زوايامختارات

معركة عين جالوت.. كيف أنقذ المماليك عالم اليوم من الانقراض؟

هناك بعض اللحظات، بعض سلاسل الأحداث الغامضة، أو بالأحرى مُتواضِعة  الأهمية، والتي بإمكانها تعريف وإظهار التاريخ البشري بطُرُقٍ مُفاجِئة لا يُمكِننا أن نبدأ في سبر أغوارها حتى نرى الصورة الأكبر.. ومعركة “عين جالوت” هي إحدى تلك النقاط المفصلية في التاريخ، فبدونها كان العالم، كما نعرفه، سيختفي ببساطة.. نقول بكل ثقة إنه دون هذه المعركة والأحداث المُحيطة بها، فإن الوجه السياسي لأوروبا والشرق الإسلامي كان سيختلف بشكلٍ هائل عن صورته الحالية.

باختصار، كانت معركة “عين جالوت” هي العلامة الفارقة لِلَّحظة التي عاد فيها المجتمع الإسلامي المُستقل بنفسه في الشرق الإسلامي للحياة بعدما كان على وشك الانقراض.

سيطر المغول في أوج قوَّتهم على أكبر إمبراطورية قامت على سطح الأرض في التاريخ، ولا يفوقُها في الحجم الكُلِّي إلَّا الإمبراطورية البريطانية الفيكتورية فقط.. ففي القرن الثالث عشر الميلادي، كان بإمكان الشخص أن يُسافر من حافة “بولندا” إلى “كوريا” ولا يكون قد غادر نطاق إمبراطورية المغول قط.. إلَّا أن كل الإمبراطوريات تصل إلى أعلى حدٍّ ممكن ثم تنهار بعدها لا محالة.. وقد جاءت لحظة الانهيار تلك بالنسبة للمغول في عام 1260م عند معركة “عين جالوت”.

كانت جحافل المغول تُثير الرعب والفزع عبر القارات، لقوَّتهم التي لا هوادة فيها ودافِعهم النَهِم لغزو العالم بأسره، وأي أحدٍ عاصرهم، كانوا يبدون ببساطة غير قابلين للإيقاف أو الهزيمة.

خريطة لمعركة عين جالوت

وتحت حكم “جنكيز خان” اتسع مُلْك المغول، كما ذكرنا، حتى أن بعض الدراسات تُقدِّر أن نصف بالمائة من تعداد سكان العالم عام 2003م (أي نحو ستة عشر مليون إنسان) مُنحدِرون من سلالة “جنكيز خان”.

لم يُعان المغول من أي هزيمة عسكرية كبرى في سعيهم للسيطرة على العالم، وسرعان ما أدركت كل الأمم أنها تواجه واحدا من أخطر الجيوش في التاريخ وأكثرها فعالية في الغزو، وقد توجَّهت أنظار المغول الآن نحو الشرق الإسلامي، ولن يتوَّقفوا حتى يغزوه بالكامل.

بدأ المغول غزو الشرق الإسلامي عام 1258م عندما سقطت “بغداد” –المركز الثقافي للعالم الإسلامي وعاصمة الخلافة العباسية– في إعصارٍ من العنف والعربدة، فقد سقطت في قبضة جيش المغول، الذي يقوده حفيد “جنكيز خان”، “هوغالو خان”، [الذي تُسمِّيه المصادر الإسلامية العربية “هولاكو”]. وللمرة الأولى في تاريخ المُسلمين، يصير العالم الإسلامي بلا خليفة.

قَيَّمت التقديرات المُعتدلة عدد القتلى نتيجة نهب المغول للمدينة بمائتيْ ألف إنسان، وفضلاً عن ذبح السكان، فقد قام الغزاة كذلك بتدمير مساجد “بغداد” ومكتباتها، بما فيها مكتبة “بيت الحكمة” الشهيرة، وقد ذكر شهود عيان أنه عند انتهاء السلب والنهب، كانت مياه نهر “دجلة” قد صارت سوداء من لون حبر الكُتُب التي أُلقِيَت في الماء، وبدا جليّا أن المغول يحاولون تدمير كل عناصر الحُكْم الإسلامي في الشرق، بإزالتهم لقرونٍ من المعرفة والتعلُّم، ومع خراب عاصمة الخلافة، لم تَعُد هناك في المنطقة سوى قوة وحيدة مُتبقِّية لرد الغزاة، ألا وهي المماليك.

تحرَّك “هوغالو” بعد ذلك نحو “حلب”، والتي سقطت بسرعة وهُدِمَت بقوة المغول الكاسحة، ونَشَأ عن ذلك انتشار الهلع في المنطقة، وسرعان ما استسلمت “دمشق” بلا قتال.

صورة تخيُّلية لفارس مملوكي في عين جالوت

كان المماليك هم هؤلاء المُحارِبين العبيد الأسطوريين، الذين تم شراؤهم كفتية مسيحيين من القوقاز، ثم اعتنقوا الإسلام ومن ثَمَّ تم تدريبهم على القتال، ليصبحوا فيالق نخبة المقاتلين الفرسان، وكانوا بنفس شراسة ومهارة الفرسان المغول تماما. ومنذ سنواتٍ قليلةٍ، كان المماليك قد أطاحوا بسادتهم وأنشؤوا إمبراطوريتهم الخاصة التي امتدت من مصر إلى داخل العالم الإسلامي، وقاموا مؤخراً بالهجوم على الأراضي القليلة التي ما زالت بِحَوْزة المسيحيين الأوربيين تحت لواء الإمارات الصليبية.

توجَّهت أنظار “هوغالو” بعد ذلك نحو مصر، فأرسل رسالة إلى سلطان المماليك، سيف الدين قُطُز، تحمل تهديدا واضحا، يأمره فيها بالاستسلام.. وهذا بعض ما جاء في تلك الرسالة:

“باسم إله السماء الواجب حقه، الذي مَلَّكنا أرضه وسَلَّطنا على خلقه.. الذي يعلم به الملك المُظفَّر الذي هو من جنس المماليك، الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم.. يعلم الملك المُظفَّر قُطُز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته، بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، أنَّا نحن جُند الله في أرضه، خَلَقنا من سَخَطه، وسلَّطنا على من حلَّ به غضبه، فلكم بجميع البلاد مُعتَبَر، وعن عزمنا مُزدَجَر، فاتعظوا بغيركم، وأَسْلِموا لنا أمركم، قبل أن ينكشف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ… وقد سمعتم أنَّنا فتحنا البلاد، وطَهَّرنا الأرض من الفساد، وقَتَلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب، وعلينا بالطَلَب، فأي أرضٍ تأويكم؟ وأي طريقٍ تُنجيكم؟ وأي بلادٍ تحميكم؟… فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمَع.. فمن طلب حربنا ندِم، ومن قصد أماننا سَلِم… فلا تُطيلوا الخطاب، وأسرعوا برد الجواب، قبل أن تضرِم الحرب نارها، وترمي نحوكم شَررها،… وتُدْهون مِنَّا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية… فما بقي لنا من مقصدٍ سواكم”.

(الرسالة بتمامها ذكرها “المقريزي” في كتابه “السلوك لمعرفة دول الملوك”، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت، ج1: ص 514-515).

وكان رد “قُطُز” سريعا وحاسما: أمر بقتل رُسُل المغول، واستعد للحرب.

نموذج للأسلحة النارية المُبكرة

وفيما كان المغول تهديدا وجوديا للمماليك، فقد كان الصليبيون يخشون المغول بنفس القدر، فقد قام هؤلاء الغزاة فعليا بإبادة جيوش مسيحية في روسيا، وبولندا، والمجر منذ جيل، ومع استمرار زحف المغول غربا، صار ما لا يُمكِن تصديقه على وشك الحدوث: توقيع هدنة بين الصليبيين والمسلمين.

في ذلك الوقت، مات الخان الأكبر “جنكيز خان”، وارتحل “هوغالو” عائدا إلى منغوليا مع أكثرية جيشه لإعادة التزوُّد بالمؤن وللتعامل مع مسألة خلافة الخان، وترك “كتبوغا”، أحد الأتراك المسيحيين النساطرة، لقيادة الجزء المُتبقِّي من جيش المغول بالشام.

فرسان المماليك في طريقهم للقتال

حاول “كتبوغا” أن يتفاوض مع الصليبيين لإنشاء تحالف بين المغول ومملكة بيت المقدس ضد المسلمين، لكن الصليبيين لم يكونوا مُهتمِّين بالأمر كما ذكرنا، فعند هذه النقطة، كان الصليبيون يعتبرون المغول خطرا أعظم بكثير من الإسلام، وهكذا أنشؤوا تحالفًا مع المسلمين بدلا من ذلك.. وهذا أمرٌ مصيري: فلو كانت الإمارات الصليبية انضمت إلى المغول عند تلك النقطة، لتغيَّر وجه الشرق الإسلامي بصورة جذرية في أيامنا الحاضرة.

في عام 1260م، منحت الإمارات الصليبية لجيش المماليك ممرا  آمنا عبر مناطقها حتى يتمكَّن الجيش المسلم من اعتراض المغول وإيقافهم، كأن لسان حال الصليبيين يقول: “عدو عدوي هو عدو أكثر خطورة”!

المغول ينهبون بغداد

اشتملت قوَّات المغول على جنود من مملكة “جورجيا”، ومملكة “قيليقية” الأرمينية، الذين خضعوا بيأسٍ لسلطات المغول، وكانوا أول من تَقدَّم.. كان لدى “قُطُز” العدد والعُدَّة والحافِز، إلَّا أن سمعة المغول من الشجاعة والوحشية كانت تسبقهم.

والتقى الجيشان [المملوكي والمغولي–م] في الثالث من سبتمبر عام 1260م عند “عين جالوت” المُسماة نسبةً لـ”جالوت”، العملاق الشهير المذكور في العهد القديم الذي قتله نبي الله “داوود”، أمَّا عن عدد القوَّات التي اشتركت في القتال على وجه الدقة فغير معروف، لكن المغول كانوا يُقسِّمون جيشهم الضخم إلى وحدات مُكوَّنة من عشرة إلى اثني عشر ألف فارس تُدعى “التومين”. وقد حاربت وحدة “تومين” واحدة على الأقل في “عين جالوت”، كانت على الأرجح تُمثِّل كتيبة صغيرة من جيش المغول الرئيسي، أَمَّا المماليك فقد أرسلوا قوات أكبر إلى حدٍ كبير وصل عددها إلى عشرين ألف مقاتل.

بكل المقاييس، كانت المعركة دموية.. وقد قام الطرفان بتنفيذ أسلوب قتالي مُتشابه من تكتيكات الكر والفر باستخدام الفرسان، وسرعان ما أصبحت ساحة المعركة صاخبة فوضوية يختلط فيه الهجوم بالهجوم المضاد بالتقهقر، وأحاط الفرسان الرماة من كلا الجانبيْن بالمتقاتلين وأمطروهم بالنبال.

من المثير للاهتمام، أن “عين جالوت” أيضا كانت أول معركة في التاريخ تشهد استخدام الأسلحة النارية، ففيما يُعتَقد أن المغول هم من قَدَّم اختراع البارود الصيني للعالم الإسلامي في القرن الثالث عشر الميلادي، فإن المماليك هم من نشروا فرقا عديدة من “حاملي المدافع اليدوية” في “عين جالوت”. ورغم عدم دقتها الشنيعة بأي معيار، فإنه عند مقارنتها عمليا بالقوس المغولي، فإن هذه الأسلحة تصنع صَخَبا كافيا لإفزاع خيول الأعداء.

ورغم أن استخدام المماليك للمدافع اليدوية لم يكُن أمرا محوريا في المعركة، فإنه أَظْهَر أن المماليك جرَّبوا كل سلاح معروف يُمكِن لهم استخدامه لإيقاف المغول.

ومع استمرار القتال، ازداد عدد القتلى بين صفوف المغول، وكان من بينهم “كتبوغا” قائد المغول نفسه الذي قيل إنه تم القبض عليه وأُعدِم.

وحارب المماليك بشراسة، وقد شجَّعهم قائدهم “قُطُز”، الذي قيل إنه خلع خوذته حتى يستطيع رجاله تمييزه، واندفع بتهورٍ إلى داخل القتال، وعلى خلاف العديد من الخصوم السابقين للمغول، فإن المماليك رفضوا الانكسار وأَلْحَقوا خسائر فادحة بصفوف الأعداء، ومع نهاية اليوم، انكسر جيش الغزاة المغول وفرُّوا من الميدان.

مملوك بكامل دروعه

نجح “قُطُز” فيما فشل فيه العديد من القادة قبله، ولكن لسوء حظه، لم يكُن إنجازه هذا كافيا لينجو بحياته، ففي أثناء رجوعه إلى القاهرة، اغتاله نفس الرجال الذين قادهم في المعركة، وهناك جدلٌ كبير حول مَن المسؤول بالضبط عن موته، إلَّا أن الأدلة تُشير فيما يبدو إلى “بيبرس البندقداري”، الذي حكم بعده.

وبعد جيلٍ كامل، تمكَّن المقاتلون العبيد المشهورون في مصر آخر الأمر من دحر الصليبيين بالمنطقة كلها، وأَنْهَوا مائتيْ عام من وجود الممالك الصليبية، أمَّا بالنسبة للمغول، فقد كانت “عين جالوت” هي أعلى نقطة وصلوا إليها في توسعهم نحو الغرب.. كانت معركة “عين جالوت” علامة على أوَّل هزيمة حاسمة يتكبدَّها المغول منذ أن بدؤوا في غزو العالم الإسلامي.

ما لم يعرفه المغول حينها، أنها أيضا كانت علامة على بداية النهاية للإمبراطورية المغولية القوية. فالمغول لم يصلوا قط إلى القوة التي بلغوها قبل “عين جالوت”، خاصة مع نشوب الصراعات الداخلية وتكرار الهجمات الخارجية عليهم، ولم يعودوا يُشكِّلون أيَّ تهديد على الولايات الإسلامية.

ومع هزيمة المغول، تم إنقاذ الشرق الإسلامي من الهَيْمنة الأجنبية، واستمرَّت ونَجَت خمسمائة عام من الثقافة والمعرفة الإسلامية، لتُعلِّم الحضارة الغربية، وأصبح المسلمون في الشرق الإسلامي هم القوَّة المُسيطِرة على المنطقة بعد أن كانوا على شفير الانقراض.

تحرَّرت الشام من حكم المغول بالكامل، وتم تنصيب خليفةٍ جديد، مِمَّا أكَّد وزاد ثقة الممالِك الإسلامية، وأسَّس لقوَّتها في الشرق الإسلامي حتى اليوم.

المصدر

هذه ترجمة لمقال “جيم دودوكو”، المنشور في 20 أغسطس 2017 م، وهو صاحب كتاب “إرادة الرب”، وهو تاريخ موسوعي عن الحروب الصليبية، ومقال محمد يوسف شويخ، المنشور في 11 يونيو 2017 م، وهو رئيس تحرير موقع bahath.co الإنجليزي، ومقال “أوليفر ألفار”، المنشور في 10 يوليو 2019 م. https://militaryhistorynow.com/2019/02/10/the-battle-of-ayn-jalut-the-day-the-mamelukes-stopped-the-mongol-advance-and-saved-the-western-civilization/ https://www.bahath.co/slave-warriors-muslim/tag/ain+jalut https://culturacolectiva.com/history/battle-of-ain-jalut-islamic-world-nearly-wiped-out

أمير عثمان

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى