مصير مجهول

نقص "أكياس الدم" يُهدد حياة آلاف المصريين

على مدار أكثر من شهر، اعتاد “محمد إسماعيل” التوجه إلى مركز الدم الإقليمي (حكومي) في منطقة العباسية (وسط القاهرة) للحصول على جرعته الدورية من أكياس الدم اللازمة لاستمرار حياته، لكنه -في كل مرة- كان يعود أدراجه صفر اليدين، ليصاب باليأس ويقرر المكوث في منزله.

قبل 42 عامًا، اكتشف الأطباء إصابة “إسماعيل” بمرض الهيموفيليا الوراثي الذي يؤدي لسيولة الدم، ومنذ ذلك الحين، بدأ في تلقي جرعات من مشتقات الدم (البلازما، والكرايو)، ليبقى على قيد الحياة؛ إلا أن فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) قطع شريان الحياة الذي يُغذي “إسماعيل” وغيره من أصحاب الأمراض المتعلقة بالدم، ومصابي الحوادث وغيرهم.

يعول “إسماعيل” زوجة وطفلين، ويعمل سائقًا لأكثر من 10 ساعات يوميًّا، وذلك في حال قدرته على الحركة التي تتوقف على تلقيه جرعات الدم الأسبوعية.

مع تسجيل أولى حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في مصر، تناقصت أعداد المتبرعين بالدم تدريجيًّا، وهو ما انعكس على “إسماعيل” الذي ساءت حالته بسبب عدم تلقّيه الجرعات الأسبوعية، كما يقول لـ”ذات مصر”.

يُضيف: “الآلام تشتد كل ليلة، وأحيانًا أصاب بنزيف حاد، في حين لا أجد أكياس الدم التي كانت متوافرة قبل أزمة كورونا، وكلما ذهبت إلى مركز الدم الإقليمي يخبرني العاملون بوجود نقص في أعداد المتبرعين بسبب الخوف من العدوى”.

حاول “إسماعيل” الحصول على “جرعة دم” من الهلال الأحمر بمنطقة رمسيس (جنوب القاهرة)، لكنه فشل أيضًا، لتدهور حالته بعد نحو شهر، ويصاب بنزيف حاد أثّر على مفصل الركبة وسبب له ثقلًا في الحركة.

لجأ “إسماعيل” مؤخرًا لتناول الأدوية المسكنة، ومضادات الخشونة والالتهاب، لتخفيف أعراض وهن الركبة الذي أُصيب به نتيجة عدم تلقي الجرعات المحددة

بلاعمل ولاحركة

لا يزال “محمد متولي” (26 عامًا – مصاب بالهيموفيليا)، يتذكر ليلة الـ15 من أبريل الماضي، حين لم يستطع النوم بسبب آلام المفاصل الحادة التي تعرّض لها، بسبب عدم تلقي جرعات كافية من أكياس الدم.

قضى “متولي” ليلته ينتظر الصباح، وما إن أشرقت الشمس حتى توجه لبنك دم المصل واللقاح بمحافظة القليوبية شمال القاهرة، للحصول على جرعة من أكياس الدم، لكنه لم يتمكن من الحصول على الجرعة المحددة له والتي تتراوح ما بين 10 – 15 كيس دم (الكيس 100 جرام) أسبوعيًّا، كما يروي لـ”ذات مصر”.

يتابع: “كان المفترض أن أتلقّى يومها 5 أكياس دم، لكني لم أجد ما يكفي، وظللت أعاني من النزيف حتى أُصبت بتيبس مفصل الركبة، ما أدى لإعاقة في قدمي وتركت عملي كسائق توك توك، لأنني لم أعد أقوى عليه، وأعيش حاليًّا على المسكنات”.

يُكمل: “البنك تأثر بأزمة كورونا ونقص المتبرعين بسببالخوف من كورونا إلى جانب دخول شهر رمضان، وذهبت إلى المركز الإقليمي بالعباسية كبديل عنه، إلا أنني لم أجد أكياس دم، ولم يكن الهلال الأحمر أفضل حالًا منهما”.

حياة في خطر

“هناك خطورة على حياة مرضى الهيموفيليا إذا لم يتلقّوا جرعات الدم والعلاج المناسب، وقد يصل الأمر إلى الوفاة”.. بهذه الكلمات يشرح الدكتور “رأفت عبدالفتاح”، أستاذ أمراض الدم بكلية طب قصر العيني وعضو الجمعية المصرية لأمراض الدم (غير حكومية)، المضاعفات المحتملة التي قد تحدث لمرضى الهيموفيليا، في ظل أزمة نقص أكياس الدم التي خلقها فيروس كورونا.

ويوضح “عبدالفتاح” أن هناك طريقتين لعلاج مرضى الهيموفيليا؛ الأولى هي استخدام مشتقات الدم وحقنة الفاكتور غالية الثمن التي تعوضه عن نزيف الدم في حال الصدمات الشديدة في مناطق الركبة أو البطن، مشيرًا إلى أن الطريقة الثانية تعتمد على استخدام الأدوية التي تُقلل من احتياجه لمشتقات الدم، وهي 5 أدوية باهظة الثمن.

ويتابع: تكرار النزيف دون الحصول على مشتقات الدم يؤدي لحدوث تآكل في مفاصل المريض نتيجة ترسيب الدم حولها، وقد يحدث للمريض نزيف شديد يمكن أن يؤدي لوفاته.

خلايا دم متكسرة

تتطابق معاناة مرضى الهيموفيليا مع مرضى أنيميا البحر المتوسط (الثلاسيميا)، الذين يحتاجون أيضًا لتلقي جرعات من الدم للبقاء على قيد الحياة.

قبل انتشار فيروس كورونا، كان “عبدالحميد بدوي” (40 عامًا)، يحتفظ في ثلاجته بأكياس دم احتياطية للطوارئ، تحسبًا لأي مشكلة قد تحدث بالمركز الإقليمي لبنك الدم الذي يتلقى منه الجرعة في مدينة المنصورة مركز محافظة الدقهلية (شمال مصر).

تبلغ الجرعة التي يتلقّاها “بدوي” 10 أكياس دم على مرتين أسبوعيًّا، لكن مع الأزمة التي خلقها فيروس كورونا لم يعد يحصل سوى على كيس دم واحد طوال الأسبوع، بحسب حديثه لـ”ذات مصر”.

يستكمل: “خلايا دمي تتكسر كل فترة بسبب نقص الجرعة المحددة، ويسبب ذلك إجهادًا شديدًا لا أقوى معه على الحركة، وتأثرت بشدة في عملي بسبب ضعف حركتي وشعوري الدائم بالإجهاد، وإذا تعرضت لنزيف لن أجد جرعتي، واستمرار النزيف يُعرّض حياتي للخطر”.

يقول “عبدالحميد بدوي”، إنه لم يحصل على جرعته الأسبوعية المخفضة في آخر مرة ذهب فيها إلى المركز الإقليمي. مضيفًا أن المتبرعين يُحجمون عن التبرع خوفًا من عدوى كورونا.

الجرعة أو الموت

من جانبه، لا يستبعد الدكتور “حسين همام”، استشاري أمراض الدم بجامعة عين شمس، وعضو الأكاديمية الطبية العسكرية، وفاة مريض الثلاسيميا في حال عدم حصوله على جرعة مشتقات الدم اللازمة له، مبينًا أن المرضى يصبحون عرضة لضعف عضلات القلب في حال عدم تلقي الجرعة.

ويضيف “همام” لـ”ذات مصر” أن نقص الدم يمكن أن يصيب المرضى بضعف النمو، وتأخر كل علاماته كالبلوغ، وعدم القدرة على الحركة بشكل طبيعي، وتقليل الحديد في الجسم وترسيبه في الأنسجة وتدمير الخلايا، كما أن مرضى الثلاسيميا معرضون للإصابة بداء السكري، أو الوفاة المبكرة.

ويوضح استشاري أمراض الدم أنه لا توجد بدائل علاجية لمرضى الثلاسيميا سوى عملية زراعة النخاع العظمي التي لا بد أن يكون هناك متبرع ذو نخاع عظمي سليم ليتم زارعته في جسد مريض الثلاسيميا فينتج له دمًا بشكل طبيعي.

"بسمة".. أم تبرّع الأطباء بدمهم لإنقاذها

أوائل أبريل الماضي، لم يكن هناك صراخ يعلو في قسم النساء والتوليد بمستشفى قصر العيني على صراخ “بسمة محمد” (26 عامًا)، التي كانت تضع طفلها في إحدى الليالي.

وصلت “بسمة” إلى المستشفى وهي تعاني من مخاضٍ عسير وتنزف بشدة، وفور دخولها إلى غرفة العمليات، أخبر الطبيب ذويها بأنها تحتاج إلى نقل دم سريعًا، لكن بنك الدم الداخلي في القسم والبنك الرئيسي للمستشفى لم يتمكنا من توفير أكياس الدم، بسبب العجز الحاصل نتيجة تداعيات أزمة فيروس كورونا.

تقول “بسمة”: “قرابة ساعة كنت أنزف بشدة داخل غرفة العمليات، وشعرت بالموت، وانقلبت المستشفى رأسًا على عقب بحثًا عن أكياس دم دون جدوى، ولولا تبرع أحد أفراد الطاقم الطبي بالدم لما كنت على قيد الحياة”.

بنوك الدم في أزمة

تُعاني بنوك الدم الداخلية في المستشفيات من نقص أكياس الدم المخصصة للحالات الطارئة كالولادة والعمليات الجراحية، بسبب تداعيات أزمة كورونا، وفقًا لما وثّقه “ذات مصر”.

وتؤكد الدكتورة “إنجي عبدالله”، طبيبة في بنك الدم الرئيسي بمستشفى قصر العيني، أن المركز يعاني من نقص شديد في أعداد المتبرعين بسبب جائحة كورونا، مرجعةً ذلك إلى الخوف الذي تصفه بالوهمي من العدوى.

وتوضح “إنجي” أن قصر العيني به أكثر من بنك دم، فكل قسم له بنك خاص مثل العمليات الجراحية والولادة، وهناك بنك رئيسي هو الذي تتم فيه عمليات التبرع”.

وتكشف الطبيبة ببنك الدم أنها اضطرت مع عدد من زملائها للتبرع لبنك الدم الرئيسي، لإنقاذ حالة سيدة كانت تضع مولودها واحتاجت لـ3 أكياس دم. مضيفةً أن أغلب الأهالي الذين يترددون على المستشفى لا يكونون مناسبين لعملية التبرع، وهو ما أدى إلى نقص في أكياس الدم بشكل عام، وفصيلة o+ بشكل خاص في ظل استمرار قصر العيني في تلقي حالات الحوادث والولادة.

هاجس العدوى يُلاحق المتبرعين

قبل 4 أشهر، كانت “هاجر محمد” (27 عامًا) تواصل بنشاط عملها في مبادرات التبرع بالدم التابعة لبنوك الدم الحكومية؛ إلا أن الحال تغير مع تسجيل تزايد حالات الإصابة بفيروس كورونا.

تقول “هاجر”: “منذ انتشار الجائحة في مصر، وأنا أخشى النزول للتبرع كما كنت أفعل قبل ذلك، أشعر كأن القطاع الصحي في مصر أصبح بؤرة للعدوى، وأخشى من عدم تعقيم الأدوات بشدة أو أن يكون مستخدموها من مصابي الفيروس، ولا أعلم صحة ذلك، لكنه هاجس قوي قيّد نشاطي في مجال التبرع بالدم”.

ويؤكد مسئولون بعدد من بنوك الدم الرئيسية بمصر تراجع أعداد المتبرعين بالدم، نتيجة الخوف من الإصابة بفيروس كورونا المستجد.

ويقدر الدكتور “حاتم أبو القاسم”، مدير المعهد القومي للأورام (حكومي)، أن تبرعات الدم تناقصت بنسبة 30%، بسبب تداعيات الجائحة.

ويضيف مدير المعهد أن تبرعات الدم في المعهد قلت بشكل كبير، بسب خوف المتبرعين من التواجد بالأماكن المزدحمة، لا سيما مع دخول شهر رمضان، مشيرًا إلى أن المعهد أوجب على المريض الذي سيُجري جراحة توفير أكياس الدم الخاصة به، سواء من ذويه أو أحد المتبرعين التابعين له.

بينما يقول “محمد عبدالنبي”، مدير العلاقات العامة بالمركز الإقليمي لنقل الدم بالمنصورة (شمال القاهرة)، إن أعداد المتبرعين تراجعت بنسبة 40% بسبب الخوف من العدوى، رغم اتّباع المركز إجراءات وقائية شديدة داخل المركز وحملات التبرع الخارجية.

وتضيف الدكتورة “بانسي وليم”، مدير بنك الدم بالمركز الإقليمي بالمنصورة، إن أزمة الدم عمومًا في مصر مرتبطة بعدم وجود ثقافة للتبرع، فجميع المتبرعين يأتون للمركز بصورة عشوائية وانقطعوا عن التبرع بعد أزمة كورونا، ولا يوجد متبرعون يكون لهم دور في الأزمات، لا سيما أن الأمراض المتعلقة بالدم دائمة طوال حياة المريض.

جمعيات الدم عاجزة في مواجهة الجائحة

أمضى “يحيى عبدالحليم” يومًا بأكمله يطوف على بنوك الدم أملًا في أن يجد جرعة دم لنجله “محمود” (22 عامًا) المولود بأنيميا البحر المتوسط (الثلاسيميا)، لكنه لم يحصل على شيء، واضطر للعودة إلى منزله بعد أن خارت قواه.

على مدار أكثر من شهر، واصل “يحيى” البحث عن أكياس الدم متنقلًا بين بنك الدم الحكومي بمنطقة كوم الدكة بالإسكندرية (شمال القاهرة)، وبين الجمعيات الخيرية المخصصة لدعم المصابين بأمراض الدم.

يقول “يحيى”: “ابني لا يُعالج على نفقة الدولة، وكنت قبل أزمة كورونا أحصل على جرعته 4 أكياس دم (الكيس 300 مل) مرتين أسبوعيًّا من بنك الدم على حسابي الخاص بـ60 جنيهًا للكيس الواحد بجانب مستلزماته الأخرى، ولكني لا أجده حاليًّا في أي مكان”.

ويُضيف “يحيى” أن نقص الجرعات يؤدي لتكسر خلايا دم نجله وإحساسه بالإجهاد، مشيرًا إلى أنه يُعاني حاليًّا من تآكل في مفصلي الكوع بسبب نقص جرعة الدم، وعدم توافرها ببنوك الدم أو بالجمعيات الخيرية.

ويؤكد “أحمد عماد”، مسئول بنك الدم الإلكتروني بجمعية المريض “إنسان” (غير حكومية)، أن جمعيات الدم الخيرية تعاني من نقص المتبرعين، موضحًا أن البنك الإلكتروني كان لديه 66 متبرعًا دوريًا، ويخدم هؤلاء المتبرعون نحو 253 مريضًا شهريًّا، لكن ذلك تغير بعد انتشار فيروس كورونا.

ويشير الدكتور “محمد جمال”، مدير لجنة التبرع بالصفائح الدموية في جمعية مصر للشريان والعطاء (غير حكومية)، إلى أن الجمعية تواجه أزمة حقيقية في توفير أكياس الدم لنحو 90 طفلًا مصابًا بالثلاسيميا. مردفًا أن أغلب المتبرعين يخشون عدوى كورونا، في حين يوجد متبرعون يشعرون بالمسئولية تجاه المرضى، ولم يتوقفوا عن مساهمتهم في ظل الجائحة.

* أجرت صحفية “ذات مصر” تجربة للحصول على أكياس الدم عبر ثلاثة منافذ رئيسية للدم، هي: المركز الإقليمي بالعباسية، وبنك الهلال الأحمر فرع القاهرة، وبنك الدم الإقليمي بمنطقة دار السلام (جنوب القاهرة)؛ إلا أنها لم تتمكن من ذلك بسبب النقص الشديد في أكياس الدم.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سمر مدحت

صحافية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم وجرافيك

Start typing and press Enter to search