مع عمرو سلامة.. الفسلفة هدر للحياة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

mohamed.altanaw1@gmail.com

أصاب المخرج عمرو سلامة في تدوينته عن الفلسفة، حتى لو لم ير ذلك أغلب من توقفوا عند التويتة المثيرة للَّغط، ولمن لم يطالعها، فسلامة كتب ما مضمونه أنه كلما صادف وقرأ في الفسلفة أدرك أنها إهدار للوقت، ففي حين تكتفي بطرح الأسئلة لا نعثر على الإجابات إلا من خلال الواقع.

لا يحتاج الواحد إلى تفكير طويل ليتفق مع عمرو، فقراءة الفلسفة بالفعل هدر للوقت، وهي أيضا ثقل يمنع التحليق في خفة، ومشروع عداء مع الجميع، وتمرد باهظ الكلفة  ضد كل سلطة.

الفلسفة في معنى من معانيها تنظيم يعادي الفوضى، وخطوط رفيعة تمايز بين الأشياء، ودقة لا يحتمل صرامتها ميزان الذهب، وحساسية مزمنة تجاه عدم الانضباط، وغرابة مستهجنة حتى من أقرب الأقربين، فإذا كان “سلو” الواقع فوضى لا ترحب بالنظام، واعتباطا يعادي التمييز بين الأشياء، وغلظة تسخر من رهافة الدقة، فالفلسفة عندها ليست هدرا للوقت فقط، بل هي أم الشرور، وكفيلة بأن تشل حركة متعاطيها وتجعله متبطلا بلا فاعلية.

الأمر أقرب إلى أن تذهب لحفلة خاصة أو مناسبة عائلية دون دعوة، فطبيعي ألا تلقى ترحيبا، وأن تعجز عن التواصل مع الحضور، ومن الفظاظة ألا تشعر أنه ليس لك مكان لترغب في الانصراف، ولا تلومن سوى نفسك لو حاولت لفت انتباه أصحاب الحفل إلى منضدة ليست موضوعة في مكانها أو إلى أن صنف من أصناف الطعام فاسد وقد يتسبب في تسممم من يتناوله، أو إلى كون تزاحم الضيوف فوق مسرح الفرقة الموسيقية ربما يدفع الجميع للسقوط.

كلامك لن يكن فقط بلا قيمة، بل ستعتبر شخصا مزعجا.. مطلوب التخلص منه فورا، وهذا يعني أن خطورة الفلسفة لمتعاطيها لا تنحصر فيما ذكره عمرو سلامة كونها مضيعة للوقت، فهي كذلك جالبة لشرور كثيرة، ليس أولها نفور الآخرين ولا آخرها الطرد من المحيط الاجتماعي أو المهني.

ولا يخفف من هول شرور الفلسفة ميزة ذكرها سلامة بشكل عرضي في تويتته بأن الفلسفة معنية بطرح الأسئلة، وهي مهمة أشاعها “نيتشه” وأكد عليها “ميشيل فوكو” فقرر للفلسفة مهمة رئيسة في صياغة السؤال لا الحصول على الإجابة (حتى تصبح أفقا مفتوحا للتفكير)، على اعتبار أن السؤال وحده قادر على نقل الأفكار إلى مساحات جديدة، ففي واقع تسوده الفوضى ويتسلط عليه التقليد ويحاذر أبناؤه كل جديد يصبح السؤال دعوة للقلق، وتحريضا على التمرد وتكلف للمشاكل.

وإن كان في كل ما ذُكر نفي لسمعة الفلسفة السيئة بأنها معرفة متعالية عن الواقع والأشياء، فهي بخلاف سمعتها، تُكسب صاحبها -بغض النظر عن مذهبه الفلسفي- تقنيات ذهنية تنظم الفعل قبل القول والتجربة قبل النظرية، لتصقل العقل وتعظم الوعي، لكن في حالة ما إذا كان الواقع تحكمه سلطة معادية للعقل تُمسي الفلسفة ذنبا ينبغي الحذر من اقترافه وممارسة قد تعقد كثيرا حياة المرء.

في وضع كهذا يعد موقف سلامة حكيما، فالإصرار على تعاطي الفلسفة لتسهم في تشكيل الشخصية وبناء العقل في ظل حكم “اللاعقل” أو الفوضى علاوة على كونه شقاءً للوعي، هو عمل من أعمال الحرب أو العصيان ضد سلطة الواقع، وهي معركة نهايتها معروفة سلفا: الخسارة.

رغم ذلك فالتقنيات الذهنية التي تهبها الفلسفة لهواتها ضرورية لأي عمل إبداعي رفيع، لكن في المقابل المخاطرة عالية تجعل الإقبال على تحصيل الفلسفة -كما صور سلامة- عمل يصل لدرجة الحمق.

على الواحد منا إذن أن يكون حكيما مثل مخرجنا الشاب ويدع الفلسفة لمن يعيشون واقعا مغايرا أو لمن هيأت لهم الظروف احتمال كلفة تعاطيها، خاصة وأن صلتها القوية بالإبداع ليست سببا كافيا لخوض المغامرة في مجتمع لا يختلف استقباله للعمل الإبداعي عن استقبال أي سلعة أو مادة استهلاكية.

ففي “مجتمع الفرجة” (والمفهوم الذي أصبح شائعا هو للمفكر الفرنسي “جي ديبور” ويعني مجتمع الصورة والفضائيات والوسائط الإعلامية) يتم تسليع كل شيء، حتى ما يدخل في إطار الثقافة، إلى جانب أن “الجمهور” الذي يجري تصنيع حالته من خلال أدوات “الفرجة” (الصورة، الفضائيات، الوسائط الإعلامية) لا يرغب في ثقافة تشبع الحاجة للمعرفة بقدر ما يريد “ملء أوقات الفراغ” عبر مواد للتسلية والإلهاء، وعلى أي مواد “تثقيفية” أن تخضع لهذا الإملاء.

أما الفرد الذي  يلعب دور المتلقي السلبي ضمن حالة الجمهور فيتلقى “المادة الإبداعية” مثل أي مادة موضوعة للتسلية والترفيه.. المنتج الثقافي الإبداعي لديه هو في أحسن الأحوال “حاجة حلوة” تقف على قدم سواء مع المادة الترفيهية، وقد يرفض المرء من الأصل التجاوب مع العمل الإبداعي بسبب اشتراطه مثلا درجة من إعمال العقل لم يعتد عليها، هذا إذا استطاع منتج كهذا التحايل على منطق السلعة الحاكم بما يفرضه من شروط بالغة القسوة لا تجيز أي عمل من هذا النوع.

خيار عمرو إذن هو الخيار الأصوب، خاصة وأن طاقاتنا وأعمارنا محدودة، واستنزافها في معارك من نوع ما قد يجرنا إليه تعاطي الفلسفة أقرب للحمق منه للنبل، فالعداء للعقل والفوضى قد يطبع حقبة بأكملها، لكن هناك استدراكا وحيدا وهو أن خيار الـ سلامة ينفي أي إمكانية للتجاوز.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search