ليس في صالحنا”

وعلى الرغم من أن العلاقات المصرية الإسرائيلة يرجع تاريخها إلى عقود مضت، حيث كانت مصر أول دولة عربية توقع اتفاقية سلام مع إسرائيل في 1979، إلا أن هذه العلاقات اتسمت بالبرود في معظم الأوقات. وفي كثير من الأحيان، لم تكن هناك زيارات دبلوماسية معلنة، بل في أحيانٍ كثيرة لم يكن السفير الإسرائيلي بالقاهرة مقيمًا في مصر، بسبب التوترات.

أجندة جديدة للقيادة إقليميًا

وتعد التحركات المصرية الآن جزءًا من أجندة أوسع للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. بعد مضي ما يقرب من عقد على 25 يناير التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، تغير وضع مصر من دولة عربية مركزية تصدر الثقافة والقوة والقيادة، إلى الميل أكثر نحو الانعزال الداخلي.

جاء السيسي إلى السلطة. أطاح بجماعة الإخوان المسلمين، ثم أمضى السنوات الماضية في إعادة بناء نفوذ البلاد، بالتدريج، ليصل هذا النفوذ بشكل متراكم إلى كل من شمال وشرق أفريقيا، ففي نهاية شهر مايو الماضي، أرسلت مصر طائرات محملة بمساعدات إنسانية إلى جيبوتي، ثم توجه السيسي إلى هناك لإجراء محادثات دبلوماسية.

وعلى الرغم من كون جيبوتي دولة صغيرة، إلا أنها تستضيف قواعد استراتيجية للقوى الغربية، وتلعب دورًا كبيرًا من الناحية الأمنية في القرن الأفريقي.

السيسي
أمضى السيسي السنوات الماضية في إعادة بناء نفوذ البلاد، بالتدريج

بعد جيبوتي، أجرت مصر مناورات عسكرية مشتركة مع السودان، كما وقعت مع كينيا اتفاقية فنية جديدة للتعاون الدفاعي.  كما زار رئيس أركان القوات المسلحة المصرية، الفريق محمد فريد، كلًا من كينيا ورواندا. أيضا أجرت مصر تدريبات مشتركة مع الإمارات العربية المتحدة وباكستان، وأرسلت قافلة مساعدات إلى قطاع غزة.

شراكات تنموية

تقول “ذا هيل”، إن هذا التواصل المصري المكثف مع الدول الأفريقية، لا يقتصر على تصدير النفوذ والعلاقات العسكرية أو الأمنية فحسب، على خلفية القلق المصري من مشروع سد النهضة؛ بل امتد إلى تمتين العلاقات الاقتصادية، والمساهمة في مشاريع واستثمارات ذات طابع تنموي في تلك الدول.

بالإضافة إلى ذلك، لعبت مصر دورًا مهمًا في ليبيا، التي كانت تمثل للقاهرة بوابة لتصدير الإرهاب والمتطرفين.

وفي حين تفاقمت التوترات بين مصر وتركيا، انطلقت مصر نحو شراكات أوثق مع كل من اليونان وقبرص.

السيسي في جيبوتي
السيسي ونظيره الجيبوتي

ولا يمكن أيضًا تجاهل التواصل المصري مع الحكومة السورية، ودعوة وزير الخارجية المصري، سوريا، إلى العودة لمقعدها في الجامعة العربية، بعد 10 سنوات من تعليق عضويتها بسبب الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد.

الصورة الكاملة

ترسم “ذا هيل” من فسيفساء الجهود والتحركات المصرية الخارجية هذه، صورة إجمالية، يتضح منها بدء استعادة القاهرة لدورها القيادي في المنطقة، والذي لطالما اضطلعت به.

اقرأ أيضًا: كيف يؤثر التقارب المصري التركي على الأزمة الليبية؟

تسعى القاهرة بشكل واضح لإرساء الاستقرار في كل من ليبيا وسوريا، وها هي تفعل في غزة. هذه الثلاثة هي مراكز رئيسية راهنة للصراع في منطقة الشرق الأوسط، وإذا تمكنت مصر من العمل على الحد من التوترات في هذه المناطق، فستكون قد نجحت فيما فشل فيه كثيرون على مدار العقد الماضي، بما في ذلك دول عظمى، وهو إرساء قواعد الاستقرار في المنطقة.

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى