سياسة

معاناة الأقليات في أفغانستان.. قصص الرعب والمطاردة

في أحد مشاهد فيلم «عداء الطائرة الورقية» –المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب الأفغاني الأميركي خالد حسيني، وتدور أحداثه عن أفغانستان- يرد أحد الأبطال على سؤال: «ماذا لو لم يرحل الروس؟»، فكانت الإجابة: «الكل يرحل، فهذا البلد ليس رحيمًا بالغزاة».

لكن يبدو أن هذا البلد ليس رحيمًا بأبنائه أيضًا. هكذا ترى الأقليات في أفغانستان أوضاعها. هذه الدولة الحبيسة في وسط آسيا، تحتضن تركيبة قبلية وطائفية وعرقية معقدة، بجانب طبيعة جبلية وعرة، وطقس صقيعي قاسي انعكس على شعبه أيضا، والذي يعاني مرارات متنوعة، ما بين الفقر والحرب والفقر والتشدد، وقبلهم تدخل واستعمار خارجي، وهكذا تمضي السنوات والعقود، ما إن ينتهي صراع حتى يشتعل آخر.

وكان آخر تلك الصراعات الذي انتهى بعودة «طالبان» للسيطرة على البلاد، فأضحى آلاف الأفغان -خصوصًا من الأقليات- يبحثون عن مهرب خارجها، لكنهم عجزوا عن الخروج، فأصبحوا حبيسي جبالها وسهولها، لا يجدون سبيلًا خارج تخومها.

تحتوي أفغانستان أقليات ومكونات عرقية ودينية ومذهبية، أبرزهم الشيعة والأوزبك والتركمان والبلوش وغيرهم، كما توجد أقلية مسيحية، أما البشتون فيشكلون الغالبية في أفغانستان، وهم العنصر البشري الأساسي الذي تتشكل منه قوام حركة «طالبان».

موقع «ذات مصر» تحدث إلى بعض أبناء هذه الأقليات في أفغانستان، والذي قاموا برواية قصصهم في ظل الوضع المتردي الحالي، ونتحفظ على كشف الهوية الحقيقة لأصحاب القصص، مع الاحتفاظ بمستندات الهوية الشخصية والتسجيلات معهم، لعدم ملاحقتهم في ظل ما يحيط بهم من مشاهد الحرب والخراب، ومشاعر الخوف وانتظار الموت مع كل دقيقة.

شاب أفغاني من الهزارة تحدث إلى “ذات مصر”

مطارد في الجبال والتهمة هزاري

منذ سيطرة «طالبان»، يعيش «س. ع» مطاردًا متنقلًا بين الجبال والكهوف، مصفدًا بقسوة الطبيعة وتضاريسها التي تتعانق مع أجواء خانقة تحكم البلاد، فغادر منزله ومدينته خشية الملاحقة والقتل من قبل عناصر «طالبان»، ليعيش غربة داخل وطنه، ويحدوه الحلم بهجرة تنتشله من جحيم الموت الذي ينتظره كل ساعة، فيأمل في تلقي دعوة لمغادرة البلاد إلى دولة أخرى توفر الأمان له ولأسرته.

معاناة الشاب الأفغاني مركبة وشديدة التعقيد؛ إذ كشف خلال حديثه لـ«ذات مصر»، أنه بخلاف اعتناق المذهب الشيعي، والانتماء إلى قومية «الهزارة» المضطهدة، فهو أيضًا جندي سابق في الجيش الأفغاني.

التواصل مع «س» كان صعبًا ويحدث على فترات، بسبب سوء خدمات الإنترنت لديه؛ حيث يقيم بين تخوم الجبال، ويتنقل بين مكان وآخر للحصول على الزاد والطعا.  حكى «س» قصته منذ البداية، إذ يقيم في مدينة «لال» في ولاية غور (وسط أفغانستان)، وما إن انتهى من دراسته في عام 2012، حتى استُدعي للتجنيد لمدة 3 سنوات في الجيش الأفغاني. وبعد انتهاء فترة التجنيد، شرع في تأسيس عمله الخاص وافتتح متجرًا للهواتف النقالة ومستلزماتها، ما وفر له حياة كريمة قبل مجيء «طالبان».

بين عشية وضحاها تبدلت الأحوال، وبات مضطرًّا للاختباء والانتقال من مكان إلى آخر، خشية الوقوع في قبضة عناصر «طالبان». يأتيه أحد الأشخاص بالمأكل والمشرب، بينما زوجته وصغاره الثلاثة يقبعون بمفردهم في المنزل.

ويروي وقائع المرة الأولى التي دخلت فيها «طالبان» مدينته وأحرقوا سوقها الكبيرة، ما أصاب رجال ومشايخ بلدته بالرعب والخوف، وذهبوا إلى عناصر «طالبان» معلنين الاستسلام والإذعان كي يكفوا آذاهم عن المدينة وأهلها.

من ناحية أخرى؛ اتهمت منظمة العفو الدولية حركة «طالبان»، بتعذيب وقتل عدد من أقلية الهزارة الشيعية والتنكيل بهم. وأوردت ضمن تقرير شهادات لأعمال عنف وقتل، جرت وقائعها في أوائل شهر يوليو (تموز) الماضي بولاية غزنة جنوب شرقي أفغانستان.

وتعد الهزارة إحدى الجماعات العرقية الأفغانية، وغالبيتهم يعتنقون المذهب الشيعي، وهم عرضة للاضطهاد في أفغانستان.

لم يعد بإمكان المرأة الخروج والعمل والدراسة بحرية

امرأة في جحيم أفغانستان!

معاناة أخرى تلك التي ترويها الشابة الأفغانية حُسنى –اسم مستعار- (30 عاماً)؛ حيث تعاني مرتين: الأولى لكونها امرأة، والثانية لانتمائها لقومية الطاجيك. تقطن في ولاية بلخ (إحدى ولايات الشمال)، حاصلة على ماجستير في العلاقات الدولية، وعملت أستاذةً في إحدى الجامعات الخاصة. فبسبب قلة ونقص الكوادر العلمية من حاملي الدكتوراه في البلد، يتم توظيف خريجي الماجستير أيضًا أساتذةً بالجامعات.

تعترف -في حديثها لـ«ذات مصر»- بأن وصول «طالبان» لحكم أفغانستان أفزعها وأصابها بالرهبة، قائلة: «إلى الآن (طالبان) تحاول طمأنة النساء بأن الحركة تحترم حقوقهن، وأنهن يستطعن الدراسة والعمل والتجارة؛ لكن لن يستطعن ممارسة السياسة أو شغل المناصب السياسية. في المقابل تعاملت (طالبان) بعنف مع مظاهرات نسائية في كابل وهرات».

وتواصل كشف بعض من جوانب المعاناة: «أنا وأخواتي لا يمكننا الخروج منذ سيطرة الحركة. نخاف على أنفسنا؛ لأن المدينة أصبحت خالية من النساء. بالكاد نراهن في الشوارع والطرقات. فكثيرات مثلي مُنعن من الدراسة أو العمل، بسبب تردي الأوضاع الأمنية، إذ لا توجد أي عناصر أمنية منظمة في المدن أو مقرات شرطة، كما صدر أخيرًا قرار بأن الطالبات الجامعيات يستطعن الذهاب إلى الجامعات؛ لكن بشرط الفصل بين الجنسين، وهذا غير ممكن حاليًّا، وذلك لأسباب عدة، منها قلة الكوادر العلمية».

وتخشى الشابة تكرار التاريخ نفسه، فيحكم البشتون بالحديد والنار، دون أن تكون للأقليات أي مساهمة في السياسة، ويلجؤون لتشديد القوانين العنصرية، وسيكون لكل من هو بشتوني الحظ الأوفر من كل شيء في الحكومة وما شابه.

تتضاعف رهبتها من الاضطهاد؛ لكونها امرأة من الطاجيك، وهي على يقين بأنها ستتعرض للمصاعب والاضطهاد لهذين السببين، موضحة: «(طالبان) لها تاريخ مظلم جدًّا مع المرأة الأفغانية، عاشته خالاتي وعماتي وقريباتي الأخريات في فترة حكمهم الأول، وهذه المرة قريباتي اللاتي يدرسن في محافظتنا قالوا بأن (طالبان) طلبت منهم ارتداء النقاب أثناء خروجهن من البيت، بينما كل نوابنا في البرلمان من النساء مختبئات أو هربن».

وتوضح: «يكفي أن يلقي أي شخص نظرة على قادة (طالبان)، ليرى أن لا طاجيكي بينهم! فمن سيأخذ بحقنا في الحكومة؟ من سيدافع عنا؟ فقد عيَّنوا في بلخ واليًا من البشتون، والغالبية في الولاية من الطاجيك والأوزبك، وهكذا الحال في كل مناطق الشمال، ولم يقتصر الأمر على منصب الوالي فقط؛ بل في كل الرئاسات والمديريات الحكومية عينوا البشتون».

يسعى الطاجيك في أفغانستان إلى الهجرة خوفا من الاضطهاد

ناشط طاجيكي يحلم بالهجرة

يعمل “د. م” ناشطًا اجتماعيًّا؛ حيث دأب على نشر موضوعات تتعلق بأفغانستان وأوضاع حقوق الإنسان على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو عاطل عن العمل في الوقت الراهن.

يقيم في مدينة بولخمري عاصمة ولاية بغلان (شمال أفغانستان)، ويتحدث لـ«ذات مصر» عن طبيعة الأوضاع بعد سيطرة «طالبان» على الحكم، ويقول: «الأوضاع ليست مستقرة، وعقب سيطرة (طالبان) تغيرت أشياء كثيرة؛ حيث شهدت البلاد ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأولية والغاز والبترول، وبالتالي زادت معاناة المواطن الأفغاني الذي يعاني من شظف العيش قبل رجوع طالبان للحكم مرة أخرى».

ينتمي الشاب “د. م”لأقلية الطاجيك، لذا تعتريه المخاوف بشدة؛ خصوصًا أن النشطاء هم أحد الفئات المستهدفة من قبل عناصر حركة «طالبان»، ولذلك يخشى على حياته، فقد وصمت منشوراته وأفكاره على مواقع التواصل الاجتماعي بالعلمانية، ما دفعه للتواصل مع بعض الأشخاص لمساعدته في الحماية من «طالبان»، ولكنه يعقد العزم على الهجرة؛ نظرًا للوضع المؤلم، وتلقى وعودًا بمحاولة مساعدته، وآماله معقودة على تحقيق ذلك.

أما أوضاع نساء عائلته من الطاجيك فليست أفضل حالًا، فيقول: «أصبحت هناك محدودية في خروجهن للأسواق؛ إذ يشعرن بالخوف الشديد خشية اقتحام عناصر طالبانية للمنزل، وعند النزول للشارع يرتدين النقاب، ولا بد أن يصحبهن محرم».

ويبدي تشككه في ادعاءات «طالبان» بأنها ستسمح للنساء بالدراسة والعمل، ويؤكد: «لن تكون هناك حرية للنساء الأفغانيات مثلما كان الوضع عليه في السابق، ولن يكون لهن مكان في المناصب الحكومية، فالمسموح لهن بالذهاب للمدارس هن الفتيات من الصف الأول إلى السادس الابتدائي فقط».

يومًا تلو الآخر، تتعاظم مخاوفه من الملاحقة أو التعرض للاضطهاد أو الأذى هو وعائلته؛ خصوصًا أن الفترة الماضية شهدت تعرض عدد من الأفراد للمضايقة التي بلغت حد القتل والتعذيب، مثلما حدث مع فنان كوميدي قُتل في قندهار، فضلًا عن واقعة قتل فنان آخر اسمه فؤاد أندرابي، وهو أحد المطربين الشعبيين، ويوضح: «ينتمي المطرب الشعبي المقتول إلى الولاية نفسها التي أنتمي إليها (بغلان) وتحديدًا في منطقة أندراب؛ حيث اقتادوه خارج منزله وسحلوه ثم قاموا بقتله، وهذا حدث حتى بعد إعلان (طالبان) عن العفو، وهو ما يؤكد حنث الحركة بوعودها، وتستهدف كثيرًا من المواطنين الأفغان، وتعاملهم بوصفهم أعداء».

ورغم ما تعلنه حركة «طالبان» من حسن نيات تجاه الأقليات والقوميات الأخرى، فإن الشاب الأفغاني يراها حركة إرهابية، ولا يأمن جانبهم، ويفسر مخاوفه بأن: «(طالبان) تقع الآن تحت ضغط دولي للحصول على مشروعية نظامهم، والاعتراف بالحكومة من جميع الأطراف، ومن ثم ربما تكون بوادر حسن النيات التي أبدتها الحركة مجرد خديعة، لحين الحصول على مآربهم».

كما يتخوف من عملية استهداف أو قتل جماعي للأقليات العرقية والدينية، وبينها الطاجيك، وأيضًا ضد أقلية الهزارة، إذ إن البشتون لا يريدون لقومية أخرى أن تحكم أو تحظى بالمناصب العليا في الحكومة. ويؤكد وجود كثير من النشطاء الآخرين والفئات المستهدفة من «طالبان» يخشون الظهور والحديث للإعلام خشية ملاحقتهم.

انسداد باب الخروج

يشعر “و. و” بالخوف والانهيار، فالأوضاع صعبة للغاية في كابل -على حد وصفه-إذ يقول: «أبحث عن طريقة للخروج؛ لكن كل الطرق مغلقة؛ سواء البرية أو المطار، كما أنني تخوفت من الذهاب إلى المطار، بسبب سوء الحالة الأمنية في الطريق، وخشية تعريض عائلتي للخطر، ولكوني صحافيًّا تواصلت مع عدة دول وجهات لإخراجي من البلاد، وتلقيت وعودًا لإخراجي لكن من دون جدوى، كانت مجرد وعود كاذبة وفارغة».

يقيم “و. و” في العاصمة الأفغانية كابل، ويعمل صحافيًّا في وسائل إعلامية أجنبية، كما ينتمي إلى أقلية قومية ودينية، لذا تعتريه مخاوف جدية من جميع هذه الجهات؛ لكونها تجعله صيدًا ثمينًا معرضًا لاستهداف عناصر «طالبان»، كأب لثلاثة أطفال، فإنه يخشى على مصيرهم، وألا تتاح لهم فرصة الحصول على تعليم ومستقبل جيد. كل هذه الأمور تدفعه إلى مغادرة البلاد.

ويكشف عن واقعة تعرض لها، توضح حجم المعاناة التي يعيشها، قائلًا: «بحكم عملي صحافيًّا، مضطر للعمل لساعات طويلة متأخرة في الليل. وفي ذات ليلة كنت عرضة للقتل أو الأذى بينما أنا عائد للمنزل في الحادية عشرة مساءً؛ إذ أوقفتني إحدى الدوريات التابعة لـ(طالبان) نحو ساعة، وحاولت إقناعهم بأنني صحافي، ولدي تصريح رسمي صادر من المتحدث باسم الحركة يسمح لي بالعمل، كما أكدت لهم هويتي الصحافية؛ لكنهم تعاملوا معي كما لو كنت جاسوسًا أو عنصرًا مضادًّا لهم».

ويتابع: «كما صادفتني مشكلة في التواصل معهم بسبب اختلاف اللغة؛ إذ كانوا من البشتون بينما أتحدث الفارسية. حاولت إجراء بعض الاتصالات لكن من دون جدوى، ولولا مجيء شخص من هذه العناصر تفهَّم الموضوع بعد أحاديث مطولة، لكان الوضع خطيرًا، وربما لقيت مصيرًا مؤلمًا».

يؤكد أن الوضع في أفغانستان تغير كثيرًا؛ حيث باتت الشوارع خالية، وأضحى الناس في حيرة من أمرهم، بينما معظم الدوائر الحكومية مغلقة، والدوائر الخاصة فارغة، وكثير من الكفاءات غادر البلاد، فلا توجد قوات شرطة أو مؤسسات حكومية تعمل، وعندما وقع الهجوم الانتحاري في محيط مطار كابل كانت غالبية المشافي خالية من الطواقم الطبية، لذا اضطرت الحركة في اليوم الثاني إلى دعوة الكوادر النسائية في وزارة الصحة إلى العودة للعمل، من أجل معالجة الضحايا؛ حيث كان هناك كثير من الفتيات والنساء بين الضحايا.

يتخوف “و. و” من أن يكون النظام المقبل انتقائيا وطائفيا، على الرغم من إرسال حركة «طالبان» تطمينات إلى جميع عناصر الأقليات الأفغانية، بأنهم لن يواجهوا أي مشكلات، وأن بإمكانهم ممارسة حياتهم الطبيعية؛ لكن هناك خوفًا من العناصر غير المنضبطة؛ خشية أن تتصرف بانفعالية أو توتر، أو نتيجة أحقاد من الماضي، وتقوم بالانتقام من بعض الأقليات. وهناك أخبار حول وجود مثل هذه الحالات في المناطق البعيدة. والمعضلة الأخرى هي استغلال التنظيمات الإرهابية الوضع في أفغانستان للعودة مجددًا؛ لا سيما أن ثمة علاقات وطيدة تتراوح بين الصداقة والنسب والمصاهرة، تجمع بين بعض العناصر من تلك التنظيمات المتطرفة وعناصر من حركة «طالبان».

ويؤكد محاولة الأقليات التكيف مع الوضع الجديد الذي عاشوه سابقًا في تسعينات القرن المنصرم. فالفئة المتوسطة والثرية تحاول مغادرة البلاد بشتى الوسائل خشية الوضع الجديد، أما الفئة الفقيرة أو المعدومة اقتصاديًّا، فليس لديها سبيل للخروج، لذا هي مضطرة للبقاء في أفغانستان وربما التكيف والتأقلم والانصياع للحركة؛ لكن مع مخاوف من أن يتم سلب حقوقهم.

إقرأ أيضا: الشوبكي لـ”ذات مصر” : طالبان ستلجأ للمواءمات السياسية دون التخلي عن أفكارها المتشددة

هبة ياسين

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى