معالم فنية

 

حين نكون بصدد الحديث عن الشيخ محمد صديق المنشاوي، باعتباره صرحًا من أهم عشرة صروح في تاريخ التلاوة المصرية، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل أن أباه الشيخ صديق المنشاوي كان أشهر وأهم قراء الصعيد خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولا يُفلت المتسمّع لقراء الصعيد المحليين أثره فيهم، فلا ريب أن أثره في ابنه كان أكبر وأوضح.

المنشاوي على اليسار ووالده جالسًا

وهذا لا جدال فيه، لكنه سيفضي بنا عند المقارنة بين المنشاوي الأب والابن إلى حقيقة أهم وأجدر بالتوقف عندها طويلا.

هي أنّ طريقة الشيخ صديق المنشاوي التي كانت أمًا لطرائق الأداء في الصعيد، كانت قائمة على السليقة والارتجال، وتخلو من كثير من الصنعة الفنية، ويبدو أن هذه الطريقة استوت للشيخ صديق منذ زمن بعيد جدا، وساعده عليها مقدرته الصوتية الهائلة التي يظهر لنا أثر ما بقي منها في تسجيلاته القليلة التي سُجلت له في شيخوخته.

أما طريقة المنشاوي الابن فنجدها مستوية على قدم الصنعة، تُبين عن إحاطة صاحبها بحد أدنى من العلم بالمقامات ومسالكها وترتيبها الأنسب والتنقل بينها وطبقات الصوت والانتقال من إحداها إلى الأخرى.

المشهور عند السميعة أن الشيخ محمد صديق المنشاوي أفاد هذا الحظ من الصنعة بمزج طريقة أبيه بطريقة الشيخ محمد سلامة، والحق أننا لا نعدم ملامح من أداء الشيخ سلامة في انتقالات الشيخ المنشاوي ومساراته النغمية، وإن تكن روح الأداء عند المنشاوي أبعد ما تكون عن سلامة، كما أن مساحة الصنعة والإبداع الفني عند المنشاوي أوسع.

الذي يعنينا هنا أن الشيخ محمد صديق المنشاوي هو الذي هندس البناءَ الفني لطريقة الأداء المنشاوية، وورثها عنه بصورتها المهندَسة الأخيرة جميع مقلديه من آل المنشاوي وقراء الصعيد في العموم.

أهم ملامح هذه الهندسة أن الشيخ محمد صديق المنشاوي التزم ترتيب المقامات الذي قرأ به الشيخ مصطفى إسماعيل وأخذ به من ظهر بعده من قراء الصف الأول في الأربعينيات والخمسينيات.

على أن المنشاوي اختص عنهم جميعا بأنه لم يكن ينتقل من قرار البياتي إلى جوابه إلا عبر سلم الرست، بينما كانوا ينتقلون بينهما بالبياتي الحسيني.

هناك ملامح شبه ثابتة في توزيع المقامات عند الشيخ المنشاوي، فهو مثلا لا يطيل القراءة على جواب البياتي في أول التلاوة، ويبادر غالبا بالانتقال منه إلى الصبا فيطيل فيه، لكنه قد يعود إلى جواب البياتي ثانية في آخر التلاوة ارتقاءً من الرست.

كما أنه يخرج دائما من الصبا إلى النهاوند، ولا يخرج إلى الحجاز، لكنه قد يدخل مقام الحجاز من غيره، وغالبًا ما يكون انتقاله إلى الحجاز من البياتي عندما يعود إليه في أواخر التلاوة.

ولا نعرف انتقاله من الصبا إلى الحجاز إلا في أدائه الشهير لسورة الفجر التي اشتهر بها، والتي لا يصل إليها إلا بعد تلاوة سورة أو سورتين يكون قد أتى فيهما على الترتيب المقامي الثابت.

والمستمع إلى تلاوات الشيخ المنشاوي يجد ملمحًا لطيفًا لا يكاد الشيخ يتخلى عنه في معظم تلاواته، وهو حرصه على اختتام معظم المقامات على القرار قبل الانتقال عنها إلى غيرها، والاختتام على القرار يُشعر المستمع بالنهاية الطبيعية لوقت المقام ومنطقية الانتقال عنه إلى غيره.

المنشاوي والقراءات

درج القراء المصريون على الإعادة في تلاواتهم بالقراءات السبع والعشر بحسب معرفة القارئ، وكانت هذه الإعادات من أهم مميزات مدرسة التلاوة المصرية، إذ إنها أدخلت ثقافة القراءات إلى ذهن المستمع العامي العادي، ذلك العلم شديد التخصصية والذي لا يُحصّل كثير من طلبة العلوم الشرعية ثقافة جيدة فيه لكثرة مادته وحاجته إلى الحفظ الكثير.

والشيخ محمد صديق المنشاوي كان من أكثر القراء تجولًا في القراءات في تلاواته، وهذه العادة وإن كانت شائعة في كل قراء جيله، فإنه ورثها بالأساس عن والده الذي كان أبعد منه غورًا فيها على قلة تسجيلاته، والتي اشتملت على عدد من الوجوه العزيزة في القراءات العشر.

خطاب المنشاوي بخط يده إلى سميع عراقي

أما المنشاوي الابن فكثرت الإعادات بالقراءات في تلاواته المحفلية، وكذلك في تلاواته الإذاعية حتى أوائل الستينيات، فلا تكاد تخلو منها تلاوة له في الاستوديو، لكنه مع منتصف الستينيات توقف عنها، وتوقف عنها معظم القراء، ومن الطريف أن الشيخ المنشاوي بنفسه بيّن لنا سبب هذا التوقففي خطاب مؤرخ بالرابع من أكتوبر 1965 بعث به إلى السميع العراقي الكبير خلوق ياسين، ذكر فيه أن سبب “منع الإذاعة بغير رواية حفص في القراءة الأسبوعية أن المسئول الذي يحضر التسجيل ليس بقارئ يحفظ القراءات” ولا ندري أحدث هذا من الإذاعة بغير تعمد، أم لتوفير النفقات، أم أنها كانت حيلة متعمدة لمنع القراء من الإعادة بالقراءات في الاستوديو.

قصار السور

كان لقصار السور حظ كبير من الأداء في الحفلات والسهرات عند معظم القراء، لحفظ الناس لها وتعلقهم بها، فكان القراء كثيرا ما ينتقلون إليها بعد قراءة قسم من التلاوة أو أكثرها من سورة طويلة، وأحيانا كانوا يفتتحون التلاوة بها فتشمل عددا من السور القصيرة.

وبينما كان بعض السور يتشارك تلاوته في المحافل كل القراء تقريبا، كان لكل قارئ سور قصار يكاد ينفرد بتلاوتها، ويكاد ينفرد الشيخ المنشاوي في محافله بين القراء الكبار بتلاوة سورتي الانفطار والفجر.

أما الانفطار فكان يبدأ بها وصلة من قصار السور، وقد بقي لنا من هذه الوصلات تسعة تسجيلات، لعل أثراها بالإبداع في سورة الانفطار تلك التي قرأها في أسوان، حيث قرأ السورة في نحو أربع عشرة دقيقة، ارتقى فيها بطبقة صوته أكثر من مرة، حتى بلغ جوابَ جوابٍ جهورًا على مقام الرست لا نسمعه منه إلا نادرًا.

وأما الفجر فكان ينتقل إليها من سورة طويلة، أو من الانفطار أو الطارق، والفجر أكثر قصار السور شيوعا في حفلاته، وأخصها به، فلم يكد يبدع فيها من القراء الكبار سواه، إذا استثنينا تلاوات قليلة للشيخ مصطفى إسماعيل ابتدأها بها.

وأداء الشيخ المنشاوي في سورة الفجر ثابت تقريبا، أبعد ما يكون عن الارتجال، فقد تكررت لديه حتى ثبتت على صورة متوهجة بالإبداع حافلة بالنقلات المقامية.

وقد قرأها في حفلة الحشر بالجامع الأموي عام 1958 في اثنتي عشرة دقيقة، بدأ الآية الأولى منها في نفس واحد مع الأية الأخيرة من سورة الطارق والبسملة، على مقام الرست، وهي عادته في الابتداء بها غالبا، ومع منتصف الدقيقة السادسة نزل من مقام الرست إلى الصبا، ومع نهاية الدقيقة العاشرة ختم الصبا على القرار ثم انتقل إلى مقام الحجاز مع قوله تعالى: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ) وهي النقلة الأشد تعبيرا عن المعنى وغمسا لقلب المستمع فيه، قبل أن يقرأ الآيات القليلة الباقية على قرار الحجاز ويختم به السورة.

انفرد الشيخ المنشاوي أيضا بقراءة سورة القارعة، كما قرأ الطارق والبروج والبلد والعلق والكوثر والفاتحة وأول البقرة وآخرها.

لن يكون البحث في فنيات الأداء عند الشيخ المنشاوي وافيا حتى يتوافر لنا عدد أكبر من حفلاته في الصعيد، والتي يُعد بقاء ما بقي لنا منها معجزة فنية وتقنية، فإنه كان يبدع في حفلات الصعيد بين أهله وأحبابه إبداعا لا حد له، ومن المؤسف أن التسجيل البدائي في الصعيد خلال الخمسينيات والستينيات لم يحفظ لنا البقية القليلة من هذه الحفلات إلا بجودة متواضعة لا تبين عظمة صوت الشيخ ولا تُجلّي سحر إبداعه.

اضغط لقراءة.. تلاوة خالدة

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search