معلومات "أمريكانلي"

شهادة مخابراتية صادمة عن حرب العراق

تأتي هذه المقالة بمناسبة صدور كتاب الصّحفيّ روبرت دريبر “أن تشنّ حربًا: كيف أدخلت إدارة بوش أمريكا في العراق” (2020).

قبل أسابيع قليلة من عملي في العراق ضابطًا عسكريًّا أمريكيًّا شابًّا، في ربيع عام 2003، ناشدني والدي، وهو من مواليد فرنسا، مشاهدة فيلم “معركة الجزائر” للمخرج “جيلو بونتيكورفو”، الّذي هو إعادة تمثيل دراماتيكيّة للتّمرّد الجزائريّ في الخمسينيّات من القرن الماضي ضدّ الحكم الاستعماريّ الفرنسيّ.

هناك العديد من الأسباب السّياسيّة والجماليّة لرؤية هذه التّحفة السّينمائيّة الواقعيّة، وليس أقلّها تصويره المدينة القديمة المثيرة للعاصمة الجزائريّة (القصبة).

"المتمرّدون" الّذين خلقناهم بالخطأ

في صباح أحد أيّام شتاء عام 2014، بعد أكثر من عقد من مشاهدتي الفيلم لأوّل مرّة، قمتُ بنزهة في أزقّة “القصبة” المغمورة بمياه المطر، وجولة في المدينة التي شيّدها الفرنسيّون حديثًا.

وهناك، قفزت إلى الحياة مشاهد من فيلم “معركة الجزائر” الذي صُوِّر بالأبيض والأسود، مثل مشهد مقهى “ميلك بار” التّاريخيّ، حيث فَجّرت مقاتلةٌ جزائريّةٌ قنبلةً أودت بحياة مدنيّين فرنسيّين.

من فيلم معركة الجزائر

وقد تضمّنت ردود الفعل العسكريّة الفرنسيّة اللاحقة، والتي صُوّرت بشكل لا يُنسى في الفيلم، الاعتقالات التّعسفيّة والتّعذيب والتّفجيرات التي نُسبت زُورًا للمتمرّدين، ولم يُسهم كلّ ذلك إلا في إشعال التّمرّد الجزائريّ.

كانت هذه المخاطر الأخلاقيّة لمكافحة التّمرّد هي ما ألمح إليه والدي: “أبقِ عينيكَ مفتوحتين”. وكان هذا تحذيرًا مستنيرًا جاء بمثابة خلفيّة لعملي في العراق، حتّى لو كان القياس الجزائريّ غير كامل ومُستهلكًا.

وبما أنّ الجنود الأمريكيين سُرعان ما واجهوا حرب عصابات وحربًا أهليّة في العراق، إذ كانوا غير مجهّزين بشكل مؤسف، فكريًّا وعسكريًّا، فقد عُرِضَ فيلم “معركة الجزائر” ونُوقش في “البنتاغون”. وحتّى يومنا هذا، يُدرّس لطلّاب الأكاديميّة العسكريّة الأمريكيّة بوصفه “قصّةً تحذيريّة”.

ومع ذلك، لم تكن دروس الفيلم واضحة بالنّسبة إليّ في العراق حتّى صباح أحد أيّام صيف عام 2003، عندما تلقّيتُ مكالمةً هاتفيّةً عاجلةً حول ضابط استخبارات عراقيّ أسير. وقد أراد منّي قائدي أن أذهب لمقابلته في مستشفى بغداد، حيث كان يُعالج من جروح غير محدّدة.

ارتديت سُترتي الواقية ماركة “كيفلر”، وأمسكت ببندقيّتي وخرجت في رحلتي إلى ما يسمّى بـ”المنطقة الخضراء” في وسط المدينة، والتي أصبحت خطيرةً بشكل متزايد بسبب هجمات القنابل والكمائن النّاجمة عن التّمرّد المتزايد.

لم أخض تجربةً عن قُرب مع هذه الحالة القتاليّة، رغم أنّ مواجهاتي لم تكن غير شخصيّة.

جنود أمريكان يحرسون معتقلين أثناء مداهمة في تكريت

فبصفتي ضابط مخابرات، استطلعتُ المعلومات من مصادر ومخبرين عراقيّين عن الجماعات المتمرّدة والمقاتلين الأجانب، والذين قدّموا في بعض الأحيان معلومات مفصّلة استخدمها الجنود الأمريكيّون لشنّ غارات والبحث عن أسلحة ومتفجّرات ومتمرّدين أو مطلوبين من النّظام السّابق.

وبما أنّني قرأتُ تقارير الإجراءات اللاحقة لهذه العمليّات، فقد عرفتُ أسماء وأعمار من أُخضعوا للأسر، بل رأيت أحيانًا صورًا لوجوههم، وقد أنشأ هذا نوعًا من العلاقة الحميمة، أو “سلسلةً سببيّةً” بين أفعالي ومصائرهم.

خلال جمعي المعلومات الاستخباراتيّة التي قادت هذه المداهمات، حاولت تفحّص ما سمعته والتّحقّق منه. وقد تجاهلت 90% من المعلومات بعد جولات من الأسئلة.

كان الكثير من هذه المعلومات تلفيقًا صريحًا من قِبل عراقيّين يسعون للحصول على مكافآت ماليّة أو خدمات من الجيش الأمريكيّ، وكان آخرون يحاولون إغراء الجنود الأمريكيّين بمساعدتهم على تصفية حسابات شخصيّة أو القضاء على خصومهم السّياسيّين أو التّجاريّين أو الطّائفيّين.

في بعض الأحيان، ثَبتت صحّة بقيّة المعلومات، وما نتج عن ذلك من قبض على مسلّحين أو مصادرة أسلحة أو مواد لصنع القنابل، ممّا أنقذ الأرواح.

غزو العراق

لكن في بعض الأحيان، لم نتثبّت بشكل كافٍ من المعلومات قبل الهجوم، أو أخطأنا في تحديد الموقع، وفي أعقاب مثل هذه الغارات المُضلّلة الّتي وقعت عادةً قبل الفجر على المدنيّين العراقيّين الأبرياء، كنت أتذكّر فيلم “بونتيكورفو” وأسأل نفسي: “كم عدد المتمرّدين الجدد الذين خلقناهم للتّوّ؟”.

اللقاء الوهمي بين "العاني" مع "عطا"

كان كلّ هذا خروجًا عن التّركيز الأصليّ لعملي هناك، والذي تَمثّل في إجراء مقابلات مع مسئولين عراقيّين سابقين حول أسلحة الدّمار الشّامل المشتبه بها في العراق.

لكن بمجرّد أن بدأ التّمرّد في مهاجمة الجنود الأمريكيّين والعراقيّين والمنظّمات الدّوليّة، طالب القادة العسكريّون الأمريكيّون بتخصيص المزيد من الموارد الاستخباراتيّة لاختراق شبكات المتمرّدين، خاصّةً أنّ البحث عن أسلحة صدّام النّوويّة والكيميائيّة والبيولوجيّة لم يُسفر عن أيّ شيء.

ومع ذلك، واصلتُ مطاردة أيّ خيوط حصلت عليها بشأن أسلحة الدّمار الشّامل، وقد افترضت أنّ هذه المكالمة حول الجاسوس العراقيّ المعتقل تتعلّق بذلك.

عوضًا عن ذلك، عندما وصلت إلى غرفة المستشفى في “المنطقة الخضراء”، وجدتُ نفسي جالسًا قبالة رجل كان في قلب واحدة من أكبر الأكاذيب المتعلقة بقرار الولايات المتّحدة لغزو العراق، فعندما أُرسل “أحمد خليل إبراهيم سمير العاني” إلى السّفارة العراقيّة في براغ في أواخر التّسعينيّات من القرن الماضي تحت غطاء دبلوماسيّ، سُرعان ما أصبح تحت مراقبة جهاز الأمن التّشيكيّ.

هجمات 11 سبتمبر

وفي صباح أحد الأيّام مطلع أبريل 2001، أفاد مخبر عربيّ يعمل لدى التّشيك بأنّه رأى “العاني” يلتقي طالبًا عربيًّا في السّفارة العراقيّة، وقد عُرف هذا الطّالب، وفقًا للتّقرير، على أنّه مصريّ يُدعى “محمّد عطا”، الرّجل الّذي أصبح بعد فترة وجيزة زعيم الخاطفين الذين نفّذوا هجمات تنظيم “القاعدة” على مركز التّجارة العالميّ والبنتاغون في 11 سبتمبر 2001.

لاحقًا، أحدثت وكالة المخابرات المركزيّة ومكتب التّحقيقات الفيدراليّ ثغرات في هذه القصّة، والرّئيس التّشيكيّ نفسه رفضها لاحقًا.

بادئ ذي بدء، ميّز المخبرُ “عطا”، باعتباره الرّجل الذي كان في اجتماع أبريل 2001 فقط بعد أن رأى صورته منشورةً في الأخبار بعد 11 سبتمبر.

وسجلّات مكتب التّحقيقات الفيدراليّ عن “عطا” حددت مكانه في فيرجينيا وفلوريدا قبل وبعد الاجتماع المفترض في براغ، ولم تكشف الوكالة عن أيّ دليل على سفر دوليّ.

لكن هذا لم يمنع أيًّا من صقور حرب العراق في إدارة “بوش” من الاستيلاء على ما يسمّى بـ”اتّصال براغ” كدليل على تواطؤ “صدّام حسين” المفترض في الهجمات الإرهابيّة على الأراضي الأمريكيّة، واستخدام ذلك حجّةً للحرب لغزو عام 2003.

الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش

هناك، في مستشفى بغداد، انضممتُ إلى عميل من مكتب التّحقيقات الفيدراليّ في استجواب “العاني”، الّذي كان طريح الفراش، حول الفترة التي قضاها في جمهوريّة التّشيك.

كان “العاني” رجلًا ضئيل الحجم، أشيب اللحية، مقطّب الوجه بفعل نوبات الألم، ولخّص نمط موظّف النّظام البائس الذي سأتعرّف عليه جيّدًا في العراق.

 لقد أجاب عن أسئلتنا بشكل مباشر. وفي النّهاية، لم تقدّم الجلسة التي استمرّت لساعات أيّ دليل على اجتماع براغ يتعارض مع فضح الزّيف الذي ظهر بالفعل في الصّحافة.

لم يُقابل “العاني” “محمّد عطا”، ولم يسمع به حتّى اطّلع على تقارير إخباريّة بعد 11 سبتمبر، ولم يكن هو نفسه حتّى في براغ يوم اللقاء المزعوم، فقد كان خارج المدينة، على بعد سبعين ميلًا.

الأمر الأكثر إثارةً للقلق من عدم الكشف هذا هو روايته بشأن اعتقاله في ذلك الصيف على يد قوّات العمليّات الخاصّة الأمريكيّة وسبب دخوله المستشفى.

لقد خطفه الجنود الأمريكيّون من منزله في بغداد ليلًا وربطوا معصميه وغطّوا رأسه، وأجبروه على الاستلقاء على أرضيّة عربة من نوع “همفي” طوال الرّحلة الطّويلة إلى أحد مراكز الاحتجاز.

وفي غضون خمس عشرة دقيقة من حبسه في السيّارة العسكريّة، شعر بإحساس حارق لا يُطاق، فمحرّك “الهمفي” يوجد في المقدّمة ويوصّل الحرارة إلى السّرير الخلفيّ، حيث كان “العاني” مستلقيًا على وجهه لأسفل فوق المعدن المجرّد، أخذ يتلوّى من الألم، لكن حراسه الأمريكيّين اعتقدوا أنّه يقاوم.

محمد عطا أحد منفذي هجمات سبتمبر

وهكذا، صعد أحد الجنود بقوّة على ظهره بحذائه، وحينها صرخ: “Jesus, Jesus, please”، على أمل أن يدفعهم هذا التّوسّل بالإنجليزيّة إلى التّراجع.

أمامنا في المستشفى، رفع رداءه ليعرض لنا ما أسفر عنه ذلك: حروق شديدة تأخذ شكل بقع داكنة اللون، غطّت بطنه وفخذيه وقدميه وكفّيه، ونتيجةً لذلك، أمضى “العاني” ثلاثة أشهر من العلاج في المستشفى، والتي تضمّنت ترقيعًا جلديًّا متعدّدًا، فضلًا عن بتر إبهامه وفقدان حركة إصبع آخر.

بعد الاجتماع، نقلتُ روايته عن هذه الإصابات إلى قائدي العام، الذي قدّم إفادةً لاحقًا بالأمر في تحقيق مجلس الشّيوخ حول الانتهاكات بحقّ المحتجزين، كما أدرجت وزارة العدل الأمريكيّة رواية مكتب التّحقيقات الفيدراليّ لهذه المقابلة نفسها في تقرير المفتش العام لسنة 2008 حول استجواب المحتجزين.

وعلى مدى عدّة أعوام، حقّق الجيش الأمريكيّ في الحادث، وخَلُص إلى أنّ إصابات “العاني” تتّفق مع روايته وأنّ “جرائم الاعتداء والقسوة وسوء المعاملة تمّ إثباتها”، لكن بالرّغم من هذه النّتيجة، أسقط الجيش القضيّة.

على حدّ علمي، لم يُؤدَّب أو يُعاقب أيّ شخص على سوء معاملة “العاني”، فمن المفارقات القاسية أنّ هذا الرّجل العراقيّ قد استُخدم -أوّل مرّة- سندًا لغزو أمريكيّ، ثمّ تعرّض لعنف مشوِّه على يد الجنود الذين نفّذوا ذلك الغزو، لكن قصّته تُلقي بظلالها عليّ بطرق أخرى.

إنّ الانتهاكات الّتي نشهدها من جانب الشّرطة الأمريكيّة لها جذورها العميقة ونابعة من الدّاخل، لكنّني مقتنع بأنّها ناتجة جزئيًّا عن عسكرة تطبيق القانون الذي ولدته حرب العراق والتّدخّلات الأمريكيّة الأخرى في الخارج.

خرافة تورّط "صدّام" في 11 سبتمبر

لقد انتشرت كارثة العراق في كافّة جوانب الحياة الأمريكيّة تقريبًّا، ما أدّى إلى تعميق التّفاوتات التي تُفرّق بيننا، وإثارة الازدراء الشّعبي لـ”الخبرة”، ما فتح الباب أمام الشعبوية، والإسهام في تفريغ بنيتنا التّحتيّة ومؤسّساتنا بطرق تركت البلاد معرّضةً بشكل خطير للصّدمات المستقبليّة.

صدام حسين

إنّ كارثة العراق هي ما وصفه عن حقّ الصّحفيّ “روبرت دريبر” في كتابه الأخير المثير عن قرار الإطاحة بصدّام: “أن تشنّ حربًا: كيف أدخلت إدارة بوش أمريكا في العراق؟”، بأكبر مأساة أمريكيّة في القرن الحادي والعشرين، إلى جانب هجمات 11 سبتمبر 2001.

ويسرد “دريبر” التّركيز الأحادي لبعض مسئولي الإدارة على استخدام تلك الهجمات كأساس منطقيّ لغزو العراق، وهكذا، كان العراقيّ المشوَّه الذي استطعت استخلاص المعلومات منه جزءًا مهمًّا، مبكّرًا من مشروع ربط النّقاط بين الأحداث.

وفقًا لـ”دريبر”، شغل “العاني” بال اثنين من مسئولي إدارة بوش على وجه الخصوص: نائب الرّئيس “ديك تشيني” ونائب وزير الدّفاع “بول ولفويتز”، وكما قال محلّل في وكالة المخابرات المركزيّة لـ”دريبر”، فإنّ “تشيني” كان “متحمّسًا” لـ”وصلة براغ”، وأصبح “ولفويتز” متعصّبًا مهووسًا حيال ذلك.

كان “ولفويتز” مفتونًا بي بشكل خاصّ، فقبل أعوام من 11 سبتمبر، تبنّى نظريّةً خرافيّةً عن تورّط “صدّام” في تفجير مركز التّجارة العالميّ عام 1993، وفيما كان الدّخان قد تلاشى بصعوبة من هجمات 11 سبتمبر، طلب بالفعل من وكالات المخابرات الأمريكيّة أيّ علامات على وجود يد عراقيّة.

وتزايدت وتيرة هذه الاستفسارات وكثافتها على مدى الأشهر التي تلت ذلك، خاصّةً بعد ظهور تقرير المخابرات التّشيكيّة، حتّى بعد أن ترك بحث مسئول وزارة الدّفاع محلّلي المخابرات مُرهقين وغاضبين.

وكما قال محلّل في وكالة المخابرات المركزيّة لـ”دريبر” فقد “طرح “ولفويتز” السّؤال نفسه بطرق مختلفة. وذلك، جزئيًّا، لأنّنا لم نمنحه الإجابة التي يريدها، وجزئيًّا أيضًا، لإثبات أنّنا كنّا أغبياء”.

أدّت قراءة هذه الصّفحات من كتاب “دريبر” إلى ضيق صدري، فقد رأيت العواقب البشريّة لمثل هذا التّفكير المنفرد، ليس فقط فيما يتعلّق بالإصابات التي لحقت بهذا الجاسوس العراقيّ، ولكن أيضًا فيما يخصّ معاناة عدد لا يُحصى من العراقيّين الآخرين الذين التقيتُ بهم في عام 2003.

سجن أبوغريب

وكان هذا الضرّر مجرّد بداية، قبل أن يعرف العالم بشأن ما حصل في سجن “أبو غريب” ومدينة حديثة في الأنبار وساحة النّسور.

الإنكار الدائم للحقائق

وبشكل أكثر تجريديّة، مع ذلك، أغضبني كتاب “دريبر” لأنّه أظهر كيف أساء “ولفويتز” و”تشيني” وآخرون استخدام حرفة الاستخبارات التي كانت تُشكّل الجزء الأفضل من مسيرتي العسكريّة. وعلى حدّ تعبير “دريبر”، كما “يستخدم مخمورٌ عمودَ إنارة بما هو سَنَد وليس بما هو مصدر إضاءة”.

وسيستمر التّعتيم وإنكار الحقائق التي وقعت على الأرض لفترة طويلة بعد إطاحة الولايات المتّحدة بصدّام.

“هل أصيب أيّ منكم من قبل بالدّودة الشّريطيّة؟”.. يسأل عقيد المظلّات الفرنسيّ جنوده في فيلم “معركة الجزائر”، راسمًا تعبيرًا مجازيًّا عن التّمرّد، ويضيف: “الدّودة الشّريطيّة عبارة عن دودة يمكن أن تنمو إلى ما لا نهاية”، ويتابع القائد قائلًا إنّ “قطع رأس العدو هو السّبيل الوحيدة لوقف تجدّده”.

بالطّبع، لم يحدث هذا في الفيلم، حيث قام الفرنسيّون في النّهاية بمطاردة قادة المقاومة الجزائريّة، أكثر ممّا حدث عندما أسر الجنود الأمريكيّون “صدّام حسين”، في 13 ديسمبر 2003، والذي صادف أن يكون اليوم الذي غادرت فيه العراق.

والدّيكتاتور المخلوع، بالرّغم من أنّه كان موضوعًا للحنين والتّبجيل لدى بعض السّنّة، لم يكن قطّ الشّخصيّة الرّئيسية للتّمرّد المنتشر بشكل متزايد، وهو ما هزأ منه وزير الدّفاع آنذاك “دونالد رامسفيلد” ووصفه بأنّه “مواصلة تأييد معسكر خاسر حتمًا”، وما وصفه “ولفويتز” لاحقًا بأنّه “تحالف غير مقدّس بين الإرهابيّين القدامى والإرهابيّين الجدد”.

دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي السابق

لقد عانينا في تلك الأيّام الأولى لتحديد هويّة الطّرف الذي نقاتله بالضّبط، خاصّةً مع تدفّق المقاتلين السُّنّة الأجانب، وهو ارتباك يجسّده خليط الاختصارات المسيّسة وغير المفيدة، مثل “عناصر النّظام السّابق (ع ن س)” أو “القوّات المناهضة للعراق (ق م ع)” التي سُلّمت إلينا لاستخدامها في تقاريرنا.

في هذه الأثناء، كانت هناك قوّة أجنبيّة أخرى تستغلّ الفوضى الحاصلة لنا، فبحلول صيف وخريف عام 2003، كنت أتلقّى بعض الومضات من مصادري العراقيّة حول تحرّكات عملاء المخابرات الإيرانيّة وقوّات الحرس الثّوريّ الإسلاميّ وحتّى أعضاء ميليشيات “حزب الله” في العراق.

كان هذا النّفوذ الإيرانيّ الآخذ في الاتّساع في العراق نتيجةً أخرى غير متوقّعة لغزو عام 2003.

وبعد خمسة أعوام، عندما عدتُ إلى بغداد مستشارًا مدنيًّا، واجهت وابلًا شبه أسبوعيّ من الصّواريخ المزوّدة من إيران.

الغزو الأمريكي للعراق

في غضون ذلك، حاولت نسيان “أحمد العاني” وعدد لا يُحصى من الاتّصالات والمخبرين والمصادر العراقيّة الأخرى التي قابلتها، كان هؤلاء بمثابة أجهزة “السّونار” التي استخدمها الاحتلال الأمريكيّ في محاولة التّعرّف على بلد ومجتمع لم نفهمه إلّا بشكل غامض.

وبالتّأكيد، كان هناك عدد من الوشاة والمحتالين والرّاسخين في الكذب والبعثيّين الذين ملأتهم المرارة والعملاء الإيرانيّين المزدوجين المحتملين، ومن هم في طريقهم إلى أن يكونوا متمرّدين.

لكن كان هناك أيضًا عدد من الفيزيائيّين وعلماء الدّين والطّلّاب وشيوخ القبائل والأمّهات والفنّانين الذين انقلبت حياتهم رأسًا على عقب بسبب غزونا، لكنّهم مع ذلك قدّموا لنا أحيانًا معلومات وقيادة ومعرفة استخباراتيّة، وأحيانًا قدموا الأفكار التي افتقرنا إليها بعد ما يقرب من عقدين من الزّمان.

لا تزال أشكالهم واضحة بالنّسبة إليّ في خطوطها العريضة، لكن ملامحهم وتفاصيل حياتهم تظلّ ضبابيّة ومشوّهة، مثل غواصين في الأعماق يلمحهم شخصٌ ما من السّطح في الأعلى.

لا تزال آلام الذّاكرة مستمرّة، إلى جانب الإصابات الأخلاقيّة التي يحملها عدد لا يحصى من الجنود الأمريكيّين الذين تبعوني في العراق، وغالبًا ما عانى هؤلاء من إراقة الدّماء والصّدمات على نحو أسوأ بكثير. هذه نتيجة حتميّة للحرب. وكذلك الفساد الأخلاقيّ النّاجم عن احتلال نهايته مفتوحة.

“هل يجب أن تبقى فرنسا في الجزائر؟”.. يسأل القائد الفرنسيّ في فيلم “بونتيكورفو” مجموعةً من الصّحفيّين الذين يميلون إلى التّشكيك في أساليبه الوحشيّة. “إذا أجبت بـ”نعم”، فعندئذ يجب أن تقبلوا كلّ العواقب الضّروريّة”.

وبالمثل، لا ينبغي أن يتفاجأ أحد عندما يؤدّي الوجود العسكريّ الأجنبيّ إلى استياء قوميّ وتمرّد مسلح، لا سيّما عندما يُفكّك الاحتلال بشكل منهجيّ مؤسّسات الحكم ويحرم قطاعات من السّكان من حقوقها.

الكاتب روبرت دريبر

هناك مشهد يصفه “روبرت دريبر” للرّئيس “بوش” وهو يشاهد لقطات تليفزيونيّة تقوم فيها قوّات التّحالف بتحرير البصرة، في أبريل 2003، ويسأل أحد مساعديه العراقيّين: “لماذا لا يهتفون فرحًا؟”.

سيتحمل معظم أفراد الجيش الأمريكيّ المخاطر النّفسيّة والجسديّة النّاجمة عن إرسالهم إلى الحرب، وسيقبل معظمهم المُساءلة عن أفعالهم بوصفهم فاعلين أخلاقيّين في الحرب.

 ومع ذلك، فإنّ ما يتوقّعونه -في المقابل- هو قليل من التّأكيد من قادتهم على أنّهم استُخدِموا بحكمة، وأنّه تمّ استدعاؤهم للمهمّة المروّعة المتمثّلة في ممارسة العنف فقط بعد استنفاد الوسائل الأخرى، وفقط من أجل قضيّة تعتبر حيويّةً لصالح الأمّة.

إنّ عدم وجود أيّ مبرّر من هذا القبيل لغزو العراق، كما تجسّد في الذّرائع الزّائفة حول أسلحة الدّمار الشّامل، والصّلات بالقاعدة الّتي دعمها طموح متعجرف لإعادة ترتيب أوضاع الشّرق الأوسط؛ هو ما يجعله ربّما أكثر المآسي أهميّة في عصرنا ودرسًا أساسيًّا للمستقبل.

آمل ألّا يملّ مواطنونا وقادتنا من التّعلّم، من مثل سرديّات “دريبر”، ومن التّواريخ التي لم تُكتب بعد، ومن شهادات قدامى المحاربين والعراقيّين على حدٍّ سواء، لتجنّب مغامرة مدمّرة أخرى.

إنّني لست متفائلًا بشكل كبير.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

ترجمة

محمد الدخاخني

مترجم وباحث مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search