ثقافة وفنمختارات

معجزة سواريز.. كل هذا لأجلك يا صوفيا

 

لم يخبرني أحد أنهم يريدون التخلص مني. إذا كانت هذه رغبة النادي، فسيكون من الجيد أن يتحدث الشخص الذي قرر ذلك معي مباشرة.
أنا هنا منذ 6 سنوات، وهي فترة كافية ليخبروني بما يفكرون فيه. هذا أفضل من تسريب اسمي كأحد الأشخاص المقرر لهم أن يغادروا الفريق. أعتقد أنه لا يزال بإمكاني أن أساهم في الفريق. ما داموا يريدونني، فأنا أريد أن أبذل كل ما بوسعي
.

هكذا صرح لويس سواريز بعد أن فاض به الكيل من استبعاده من قائمة “بارتوميو” الخاصة باللاعبين غير القابلين للمساس بهم داخل فريق برشلونة، عقب هزيمة بايرن المذلة.

بعد 3 أيام كاملة من الانتظار، رن الهاتف بين يدي لويس أخيرًا. نظرة خاطفة نحو الاسم الذي توسط شاشة الهاتف، ونظرة مطولة في وجه زوجته صوفيا، بحثًا عن أمان معتاد. تفهمت صوفيا الأمر على الفور، فأشارت للأطفال أن يبقوا هادئين. لم تكتمل محاولات صوفيا حتى النهاية، فالمكالمة لم تستغرق أكثر من دقيقة واحدة.

أتى صوت رونالد كومان مدرب برشلونة باردًا تمامًا مثلما تخيله سواريز: “لويس، أنت لن تكون جزءًا من خطط الفريق الموسم المقبل”. أغلق لويس الهاتف، واعتلت وجهه نظرة تعرفها صوفيا جيدًا. نظرة رجل محبط من جراء فشل مخططاته تمامًا. تعرف صوفيا تلك النظرة منذ أن رأتها للمرة الأولى قبل ثمانية عشر عامًا.

سواريز وصوفيا في صباهما

عمر من أجل صوفيا

قبل 18 سنة وقفت صوفيا ذات الثلاثة عشر عامًا وحيدة مبتلة تمامًا تحت الأمطار الغزيرة، داخل محطة الحافلات أمام مركز التسوق بمونتفيديو عاصمة أوروجواي. كان والدا صوفيا خارج المدينة حيث اصطحبا شقيقها للعب مباراة كرة قدم. لذا استغل لويس، الذي يكبرها بعامين فقط، تلك الفرصة واقترح عليها الخروج في موعدهما الأول.

كان الهاتف الوحيد موجودًا على الجانب الآخر من طريق مزدوج مزدحم. عبرت صوفيا بالكاد، لتتصل على هاتف منزل لويس حيث أجابت أخته ببساطة: “لا، إنه ليس هنا. لقد ذهب للقاء صديقته. حسنًا هذا الوغد لن يأتي بالطبع فهو يمتلك صديقة بالفعل”.

كان سواريز ينتظر صوفيا داخل مركز التسوق، وما إن رآها على حالتها تلك بدأ في الاعتذار، إلا أن الوقت لم يسعفه، فبعد دقائق تحدثت صوفيا إلى أختها لتخبرها أن عليها الرحيل حالاً، فأبواها في طريقهما إلى البيت. وقتها اعتلت وجه لويس نظرة الإحباط نفسها، ولوهلة أدركت صوفيا أنها ستكون سرَّ نجاح هذا الصبي، إن كان ذلك مقدرًا.

لويس هو الأخ الأوسط بين 7 أشقاء، وعندما أتم السابعة من عمره قررت الأسرة ترك مدينة “سالتو” الريفية للانتقال إلى العاصمة (مونتفيديو)، حيث يعمل والده في مصنع للبسكويت، كما حصلت والدته على وظيفة كعاملة نظافة في محطة الحافلات المركزية في “مونتفيديو”. رفض لويس الانتقال برفقة الأسرة وأصر على البقاء في سالتو، وبالفعل تخلّف عن ركب العائلة، وبقي لمدة شهر بجوار جدته في سالتو، لكنه في النهاية تقبل رغبة والديه كارهًا.

كره لويس العاصمة أكثر عندما انتقل إليها. إنه لا يستطيع اللعب حافيًا على العشب كما كان يفعل في سالتو، تاركًا الباب الرئيس للمنزل مفتوحًا خلفه. كما أنه لم يتحمل صخب المدينة وتعاليها، فهو الطفل الريفي ذو اللكنة المختلفة الذي يتنمر عليه الجميع.

احتاج إلى عامين كاملين للتأقلم مع نمط المدينة وتكوين صداقات جديدة، ولم يكد ينجز ذلك حتى تفاجأ بانفصال والديه. أصبحت الأمور أكثر صعوبة، ولم يحقق لويس أي نجاح يذكر إلا من خلال لعبه لكرة القدم في صفوف الناشئين لعملاق الدوري الأورجواني “ناسيونال” لكن حتى مستقبله كلاعب كرة قدم كان على المحك.

سواريز بقميص ناسيونال

كان وقود استمرار لويس في كرة القدم، هو مساعدة والدته وإخوته الطامحين إلى عيش حياة أفضل، لكن مع الوقت كان يشعر أنه لا طاقة له بكل ذلك. هو لا يعرف في الأساس إن كان مؤهلاً ليصبح لاعب كرة قدم محترفًا أم لا. كان يتعامل مع كل شيء حوله بنظرة غضب ممزوجة بإحباط وخيبة أمل. استمر هذا التخبط كعنوان رئيس لحياة لويس سواريز وصولاً إلى اليوم الذي لن ينساه لويس أبدًا. اليوم الذي رأى فيه صوفيا.

كانت صوفيا هي “هدية الرب” لهذا المراهق الموهوب لكي تجنبه طريق الضياع. بدّلت صوفيا حياة لويس تمامًا، فهي تنتمي إلى طبقة متوسطة ميسورة الحال، وعرف لويس أنه يجب أن ينجح لكي يكون جديرًا بها. توقف لويس عن السهر ليلاً برفقة أصدقائه، وتضاعف اهتمامه بالدراسة والانتظام بها.

وخلال موسم ما قبل ظهور صوفيا، لم يسجل لويس سوى 8 أهداف فقط في 37 مباراة. لذا أخبرته إدارة ناسيونال أن يبحث له عن نادٍ آخر، خاصة أنهم يعرفون أمر سهراته الليلية جيدًا، إلا أن مدربه السيد ويلسون أقنعهم بإعطائه فرصة أخيرة، وتحدث معه بصرامة لئلا يضيع هذه الفرصة.

ربما اقتنع السيد ويلسون بأن هذا الحديث هو سبب تحول لويس إلى نسخة مغايرة تمامًا على مستوى الانضباط والنتائج، فقد تعاظم معدل سواريز التهديفي حتى إنه كاد يكسر الرقم القياسي للأهداف على مستوى الشباب. بلغ الرقم القياسي 64 هدفًا في عام كامل مسجل باسم روبين سوسا، واستطاع لويس أن يسجل 63 هدفًا. ربما أعطى ويلسون الفرصة للويس لكي يحيا من جديد. لكن هذا النبض الذي أعاده للحياة كان نبض صوفيا وحدها.

لويس بقميص أوروجواي

ضربة مميتة لمستقبل مشرق

كان والد صوفيا يعمل بأحد بنوك أوروجواي، التي أغلقت أبوابها إثر الأزمة الاقتصادية عام 2002. قرر والد صوفيا أن ينتقل إلى إسبانيا حيث يقطن أخوه، وكان على صوفيا أن ترحل برفقة والدها تاركةً حُطام رجل كانه لويس في مونتفيديو.

رحلت صوفيا في أكتوبر/تشرين الأول 2003 إلى برشلونة، ولم تتوقف عن البكاء. أدركت أمها الأمر، فأخبرتها بأنها ربما تعود إلى أوروجواي إذا ما انتهت من دراستها للعمل في بلدها بجوار لويس. سألت صوفيا عن العمل الذي لا يتطلب سوى أقصر مدة دراسية للالتحاق به، فأدركت أن “تصفيف الشعر هو الحل”. لم يكن هذا ما أرادت فعله.

أما لويس، فبين بكاء مستمر وذكريات مُعذِّبة لم يجد سوى حل واحد عليه أن يفعله. كان عليه أن يتدرب كما لم يفعل من قبل. كان لويس يلعب في تشكيلة ناسيونال للشباب، لكن إذا أصبح لاعب كرة قدم محترفًا قد تسنح له فرصة الذهاب واللعب في أوروبا، وبهذه الطريقة سيكون أقرب إلى صوفيا. كانت الخطوة الأولى نحو تحقيق حلمه هي أن يتدرب الآن وهنا.

احتاج الأمر إلى عامين من التدريب الجدي في صفوف ناشئي ناسيونال، حتى يتمكن لويس من الظهور بقميص الفريق الأول. لكن شراسته في السعي نحو هدفه المنشود، جعلته يقلص المدة إلى النصف. وبعد عام واحد كمهاجم ناسيونال الأساسي استطاع أن يحصل على عقد في صفوف فريق جرونينجن الهولندي. كان في التاسعة عشرة، وكانت صوفيا في السادسة عشرة حين انتقلت لبدء حياة جديدة برفقة لويس في شمال هولندا.

لويس بقميص أياكس أمستردام

رغبات مجنونة في هولندا

يقبع فريق لويس الجديد في مدينة جرونينجن الصغيرة التي لا يتعدى عدد سكانها 190 ألف نسمة. كانت مدينة صغيرة بالفعل، لكنها أصبحت أصغر في عيني سواريز مع الوقت. لقد فعل كل هذا من أجل صوفيا. وها هي صوفيا تجلس بجواره، فلماذا عليه أن يتدرب بجهد إذًا؟

لم يتفهم مسؤولو جرونينجن الأمر، حتى إنهم شعروا كأنهم جلبوا لاعب آخر مختلفًا عن هذا الذي لعب بألوان ناسيونال. كان أداء سواريز “كارثيًّا”، وخلال إحدى المباريات وجد لويس سواريز دافعًا جديدًا للتألق، كان الأمر مفاجئًا للجميع، وللويس شخصيًّا.

في سبتمبر/أيلول 2006 وخلال إحدى المباريات ضد فريق فيتيس، كان جرونينجن متأخرا 3-2 في الدقيقة 82 وبالصدفة البحتة كان فريق فيتيس يرتدي القمصان الصفراء والسوداء، وهي ألوان فريق “بينارول” الغريم الأبدي لفريق طفولة لويس “ناسيونال”، كان هذا هو دافعه الوحيد لتسجيل هدفين خلال 5 دقائق، والخروج منتصرًا برفقة فريقه الهولندي.

وفي اليوم التالي عرف دافعه الجديد، بعد أن رأى نظرات الفخر في عيني صوفيا، إذ تزاحمت حوله المدينة لتحصل على توقيعه.

بعد الواقعة. عام واحد احتاج إليه سواريز ليصبح المهاجم الرئيس لعملاق هولندا أياكس أمستردام. أصبح سواريز مع الوقت معشوق جماهير أياكس، ولمَ لا؟ فالرجل استطاع أن يحرز 49 هدفًا خلال 48 مباراة في موسم واحد، كما آمن به المدربون تباعًا، حتى إن مارتن يول منحه شارة الكابتن لدوره القيادي و”رغبته المجنونة” في الانتصار.

لم يستطع لويس، رغم كل الإنجازات المبهرة، أن يحقق الدوري الهولندي مع أياكس. لكن مع ذلك كان سر حب الجميع للويس هو ذاته الدافع الجديد الذي خلقه الرجل لنفسه: أن يضع رأسه بيديه تحت المقصلة في مقابل ألا يخسر أبدًا.

لكن هذا الدافع تحديدًا يختلف عن دوافع الحب التي بدأ معها لويس كرة القدم؛ هذا الدافع أنتج لنا لويس آخر:

سواريز بقميص ليفربول

علامة مسجلة للشر في بريطانيا

قبل عام من رحيل سواريز إلى ليفربول، كانت له حادثة شهيرة بقميص أوروجواي، بعد أن منع هدفًا مؤكدًا لمنتخب غانا في الوقت القاتل مستخدمًا يده، ثم أضاع جيان مهاجم غانا ركلة الجزاء، ليحتفل سواريز بـ”جنون”. كان الأمر مُبرَّرًا للبعض، لكن لويس في نفس الوقت منع منتخب غانا من أن يكون أول فريق إفريقي يصل إلى نصف نهائي كأس العالم، وكان هذا كفيلاً بأن نرى بداية ملامح لويس الشرير.

انتقل لويس إلى ليفربول، حيث تعلقت عليه كل الآمال في العودة إلى منصات التتويج مرة أخرى. وكان لويس على قدر الحدث، فقد تألق بشدة وحصل في مقابل ذلك على دعم غير مشروط من جماهير الريدز الوفية.

إلا أن دافع لويس كان يتعاظم داخله؛ هو لا يريد أن يخسر أبدًا وكذلك كانت جماهير ليفربول، لكن عناصر الفريق لم تكن لتؤدي إلى ذلك. هنا ظهر لنا لويس الشرير مرة أخرى، تارة في حديث عنصري تجاه باتريس فييرا، وتارة أخرى عندما عض مدافع تشيلسي إيفانوفيتش معرضًا نفسه للايقاف 10 مباريات كاملة.

اقترب سواريز كثيرًا من تحقيق هدفه الذي يبحث عنه منذ أن رحل عن فريقه المحلي، وهو الوقوف على منصة البطولات. قدم لويس مع ليفربول أداء هو الأفضل على الإطلاق في تاريخ الفريق الأحمر خلال مواسم الدوري الإنجليزي الممتاز، التي سبقت مجيء يورجن كلوب لتدريب الفريق، لكنه في النهاية لم يحقق اللقب بعد “زحلقة جيرارد” الشهيرة.

أراد لويس الرحيل، وشعرت إدارة ليفربول أنه الأمل الأخير للعودة مرة أخرى للبطولات خاصة بعد أن اقتربوا للغاية من تحقيق ذلك. ذهب لويس للعب كأس العالم 2014 فأنهى كل شيء بعد أن كرر حادثة العض ضد المدافع الإيطالي جيورجيو كيلليني. أصبحت نسخة لويس الشرير هي الأشهر داخل إنجلترا، خاصة أنه أطاح بفريق إنجلترا من كأس العالم وقتها، وبالغ في الاحتفال. وأصبح الطريق ممهدًا نحو انتقال آخر، وكانت الوجهة فريق برشلونة.

سواريز بقميص برشلونة

برشلونة.. أيام التألق والوداع

نحن الآن برفقة صاحب الشخصيتين. الرجل الذي تلاحقه السمعة السيئة، والمحب الذي يعرف أن عودة صوفيا برفقته إلى برشلونة هو انتصار شخصي، وتتويج مستحق لسنين من التعب. وهكذا كان سواريز بالفعل في برشلونة خلال 6 سنوات.

انتصارات وألقاب تألق خلالها سواريز على نحو لافت وملحوظ. ثنائيات برفقة ميسي، وخط هجوم هو الأخطر مع ميسي ونيمار. أهداف عديدة وهامّة جعلت الرجل ثالث هدافي برشلونة التاريخيين، لكن في مقابل الكثير من الانتقادات بسبب لقطات من العنف أو التمثيل للحصول على ركلة جزاء.

6 سنوات كاملة ضمنت لسواريز أن يجاور اسمه أسماء أعظم مهاجمي التاريخ دون شك. أدرك الرجل مع الوقت أن أداءه يتأثر؛ وحشيتُه نحو المرمى تقل، نادى في وجه الجميع بأنه يتقبل فكرة وجود مهاجم كبير آخر بجواره، لكن في المقابل طُرِدَ من الفريق.

سواريز وصوفيا

وحدها صوفيا هي من تعرف الأحداث المقبلة، هي لا تتنبأ بالمستقبل لكنها جزء من التاريخ. تلك النظرة التي اعتلت وجه لويس يوم مكالمة “كومان” لا يمكن أن تستمر إلا أيام معدودات، ثم سيتلو ذلك تحدٍّ جديد. هكذا كان سواريز، وهي تعرف أنه لن يتغير أبدًا.

تمسك سواريز بأن يكون هذا التحدي المقبل داخل إسبانيا. تحديدًا برفقة كتيبة سيميوني داخل قلعة أتليتكو مدريد. حاول بارتوميو أن يمنع الأمر، لكنه فشل أمام إصرار سواريز.

هل قرر سواريز أن يذيق برشلونة كأس الانتقام كما فعل بإنجلترا كلها؟ أم أنه وجد كتيبة من الأشرار الذين يتفهمون دوافعه مثل سيميوني وكوستا؟ أم أنه على العكس تمامًا يريد أن يبقى أقرب إلى برشلونة التي خلعت قلبه مرتين؟ نحن لا نعرف الحقيقة، لكن الأكيد أن هذا الرجل سيكتب التاريخ من جديد.

 

 

محمود عصام

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى