زوايامختارات

معاهدة “ستارت”.. سلام سلاح.. روسيا تقترح التمديد وأمريكا ترفض

 

في يوم الجمعة 16 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، رفضت الولايات المتحدة اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتمديد معاهدة “نيو ستارت” (معاهدة تخفيض الأسلحة الإستراتيجية) لمدة عام واحد دون قيد أو شرط.

و”نيو ستارت” هي أحدث إصدار لمعاهدة خفض الأسلحة الإستراتيجية الأصلية (ستارت 1)، الموقعة عام 1991 بين الاتحاد السوفييتي آنذاك والولايات المتحدة.

وكان الرئيس الأمريكي السابق بارك أوباما ورئيس الوزراء الروسي ديميتري مدفيديف قد وقّعا على معاهدة نيو ستارت في 8 إبريل/نيسان عام 2010 في براج، لكي تظل المعاهدة الوحيدة النافذة بين روسيا والولايات المتحدة بشأن الحد من التسلح([i]).

والمعاهدة تقيد عدد الرؤوس الحربية النووية التي يمكن أن ينشرها الطرفان وكذلك الصواريخ والقاذفات التي تحملها بـ1550 رأسًا نوويًّا، ومن المقرر أن تنتهي الاتفاقية في فبراير/شباط 2021([ii]).

أثناء إطلاق صاروخ يحمل رأسًا نووية- (د ب أ)

دور المعاهدة في خفض المخاطر النووية

انخفض عدد الأسلحة النووية في العالم بقدر كبير منذ الحرب الباردة، من ذروة بلغت نحو 70300 في عام 1986 إلى 13410 في أوائل 2020 (انظر الجدول أدناه).

وغالبًا ما يصور المسؤولون الحكوميون هذا الإنجاز على أنه نتيجة لاتفاقيات الحد من الأسلحة الحالية([i]).

ورغم التقدم المحرز في خفض الترسانات النووية منذ الحرب الباردة، لا يزال المخزون العالمي من الرؤوس الحربية النووية عند مستوى مرتفع للغاية: 13410 رؤوس حربية في أوائل 2020.

من بين هذا العدد، يوجد ما يقرب من 9320 في المخزون العسكري (وهي الرؤوس الحربية النشطة وغير النشطة الموجودة في عهدة الجيش والمخصصة للاستخدام) منها 3720 رأسًا حربيًّا منتشرة مع القوات العملياتية، منها 1800 رأس حربي أمريكي وروسي وبريطاني وفرنسي في حالة تأهب قصوى، وجاهزة للاستخدام في أي لحظة تهديد حقيقي، وما يقرب من 91% من جميع الرؤوس الحربية النووية مملوكة لروسيا والولايات المتحدة.

حجم أسلحة الدمار لدى القوى النووية العالمية عام 2020

مباحثات أمريكية روسية على أرض غير ممهدة

في الأسبوع الماضي، التقى وفد أمريكي برئاسة السفير مارشال بيلينجسلي، المبعوث الأمريكي الخاص للحد من الأسلحة، مع وفد روسي برئاسة سيرجي ريابكوف، نائب وزير الخارجية الروسي، في هلسنكي، لإجراء جولة أخرى من المحادثات بشأن تمديد المعاهدة.

وقد أعلنت الخارجية الأمريكية في 13 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، أنها كانت قد توصلت إلى “اتفاق من حيث المبدأ” مع روسيا بشأن تمديد آخر للاتفاقية، لكن الجانب الروسي رفض الشروط الأمريكية ووصفها بأنها “غير مقبولة”([i]).

بيلينجسلي قال بدوره: “نحن في الواقع على استعداد لتمديد معاهدة نيو ستارت لفترة من الوقت، شريطة أن يوافقوا في المقابل على تقييد ترسانتهم النووية، فعلى موسكو أن تظهر الإرادة السياسية للقيام بذلك أيضًا”، واستطرد: “واشنطن ما زالت تصر على مشاركة الصين التي يتقدم برنامجها النووي بسرعة في المفاوضات”.

على الجانب الآخر، نفى سيرجي ريابكوف التوصل إلى اتفاق، حتى من حيث المبدأ، ووصف مقترحات الولايات المتحدة بشأن ستارت بأنها “غير مقبولة بالنسبة إلينا”

المبعوث الأمريكي بيلينجسلي ونائب وزير الخارجية الروسي ريابكوف

في وقت لاحق، وتحديدا 16 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، في مؤتمر عبر الفيديو كونفرانس مع مجلس الأمن الروسي، اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تمديد الاتفاق لمدة عام واحد دون شروط مسبقة، وقال بوتين: “بإمكان روسيا والولايات المتحدة استخدام التمديد في مفاوضات جدية تشتمل على كل التفاصيل، وأنه سيكون محزنًا للغاية إذا انتهت صلاحية نيو ستارت في 5 فبراير/شباط المقبل، بعدما كانت ناجحة في الحد من سباق التسلح والسيطرة على الأسلحة”، وقال أيضًا: “واضح أن لدينا أنظمة أسلحة جديدة لم يمتلكها الجانب الأمريكي بعد”، مضيفًا أنه “مستعد أيضًا لمناقشة هذا العنصر”([i]).

الرئيس الروسي بوتين واجتماع مجلس الأمن الروسي عبر فيديو كونفرانس

جاء الرد الأمريكي سريعًا في نفس يوم مقترح بوتين، إذ قال مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي روبرت أوبراين، إن “واشنطن اقترحت بالفعل تمديدًا لمدة عام واحد لإعطاء الوقت للتفاوض إلى ما بعد تاريخ وقف المعاهدة، لكن اقتراح الرئيس بوتين اليوم لتمديد معاهدة البداية الجديدة دون تجميد الرؤوس الحربية النووية ليس بداية”

مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت أوبراين

وقال أوبراين في بيان مكتوب: “كان من الممكن أن يكون هذا انتصارًا للجانبين، وكنا نعتقد أن الروس كانوا على استعداد لقبول هذا الاقتراح عندما التقيت نظيري في جنيف”، وأضاف: “الولايات المتحدة جادة بشأن الحد من التسلح الذي سيحافظ على أمن العالم بأسره، ونأمل أن تعيد روسيا تقييم موقفها قبل أن يندلع سباق تسلح مكلف”

معاهدة ستارت على خارطة الانتخابات الأمريكية

تحظى معاهدة نيو ستارت بدعم ساحق من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي -حتى بين ناخبي ترامب- فلا يعتبر التمديد من أولويات السياسة الخارجية للديمقراطيين فحسب، بل تشير بيانات استطلاع إلى أن ما يقرب من 70% من ناخبي ترامب في جميع أنحاء البلاد يؤيدون تمديد معاهدة نيو ستارت، بالإضافة إلى ذلك، أعرب كبار القادة العسكريين عن دعمهم للمعاهدة أيضًا([i]).

جو بايدن، نائب الرئيس السابق والمرشح الديمقراطي في سباق الرئاسة الحالي، كان قد شارك في التفاوض على اتفاقية 2010 الأصلية، وأشار إلى أنه في حالة انتخابه سيوافق على تمديد مباشر لها لمدة 5 سنوات والعمل لاحقًا لتوسيع نطاقها([ii]).

يأتي رفض تمديد المعاهدة في الوقت الذي يحاول فيه البيت الأبيض تحقيق انتصارات في السياسة الخارجية لتعزيز موقف ترامب في المرحلة الأخيرة من الحملة الانتخابية، إذ يحاول الرئيس الأمريكي تضييق تقدم بايدن في الانتخابات الوطنية.

ترامب لديه موضوع واحد ثابت في إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهو الانسحاب، وبموجب “مبدأ الانسحاب” هذا، انسحب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية باريس للمناخ، والشراكة عبر المحيط الهادي، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومعاهدة القوات النووية متوسطة المدى، INF.

ولم يضع أي من هذه القرارات المصالح الاقتصادية أو الأمنية الأمريكية في الحسبان([iii])، وجاء الدور على معاهدة نيو ستارت، التي وصفها ترامب في مقابلة مع رويترز عام 2017، بأنها “أحادية الجانب” و”مجرد صفقة سيئة أخرى”([iv]).

ويبدو أن روسيا، وإن كانت حريصة على إنقاذ المعاهدة، أبدت القليل من الاهتمام بمنح الرئيس ترامب انتصارًا في السياسة الخارجية قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي يفصلنا عنها الآن أقل من 3 أسابيع، ما يشير إلى أن روسيا ربما تتوقع فوز بايدن.

عدم التمديد والأمن العالمي

تُبقي معاهدة نيو ستارت الترسانات النووية تحت السيطرة، فإذا انتهت المعاهدة، لن تكون هناك قيود على الترسانات الإستراتيجية الأمريكية أو الروسية للمرة الأولى منذ عام 1972، وستتلاشى القيود المفروضة على عدد الصواريخ والقاذفات النووية الإستراتيجية التي يمكن للجانبين امتلاكها، وعدد الرؤوس الحربية المحمولة عليها.

هذا يعني أن روسيا يمكنها بسرعة تحميل نحو ألف رأس حربي جديد إلى ترسانتها الصاروخية المنتشرة دون إضافة صاروخ واحد جديد، كما يمكن للولايات المتحدة تحميل المزيد أيضًا، لأن لديها صواريخ وقاذفات أكثر من روسيا، ويمكن لكلا الجانبين البدء في زيادة ترساناتهما، مما قد يؤدي إلى سباق تسلح نووي جديد([i]).

مراسم توقيع معاهدة نيوستارت بين ميدفيديف وأوباما

لذلك، ورغم أن الحد من التسلح في المستقبل يجب أن يحاول دمج دول مسلحة نوويًا أخرى، فإن الجهود المبذولة للقيام بذلك لا ينبغي أن تعرض معاهدة نيو ستارت للخطر، وما هو بديهي فإن التفاوض بشأن معاهدة جديدة أصعب بكثير من تمديد معاهدة قائمة، ومن الواضح أن السماح بانتهاء قيود “نيو ستارت” ليس في المصلحة الإستراتيجية للولايات المتحدة أو لأي من حلفائها، وتعتبر المعاهدة صفقة جيدة لكل من الولايات المتحدة وروسيا، ولا يمكن السماح بانتهاء صلاحيتها دون وضع بديل أفضل

تخوف أوروبي

لهذا -في وقت سابق يوم الثلاثاء الماضي- دعت مجموعة تضم أكثر من 75 برلمانيًّا أوروبيًّا والجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي نظراءهم في الكونجرس الأمريكي من الحزبين، إلى اتخاذ إجراءات لحث الحكومة الأمريكية على الموافقة على تمديد معاهدة نيو ستارت، وكتبوا إلى لجنتي الشؤون الخارجية والعلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ أنهم “كمسؤولين يسعون جاهدين لحماية صحة وأمن ملايين المواطنين الأوروبيين، نشعر بالأسى من احتمال سقوط معاهدة نيو ستارت في أقل من 6 أشهر، فتمديد فترة نيو ستارت ليس نهاية.. إنها أداة مفيدة للطرفين للحفاظ على الاستقرار والشفافية والقدرة على التنبؤ، بينما نكتب فصلاً جديدًا من الحد من التسلح النووي معًا”([i]).

ورغم حالة الزخم التي أحدثها رفض تمديد المعاهدة، فإن مصير المعاهدة يبدو أنه سيبقى معلقًا حتى نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة.

المراجع :

(1) Gabrielle Tétrault-Farber.; “Russia rejects U.S. terms, sees ‘minimal’ chance to extend New START nuclear pact”, reuters, September 21, 2020, In Site:
https://www.reuters.com/article/us-russia-usa-nuclear-chances-idUSKCN26C1BE
(2) Deutsche Welle (DW).; “US rejects Vladimir Putin’s proposal to extend nuclear arms treaty”, 16 October 2020, In Site:
https://www.dw.com/en/us-rejects-vladimir-putins-proposal-to-extend-nuclear-arms-treaty/a-55305655
(3) Hans M. Kristensen and Matt Korda.; “Status of World Nuclear Forces”, the Federation of American Scientists, In Site: https://fas.org/issues/nuclear-weapons/status-world-nuclear-forces/
(4) Abigail Williams.; “’Gentlemen’s agreement’ on U.S.-Russia nuclear treaty extension? U.S. says yes, Russia says no”, nbcnews, Oct. 14, 2020, In Site:
https://www.nbcnews.com/news/world/gentlemen-s-agreement-u-s-russia-nuclear-treaty-extension-u-n1243299
(5) Alexandra Brzozowski.; “Russia rejects ‘unacceptable’ US conditions to extend nuclear arms treaty”, Euractiv , Oct. 14, 2020, In Site:
https://www.euractiv.com/section/defence-and-security/news/russia-rejects-unacceptable-us-conditions-to-extend-nuclear-arms-treaty/
(6) Katrina Manson and Max Seddon.; “US rejects Putin’s offer to extend nuclear arms treaty”, The Financial Times, 16 October 2020, In Site:
https://www.ft.com/content/a7fcba55-5697-439f-a335-5e99b367343f
(7) Deutsche Welle (DW).; Op.cit.
(8) Matt Korda and Hans M. Kristensen.; “Count-Down Begins For No-Brainer: Extend New START Treaty”, the Federation of American Scientists, Feb.05, 2020, , In Site:
https://fas.org/blogs/security/2020/02/count-down-begins-for-no-brainer-extend-new-start-treaty/
(9) Andrew Higgins.; “U.S. Rebuffs Putin Bid to Extend Nuclear Arms Pact for a Year”, The New York Times, Oct. 16, 2020, In Site:
https://www.nytimes.com/2020/10/16/world/europe/putin-nuclear-new-start-treaty.html
(10) Michael McFaul.; “Extending The New Start Treaty: The Policy Case for extending the New START Treaty”, The New Progressive Agenda Project, In Site:
https://www.dataforprogress.org/the-new-progressive-agenda#new_start
(11) Abigail Williams.; Op.cit.
(12) Matt Korda and Hans M. Kristensen.; Op.cit.
(13) Hans M. Kristensen.; “New START Treaty Data Shows Treaty Keeping Lid On Strategic Nukes”, the Federation of American Scientists, Oct.04, 2019, In Site:
https://fas.org/blogs/security/2019/10/new-start-2019-2/
(14) Alexandra Brzozowski.; Op.cit.

 

 

عيسى السيد دسوقي

باحث في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى