تدوين

معرض الذكريات

“الذكريات هي مشاهد ممتدة لشخص لم يعد له حضور، نتفاعل معها بالعاطفة، نتصنع أحداثًا أخرى أحيانًا لتكون العاطفة محبكة، تمنحنا قدرًا من مشاعر مسالمة، نهدأ بعدها بقدر ما كانت كثيفة وقاسية”، هكذا رد عمر على سؤال صديقته جهاد: “ماذا تعني لك الذكريات؟”.

دار هذا الحوار خلال سفرهما المباغت. قبل السفر، لم يكن قد مضى على تعارفهما سوى أيام قليلة. رغب الشابان في التنّزه بعيدًا عن دائرة الحذر، حيث ألسن المدينة التي يقطنان فيها يتنقل الكلام عليها كالعصافير.

جهاد تنتظرها دورتها التدريبية في الثانية عشر، وقد أرادت أن يأتي عمر معها، فما وجد نفسه في اليوم التالي إلا وهو يترقب قدومها إلى المحطة.

استقلا سيرفيس التاسعة صباحًا إلى القاهرة. كلاهما ممتن للآخر. دارت الأحاديث وزاد التعارف؛ جهاد بإسهاب شديد، وعمر مستلقٍ على الكرسي موجهًا نظره إليها. جذبته لباقتها في سرد قصتها، وعفويتها التي كان يفتقدها في حياته السابقة مع غيرها. وجد نفسه هو الآخر لا يحتاج للتصنع. تخففا من جميع الأثقال التي تحول عادة بين تواصلهما مع الآخرين.

توجه عمر بتركيزه مع حركات فمها، وأصابعها التي بدأت بالتشابك مع أصابعه دون أن يدري أيًا منهما من بدأ الأمر، حينها أدرك كلاهما أنه، كما يقول كونديرا “مطية خرافية للآخر”، الحصان المجنح الذي ستمتطيه ذاتيهما نحو السماء. ثم فجأة، ارتمت جهاد بين أحضانه، وبعد فترة من عناق صامت يهدر بالود والامتنان، علم عمر أن هذه الفتاة التي تواجه عالمها بشجاعة تبتعد كفاية عن التزييف؛ تبحث عمن يبادر بتقدير هذه الشجاعة، وربما احتوائها.

نظر إليها عمر فارتسمت على وجهها ابتسامة تنم عن الرضا بنجاحه في الاختبار: “يبدو أنك مناسب لتحمل تقلبات مزاجي”. أعادت إليه النظر، وضحكا.

وصل السيرفيس إلى القاهرة. كان الجو شتاءً، وكانت شمسه بالكاد تصل إلى هؤلاء الذين جاؤوا إلى العاصمة لممارسة شبابهم.

أمسكت جهاد بيد عمر وكأنه آخر ما تبقى لها. صار لتشابك يديهما لغته؛ عندما تختفِ كل التعابير، يظهر هذا التشابك لينقذهما من الصمت، بالأحرى من الكتمان. مثلًا، يُسمَع من تشعلُق جهاد في عمر الآتي: تحمّلك لتقلبات مزاجي التي أظهرتُها بالقصد، تجعلك فرصة لا تُعوّض. في المقابل ترك عمر نفسه تحت تصرفها.

كان أمام عمر ساعتين للانتظار في أحد المقاهي حتى تنتهي جهاد من الدورة التدريبية. ولأن كثيرًا من التغيرات المفاجئة طرأت على السيناريو الذي رسمه عمر في مخيلته للرحلة. كانت الفترة مناسبة له كي يعيد السيطرة على عقله ويُعدّل كتابة ما تبقى من السيناريو ليظهر الفيلم بصورة جيدة.

ثم ها هي جهاد أنهت حصتها؛ تُسرع في المشي نحوه، تقابله بابتسامة امتنان على مجيئه ثم انتظاره: “وشّك حلو عليا، جبت الدرجة النهائية”. لم تكن ابتسامتها فقط ما يزيده بهجة، بل كلامها أيضًا، كما كان يزيده ارتباكًا، رغم تظاهره الدائم باللامبالاة. ابتسامة ثم جملة منها جعلت عمر ينسى ما كان يتدرب عليه طوال مدة الانتظار.

دفعتهما الرغبة في بناء ذكريات إلى زيارة متحف التحرير. كانا على علم بأن هذه الصدفة التي هي خير من ألف معاد يتوجب شكرها بالذكريات، كما كان عليهما شكر الحياة التي أهدتهما بعضهما.

اختلطا بالمكان، فكانا جزءًا من الفن المنثور في الأبعاد، يتأملان المتحف بخطوات متباطئة، يتنزهان متشابكي اليدين ويتحدثان، ويلتقطان الصور التذكارية، التي امتلأت بقبلات بدت في ظاهرها عفوية، وفي باطنها تحمل الكثير من الجدية. اندفع لا وعي كل منهما بحثًا عن مخبئ خلف أحد التماثيل الضخمة لاختلاس مزيد من القبلات.

بعد عرضهما لأول لوحاتهما الفنية، يجب الإشارة إلى أن نزهتمها لم تبدأ بعد؛ عليهما تشكيل المزيد من اللوحات لاكتمال معرض الذكريات. وعند عودتهما إلى المحطة للعودة وإنهاء الرحلة، كانا على علم بأن هذه الرحلة ستكون مرة وللأبد، وغالبًا بعد العودة سينتهي كل شيء كما بدأ. انتظر كل منهما فرجًا يتمثل في أن يبادر الآخر ولو بإيحاء بسيط يطيل الرحلة.

وحين اختفت كل العبارات التي يمكن أن تنقذ الموقف، تشبتث يد كل منهما بالآخر. وعند الوصول إلى شباك التذاكر، بدأت الخطوات في التباطؤ. لكن جهاد أنهت المسألة بالمبادرة: أجرت اتصالًا أخبرت فيه والدتها بأنها ستضطر إلى المبيت مع صديقتها المريضة، ثم: “زي ما سمعت، صاحبتي تعبانة وهبات معاها، هتسيبني لوحدي؟”، وبنفس طريقتها، رد عمر بسرعة: “طبعًا لأ”.

ها هما يدخلان الغرفة متعانقين، ثم يهبطان بتأنٍ على السرير. وكما هو معلوم، كلما زادت سرعة الإثارة تزداد معها سرعة فقد المتعة. ولطمعهما في استمرار متعة الإثارة أطول فترة ممكنة، انسابا ببطء نحو البلكونة، وأشعلا سيجارتين، وأخذا يتحدثان طويلًا.

كانت الثانية عشر منتصف الليل، وما زالت رائحة الإثارة تفوح من أجسادهما. عادا مجددًا إلى الداخل، وأطفأ عمر المصابيح. هكذا فقط، سيمارسان الحب براحة حتى الفجر. ساعدهما تقسيمهما لليلة إلى أقسام متعددة، في إدراجها إلى معرض الذكريات، لأن كل ما دون هذه الفترة منسيّ وغير مُدرك، لاسيّما وأن ليلتهما ستبقى للأبد، ولا يمكن معاودتها إلا في الذكرى.

انتهت الرحلة بعد استقلالهما سيرفيس التاسعة، وانتهت معها علاقة ذات يوم واحد، دون أي احتمال حاسم. أشبع كل منهما رغبته، ثم ترجل “الجنون” عن كل منهما، وانتهى كل شيء، وبقيت الذكريات، ودليلٌ شامل للعلاقات يتكون من يوم واحد: صداقة ممتنة، امتنان يتجسد في حب، حب يباغت الجسد؛ استمتاع لا حاجة للتصريح به، ونهاية مُرْضِية.


اقرأ/ي أيضًا:

صراع بين الهامش والمتن

اليوم الأخير

عبدالرحمن السيد

كاتب ومصور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى