رياضةمختارات

معدلات تهديفية جنونية.. ما الذي تغير في البريميرليج؟

 

لعلك قد اصطدمت يومًا بالنظرية الأمريكية لكرة القدم، التي تبدأ بإطلاق اسم “Soccer” على اللعبة الأكثر شعبية بالعالم، في حين تسمي لعبتهم الخاصة باسم كرة القدم “Football”. لأنهم ببساطة لا يفضلون اللعبة التي نعرفها، ولديهم أسبابهم المنطقية.

ففي عام 2009، أوضح مقال على موقع “بليتشر ريبورت” أن كثيرًا من الأمريكان يشعرون أن كرة القدم لديهم أقرب إلى مباراة شطرنج، قد تصل في نهايتها إلى طريق مسدود. وذلك لأنهم يفضلون الرياضات الجماعية الغزيرة بالأهداف، أو التي دائمًا ما يملك فيها الجميع فرصة للعودة في النتيجة، على عكس مباراة كرة القدم، التي قد ينتهي شوطها الأول بنتيجة 2-0، ويسلم الجميع بانتهاء الأمر.

بإمكانك أن ترى مبدأ غزارة الأهداف في كرة القدم الأمريكية وكرة السلة، وستتفهم نظرتهم تلك، لكنك على الأرجح لن تتقبلها، لأنك مشجع وفيٌ للعبتك، ومستعد لقضاء 90 دقيقة كاملة في مشاهدة مباراة تكتيكية مغلقة، لأنها مثيرة من وجهة نظرك.

لكن على الجانب الآخر، يوجد من يتمنى أن تكون الـ90 دقيقة التي يشاهدها شبيهة بما يتمناه المشجع الأمريكي، مباراة خالية من التحفظ، غزيرة بالأهداف، تجبره على القفز من كرسيه عددًا لا نهائيًّا من المرات. ومن حيث لا ندري، ظهر موسم 2020/2021 من البريميرليج بحلة مشابهة، وصارت صفة “الجنون” هي الغالبة على جولاته، ليحاول الجميع البحث عن تفسير منطقي.

مانشستر سيتي في مواجهة ليستر

إحداثيات الجنون

دعنا أولاً نصحبك في جولة لتدرك ما يحدث في الدوري الإنجليزي الممتاز، وهل يستحق وصف الجنون أم لا. بعد مرور 4 جولات من الموسم الحالي، كان ليفربول حامل اللقب قد تلقى 7 أهداف في مباراة واحدة، وتلقى الوصيف مانشستر سيتي 5 أهداف في أخرى، وتلقى صاحب المركز الثالث 6 أهداف في ثالثة، ناهيك بتذبذب بقية النتائج.

وفقًا للأرقام التي نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية “BBC”، في أول 38 مباراة من هذا الموسم، تم تسجيل 144 هدفًا، وهو ما يزيد 40 هدفًا على حصيلة نفس العدد من المباريات في موسم 2019/20 ليصل معدل الأهداف في المباراة الواحدة إلى 3.79 هدف، وهو المعدل الأعلى منذ موسم 1930/31. في 29% من هذا العدد، كانت حصيلة المباراة الواحدة 5 أهداف على الأقل، وهو رقم لم يحدث منذ موسم 1960/61.

ستستمر إحصاءات “BBC” في إثارة دهشتك عندما تعلم أن معدل التسديدات للمباراة الواحدة أقل منه في موسم 2019/20، لكن من دون سابق إنذار ارتفع معدل تحويل التسديدات إلى أهداف من 11% -في 2019/20- إلى 16.1%. ومع استمرار هذا النسق، انتظرت نسخة 2020/21 من البريميرليج 47 مباراة لتظهر نتيجة التعادل السلبي للمرة الأولى، وهو رقم بعيد تمامًا عن الدوريات الكبرى الأخرى.

بالطبع، اكتمل هذا المشهد الغريب برؤية فرق غير معتادة رؤيتها على قمة الجدول، مثل أستون فيلا، وإيفرتون، وليدز يونايتد، كأننا نلعب في أحد مواسم السبعينات أو الثمانينات.

البريميرليج في ظل كورونا

محاولة التفسير

لكي نحاول البحث عن التفسير كان من البدهي أن نبدأ بالظروف الحالية الناتجة عن جائحة كورونا. بالطبع هي ظروف لم تمر علينا من قبل، وكذلك لم تُلعَب خلالها كرة القدم في السابق. فقد تسببت الجائحة في إطالة عمر الموسم السابق، وتقصير الفترة الزمنية المتاحة للراحة والإعداد للموسم الجديد.

“تتفاعل نخبة الرياضيين على نحو مختلف عما كان قبل الجائحة، وعلى الرغم من توقف النشاط لفترة، فإن ذلك التوقف لم يكن وقتًا للاسترخاء، لذلك يوجد إرهاق ذهني واضح على معظمهم”.

تصريح مايكل كولفيلد، المختص بالطب النفسي الرياضي إلى بي بي سي

قد تكون الحالة الذهنية أكثر أهمية من الحالة البدنية، لكن الأكيد أن كلتيهما ليست على ما يرام في بداية موسم 2020/21. وما يزيد العشوائية ويجعل المشهد ظاهرًا بهذا الشكل هو اختلاف استجابة اللاعبين تجاه عدم الراحة، قد تجد لاعبًا أسرع من حيث التكيف، وآخر يحتاج إلى وقت أطول.

وبنفس الطريقة غير المتوقعة للاستجابة، تأتي أيضًا استجابة اللاعبين لغياب الجماهير. فالأمر ليس سلبيًّا على طول الخط، فقد أوضح مدافع ليفربول السابق جيمي كاراجر أن “المدرجات الخالية تمثل فرصة ذهبية للاعبي الفترة من الاثنين إلى الجمعة”، باعتبار أن مباريات البريميرليج تُلعب يومي السبت والأحد. يقصد كاراجر هؤلاء اللاعبين الذين يتألقون عادة في التدريبات، ولا يفعلون المثل في المباريات الرسمية بسبب الضغط الجماهيري.

وعلى النقيض تمامًا، يقول المدرب كارلوس كارفخال، المدير الفني لنادي براغا البرتغالي، إن وجود الجماهير يجعل حواس اللاعبين أكثر انفتاحًا، وردود أفعالهم العضلية أكثر شدة، بل إن بعضهم يرى الجماهير مؤثرة بنسبة تصل إلى 20%، ومن دونهم يصبح الأمر مجرد 11 ضد 11 مع حكم وكرة.

وبالتالي نحن أمام مجموعة تجد الجماهير مُحفزًا لبذل المزيد، ومجموعة أخرى تجد الجماهير عبئًا ثقيلاً من دونه قد يزداد التركيز ويتحسن الأداء. هل تتذكر معدل تحويل التسديدات إلى أهداف الذي ارتفع من 11% إلى 16.1%؟ قد يكون السبب هو عدم وجود الضغط الجماهيري، وليس فقط جودة الفرص المصنوعة، لمَ لا؟

قد يكون مثال أستون فيلا الأكثر توضيحًا لفوضوية المشهد؛ الفريق فاز على ليفربول 7-2 ثم خسر من ليدز يونايتد 0-3 على نفس الملعب. هل من تفسير؟ الأكيد أن هذه الأجواء غير المعتادة ساهمت في تغيير عدد من العوامل التي تؤثر في مباريات كرة القدم، على نحو عشوائي لا يمكن تحديده، بالإضافة إلى الأخطاء الفنية المعتادة التي يرتكبها اللاعبون والمدربون.

لكن إذا مررنا على معدلات وجدول ترتيب الدوريات الأخرى، سنكتشف أن البريميرليج قد استأثر بمفرده تقريبًا بمعظم هذه العشوائية، وأن الدوريات الكبرى الأخرى ما زالت تحتفظ ببعض المنطق في نتائجها، كأن الدوري الإنجليزي الممتاز يملك شئيًا خاصًّا.

جوزيه مورينيو مدرب توتنهام

جنون إضافي

المشهد الحالي سواء أكان مؤقتًا أم لا، يمثل فرصة جيدة للنظر إلى جنون البريميرليج عمومًا. فالدوري الإنجليزي ينفرد بقيمته السوقية دون بقية الدوريات الأخرى، ويترتب على ذلك تضخم عوائد البث التلفزيوني، التي تُوزَّع بعدل على كل فرق الدوري. ومع توافر المال، صارت فرق وسط وآخر الجدول قادرة على التدعيم بصفقات مميزة. وبإضافة استقرار فني، ولو مؤقت، إلى تلك الصفقات، سيشكل الفريق الصغير تهديدًا.

لكنه في النهاية تهديد قصير الأجل، وإن طال، لن يهدد الكبار، لأنهم يمتلكون الجودة الأعلى على مستوى اللاعبين والمدربين والإدارة، في الأحوال العادية، أما الآن فالوضع مختلف. لدينا على سبيل المثال 3 من كبار الدوري يدربهم 3 مدربين بلا سيرة ذاتية تقريبًا: ميكيل أرتيتا مع أرسنال، وفرانك لامبارد مع تشيلسي، وأولي جونار سولشاير مع مانشستر يونايتد. في الوقت الذي يدرب فيه مورينيو وأنشيلوتي فريقي توتنهام وإيفرتون.

حتى وإن سلمنا بأن أفكار جيل مورينيو وأنشيلوتي قد عفا عليها الزمن، فليس من المنطقي أن تُستبدل بالأفكار قديمة أفكارٌ لم تولد من الأساس، أفكار لم يقدمها أصحابها بنحوِ مقنِع مع نادٍ متوسط أو صغير، قبل أن يجدوا مكانهم على المقعد الفني لأكبر أندية العالم.

التذبذب الذي قد يسببه عدم الاستقرار الفني، أو مثل هذه الطريقة الغريبة لاختيار المدربين، من شأنه أن يتضاعف مع سوء الإدارة. ويتجلى هذا السوء في المكابرة في ما يخص منصب “المدير الرياضي”، الذي يعتبر حلقة الوصل بين وجهة النظر المالية للإدارة، ووجهة النظر الفنية للمدرب. ووجود شخص بارع أو خبير في هذا المنصب، سيسهل على النادي عملية التخطيط للمستقبل وإدارة سوق الانتقالات، وهو ما ظهر بوضوح مع تجربة ليفربول ومديرهم الرياضي مايكل إدواردز.

Ed Woodward signings at Man Utd 1/2:
Fellaini 29
Mata 40
Di Maria 68
Shaw 34
Herrera 33
Rojo 18
Blind 16
Falcao 7
Martial 54
Schneiderlin 32
Depay 31
Darmian 16
Schweinsteiger
Pogba 95
Mkhitaryan 38
Bailly 34
Zlatan 0
Romero 0
Lukaku 76
Matic 40
Lindelof 32
Sanchez 31

— Dan Kennett (@DanKennett) September 17, 2020

في مانشستر يونايتد مثلاً، ستجد المشجعين بعد كل موسم فاشل يطالبون برأس إد وودوارد، المدير الفعلي للنادي، لأنه لا يفقه إلا في الاقتصاد، وبعيد كل البعد عن إدراك احتياجات الفريق الفعلية، ولا يريد تعيين مدير رياضي بالأساس. أما في تشيلسي وأرسنال، فقد عُيِّن لاعبان سابقان للمنصب، بيتر تشيك للبلوز، وإيدو للجانرز.

في الوقت نفسه، يتولى شخص بقيمة دان أشوورث هذا المنصب في نادي برايتون، ويعد واحدًا من المجددين في كرة القدم الإنجليزية، بعد أن عمل باتحاد كرة القدم مديرًا لتطوير المواهب في عام 2012، ثم مديرًا تقنيًّا في عام 2014 ليساهم في إدخال مشروع “England DNA”، لتطوير منظومة تدريب الناشئين وعملية انتقاء المواهب، والنتيجة كانت طفرة هائلة في نتائج منتخبات الشباب وكذلك ظهور عدد كبير من المواهب.

حالة برايتون وإن كانت استثناء، هي امتداد لجنون البريميرليج؛ فريق صغير يفكر في تحسين هيكلته الإدارية لمحاولة التخطيط للمستقبل، وفرق كبيرة لا ترى هذا مهمًّا. لكن في النهاية ساهم كل منهم ولو بجزء بسيط في رسم هذه الصورة للدوري الإنجليزي الممتاز، وسواء أكنت مهتمًا بمتابعة هذه التفاصيل أم لا، فإن البريميرليج والجنون صارا متلازمين، ولن يفترقا في المستقبل القريب.

 

محمد بدوي

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى