دراسات وتحليلات

معضلة “الدولة الفاشلة”.. لماذا يفشل الغرب في مكافحة الإرهاب؟

عاد تداول مصطلح “الدولة الفاشلة” بين الأوساط البحثية مع انتفاضات الشعوب العربية ضد أنظمتها الحاكمة منذ ديسمبر 2010، وذلك لوصف ما آلت إليه أوضاع هذه الدول بعد الإطاحة بحُكّامها، من حروب أهلية وأوضاع أمنية واجتماعية واقتصادية هشة، ساقتها لتُضاف إلى قائمة الدول الفاشلة أو الهشة.

ورغم استقرار البعض على أن الدول الفاشلة هي أحد أبرز تحديات الأمن الدولي وأهم المنابع المُصدِّرة للإرهاب المحلي والعابر للحدود، فإن هناك جدلًا حول ما إذا كانت بالفعل هي أخطرها، في إشارة إلى أن الدول الضعيفة تتقاسم معها الأهمية، وتطرق هذا الجدل إلى طبيعة أدوات مكافحة الإرهاب، هل يكون من خلال التدخل الخارجي أو عن طريق دعم عناصر محلية لتحقيق الإصلاح السياسي؟

في هذا الإطار، جاءت الورقة البحثية المنشورة في دورية Perspectives on Terrorism في يونيو 2020، تحت عنوان: “الدول الفاشلة والإرهاب: التدخلات عبر الوطنية من منظور مكافحة الإرهاب”، وهي من إعداد الباحث المتخصص في الدراسات الأمنية “ألكسندر باشاجيتش”.

قوات أمن فرنسي

الأكثر خطرًا: الدولة الفاشلة أم الدولة الضعيفة؟

تعتبر هشاشة الدول وفشلها في إدارة أزماتها الداخلية سببًا رئيسيًا لدى البعض في خلق بيئة جذّابة للجماعات الإرهابية، فضلًا عن قابليتها للتأثر بالإرهاب داخليًا، حيث تجد تلك الجماعات لدى الدول الفاشلة ملاذًا آمنًا خارج نطاق نفوذ الحكومات الشرعية، فيكون بمقدورها اختراق الحدود وشراء الأسلحة اللازمة وإنشاء معسكرات التدريب.

وربما تتداخل الأسباب الناشئة للإرهاب مع الأسباب المتعلقة بالدول الفاشلة، حيث انعدام الأمن وانهيار الأوضاع الاقتصادية وارتفاع مستويات الفساد والفقر، فتلك الأسباب تجعل من المجتمع بيئة خصبة لتجنيد الشباب وغرس الأفكار الإرهابية داخل عقولهم بالشكل الذي يسمح لهم بالتمرد على الأنظمة الحاكمة.

ويتلازم صعود التنظيمات الإرهابية مع الدول التي تعاني من الحرب الأهلية أو الصراع العرقي، حيث يتم تقويض القدرات الأمنية للمؤسسات الرسمية، وتسهيل عملية انتشار الأسلحة.

من ناحية أخرى، يقف البعض ضد مسألة وجود علاقة مطردة بين الدولة الفاشلة والإرهاب، حيث إنه من الصعب للمنظمات الإرهابية العمل داخل دول منهارة تمامًا، وذلك لأسباب عدة منها:

قلة أعداد الأجانب في تلك الدول، وهو الأمر الذي يجعل الإرهابيين الأجانب أكثر عرضة لإجراءات الفاعلين الدوليين لمكافحة الإرهاب، يضاف إلى ذلك تهديد أوضاع الجماعات الإرهابية من قبل الجماعات المحلية المتنافسة على السلطة، والتي ستنافس الجماعات الإرهابية على مواردها.

أمّا من ناحية الموارد المالية، ففي الدول الفاشلة التي تتسم ببنية تحتية مالية غير فعّالة، لن تستطع التنظيمات المسلحة جمع الأموال أو تحويلها.

وفي إطار تفاوت وجهات النظر، استنتج بعض الباحثين أن “الدول الضعيفة” هي التي تمثل الخطر الأكبر وليست الفاشلة، خاصة في الفترات الانتقالية لها من الأنظمة الاستبدادية إلى الديمقراطية، وذلك كونها تشهد مراحل من عدم الاستقرار السياسي، إلى جانب احتمالية وصول سلطة فاسدة أو متعاطفة مع الجماعات الإرهابية، الأمر الذي يُفسح المجال أكثر لعمل هذه التنظيمات.

قوات مكافحة الإرهاب

تباين الاستنتاجات حول مؤشرات فشل الدول

قامت العديد من المؤسسات البحثية بدراسة العلاقة بين الدول الفاشلة والإرهاب، واختلفت الاستنتاجات العلمية حول اعتبار فشل الدولة مؤشرًا ثابتًا للإرهاب، بغض النظر عن كيفية قياس الإرهاب أو فرز الهجمات الإرهابية.

فقد خَلُصَت بعض التحليلات، التي أقيمت على 197 دولة من الفترة 1973 إلى 2003، إلى أن الدول التي تعاني من إخفاق شديد تكون أكثر عُرضة للاستهداف من قبل الإرهابيين وتصدير الإرهاب إلى دول أخرى.

على الجانب الآخر، أجرى البعض دراسة على تلك العلاقة لعامي 2006 و2007 وكذلك تحليلا إحصائيا للدول الهشة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وتوصلت إلى أن الصلة بين الدول الضعيفة والإرهاب أمر لا جدال فيه، وأن عوامل مثل انعدام الأمن، وفساد سلطة الدولة، والافتقار إلى السلع الأساسية، وعدم القدرة على حماية الملكية الخاصة، زادت بشكل كبير من احتمالية دعم المواطنين لاستخدام العنف السياسي، لكنها فشلت أيضًا في إظهار أن الأراضي غير الخاضعة لنفوذ الدولة، ترتبط بالضرورة بزيادة معدلات العنف السياسي.

يتجلى التناقض العلمي في وصف العلاقة السببية بين الدول الفاشلة والإرهاب في ماهية مؤشرات وصف الدولة بالفشل، حيث إن فشل الدولة ظاهرة معقدة تتكون من مؤشرات سياسية واجتماعية واقتصادية، ومن ثَمَّ يجب أن تتسم بالتدرج، ورغم ذلك غالبًا ما يتم تقديمها في النهاية كدرجة واحدة وهو ما يعتبر تبسيطا مُخلا.

ومن خلال عقد مقارنة بين مؤشر الدول الهشة (FSI) ومؤشر الإرهاب العالمي (GTI) الصادر عن START لعام 2013 تبرز بعض المشكلات التي تحدث عند محاولة الربط بين الهشاشة والتعرض للإرهاب، لا سيما بطريقة خطية، فقد حصلت دولة جنوب السودان على أسوأ نتيجة في مؤشر FSI، بينما احتلت المركز 20 في مؤشر GTI، واحتلت الهند المركز السادس في GTI، تلتها الفلبين وتايلاند وروسيا في المراكز من 9 إلى 11 على الترتيب، وعلى مؤشر FSI احتلت نفس الدول المراكز 81 و52 و80 و85 على الترتيب.

عمليات عسكرية

تضارب آليات مكافحة الإرهاب

أثبتت فكرة التدخل لإصلاح الدول الفاشلة وتحويل أنظمتها إلى الديمقراطية الليبرالية أنها أداة غير فعّالة، بل وقد تأتي بنتائج عكسية، أيًا كان أسلوب التدخل، سواء بالتدخل السياسي ودعم قوى محلية، أو من خلال التدخل العسكري الفعلي.

فقد ثَبُتَ أن مشاريع إعادة بناء الدولة مُكلفة ومعقدة وقد تكون مُهدِرة للموارد، حتى مع افتراض أن ذلك سيحقق الهدف منها.

ويعتبر النموذج الأمريكي أكبر دليل على ذلك، حيث إن تدخلها الأحادي الجانب في العراق كلّفها الكثير وكانت النتيجة خلق فراغ واضح ملئه تنظيم داعش، وفي المقابل قد تكون بعض العمليات العسكرية غير المكلفة أفضل من التدخل العسكري لإصلاح الدولة كما فعلت الولايات المتحدة حينما استهدفت زعيم القاعدة “صالح علي صالح نبهان” في جنوب الصومال.

إن التدخل الخارجي المباشر لمكافحة الإرهاب قد زاد من خطر ارتكاب عمليات إرهابية عابرة للحدود، وتحديدًا تجاه الدول المتدخلة، فقد أدى التحالف العسكري مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب إلى زيادة معدل وقوع الإرهاب العابر للحدود بنسبة 179%، كما يستخدم الإرهابيون التدخلات كأداة للتجنيد وكمُبرِّر للهجمات.

تشير بعض وجهات النظر إلى أن تنمية الديمقراطية الليبرالية ربما تفشل في مكافحة الإرهاب، لأنه في تلك الدول تُفرض القيود على أدوات السلطة في مكافحة الإرهاب، وبالتالي تكون أكثر عُرضة له، بعكس الدول الاستبدادية التي قد تُظهِر استعدادًا أكبر ومرونة أفضل في التعامل مع الإرهاب ومواجهته، كما أن ظهور الإرهاب في الدول ذات مستويات المعيشة المرتفعة ومعدلات التعليم العالية ينفي “اقتصار” ظهور الجماعات الإرهابية على الدول الفاشلة أو الهشة.

النموذج الغربي والدول الفاشلة

بعض المفكرين يُصنِّف الدول على أنها “فاشلة” -فقط- لكونها لا تسير على خطى “الدولة الأوروبية الكلاسيكية”، حيث تعتبر الدول الفاشلة نتاجًا ثانويًا غير مرغوب فيه للعولمة، وعقبة أمام تحقيق نظام ديمقراطي ليبرالي يعمل من أجل السلام العالمي.

وتستند وجهة النظر تلك على أن الدولة تدور حول القوة، والفشل هو الافتقار إلى القوة لممارسة السيطرة، الأمر الذي يخلق كيانات غير رسمية لا يمكن للنظام الدولي التعامل معها.

وقد خضعت مثل هذه الأفكار إلى المصالح السياسية، وهو ما فعلته والولايات المتحدة في أفغانستان والصومال، رغم وجود نظام سياسي حاكم ومتماسك، إلا أنه لم يكن يتماشى مع المصالح الأمريكية، ومن ثَمَّ أطلقت عليهما مصطلح الدول “الفاشلة”، رغم أنه يمكن تسميتها بالدول “المختلفة”، بل واعتبرتها تهديدًا للأمن الدولي.

هناك بعض الحكومات الإفريقية التي لا تُسيطر بشكل كامل على أراضيها، ولا تحتكر القوة، وتفشل في تحقيق الأمان الاقتصادي لمواطنيها، ورغم ذلك لا يعاملها المجتمع الدولي كـ“دول فاشلة”، وذلك في تناقض واضح، مما يثير تساؤلًا عمّا إذا كان تطبيق اسم “الدولة الفاشلة” هو في بعض الأحيان مجرد ذريعة لتبرير الدعم للتدخلات الأجنبية.

وتجنب الدول الغربية الإشارة إلى الدول الفاشلة (المُصدِّرة للإرهاب) هي الأكثر تضررًا منه، ففي عام 2013 في العراق، وصلت نسبة الوفيات بسبب العمليات الإرهابية إلى إجمالي الوفيات إلى 35.4%، تلتها في ذلك أفغانستان وباكستان ونيجيريا وسوريا، ليصل مجموع الوفيات الناتجة عن الإرهاب في تلك الدول إلى 14722 ضحية.

وبالمقارنة خلال نفس الفترة الزمنية كان عدد القتلى الناجم عن حوادث إرهابية في دول الاتحاد الأوروبي هو (7) فقط، إضافة إلى ذلك أصبحت الدول الأوروبية نفسها مصدرًا للعناصر الإرهابية وللتطرف، حيث صدّرت إلى سوريا والعراق العديد من الإرهابيين.

ختامًا، إن فشل الدولة قضية معقدة، وينبغي تجنب التعميمات العريضة للعلاقة بينها وبين الإرهاب، لأن السياسات التي تترتب على هذه التعميمات يمكن أن تكون كارثية، ناهيك بـ”الحرب على الإرهاب” في الدول الفاشلة صارت إحدى أدوات السيطرة على العالم النامي، نظرًا لأنها تسمح باستخدام انتهاكات انتقائية للسيادة لأغراض مكافحة الإرهاب أو منعه.

المصدر

-Aleksandar Pašagić, “Failed States and Terrorism: Justifiability of Transnational Interventions from a Counterterrorism Perspective”, Terrorism Research Initiative, Vol. 14, No. 3, June 2020.

إسلام أحمد حسن

باحث في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى