مفاتيح الشخصية الإثيوبية

حمدي عبد الرحمن

كاتب وأكاديمي مصري

 كيف نفهم الشخصية الإثيوبية؟. ثمة عوامل تاريخية ونفسية وتراثية أدبية تمثل مفاتيح مهمة لفهم الواقع الإثيوبي الراهن بتعقيداته ومفارقاته العديدة.

في الثاني من مارس عام 1896، انتصر الإثيوبيون بزعامة الإمبراطور منليك الثاني، على الجيش الاستعماري الإيطالي شديد الميكنة في معركة عدوة، شمال إثيوبيا. ومنذ ذلك الوقت يتحدث الإثيوبيون بزهو أنهم يحتفلون سنويا بذكري انتصارهم والمحافظة على استقلالهم في الوقت الذي يحتفل فيه الآخرون بذكرى استقلالهم لا انتصارهم.

وتكشف متابعة الأدب الإثيوبي عن تأثير معركة عدوة على هوية الإثيوبيين ووعيهم الذاتي، وأخلاقيات الحرب والبطولة، وتصورات الكرامة والمقاومة والحرية، التي أضحت جميعها جزءا لا يتجزأ من الشخصية الإثيوبية، فتشيد المغنية الشهيرة جيجي مثلا في أغنيتها ذائعة الصيت لعام 2001 “عدوة” بعظمة الانتصار على الإيطاليين.

تقول كلمات الأغنية المكتوبة بالأمهرية: الحياة الممنوحة لي اليوم في حرية… استشهد الرجال من أجلها. كم سقط مواطنون… في أرض الحري، بيد أن ألبوم جيجي البانورامي لا يجعل تأثير عدوة قاصرا فقط على حياة الإثيوبيين وإنما على الشعوب السوداء في إفريقيا وفي الشتات.

تقول كلمات الأغنية “كيف أقف أمامك اليوم” إنه لولا عدوة، لما كان الإثيوبيون على ما هم عليه الآن.. عدوة، إفريقيا،  إثيوبيا الأم،  تحدثي عن تاريخ انتصارك”. أضحت فكرة الإثيوبيانية تعني انتصار إفريقيا الكبير على الجيش الأوروبي من خلال معركة عدوة.

يقول البروفيسور مولفي أسانتي، المؤرخ الأفريقي الأمريكي الشهير: لقد تجاوزت عدوة الحدود الوطنية لتصبح مرتبطة بمفهوم “البان أفريكانزم”. أصبحت رمزا للمقاومة في الأدب الأفريقي ولاسيما في الشتات الإفريقي، ومبعثا للأمل والإلهام للآلاف من الأفارقة.

 ولعل اختيار إثيوبيا عاصمةً لإفريقيا من خلال استضافتها مقر الاتحاد الإفريقي، ليس محض مصادفة على الإطلاق، فمازال الإثيوبيون يقدمون أنفسهم بغض النظرعن مشاكلهم الداخلية على أنهم “روح إفريقيا الجديدة” الذي أضحى شعارا لشركة طيرانهم الوطنية، كما يعد سد النهضة مثالا آخر؛ حيث يقدمه الإعلام الرسمي والخاص على أنه “مشروع  عموم إفريقيا”  و”رمز للتقدم والازدهار الإقليميين”.

القس الأمريكي البارز، جيسي جاكسون، يعود إلى مفهوم الإثيوبيانية وخطاب “البان أفريكانيزم” لصالح إثيوبيا في مسألة “سد النهضة”، حيث يقول مقتبسا: “إن السياسة المائية للنيل تتحكم فيها الهيمنة المصرية التي يتم ممارستها بروح السيطرة على النيل وامتلاكه بدلا من روح التنظيم أو التعاون”، ولعل ذلك يعكس مدى تأثير الدعاية الإثيوبية على الأفارقة وفي الشتات.

والسؤال: هل يمكن أن تمثل “عدوة” مفتاحا لفهم موقف إثيوبيا من أزمة سد النهضة؟ يكفي متابعة وسائل الإعلام الإثيوبية التقليدية والحديثة ومواقف الطبقة السياسية لندرك أن الإجابة هي نعم، حتى إن منهم من يستخدم تعبير “إعادة كتابة تاريخ عدوة في جوبا”، والمعروف أن جوبا بإقليم بني شنقول الذي يبنى به سد النهضة، وفي صحيفة “أديس ستاندرد” نُشر مقال رأي بعنوان: كيف أن تاريخ المقاومة الإثيوبية (في عدوة) شكل المعركة الدائرة اليوم حول النيل.

 ثمة صور ذهنية ومدركات سائدة في المخيال الإثيوبي العام تؤثر يقينا على الموقف الإثيوبي من سد النهضة، وبغض النظر عن التحولات المتسارعة التي شهدتها إثيوبيا منذ عام 2018 فإن ممارسة أساليب المماطلة والخداع الاستراتيجي التي يمارسها المفاوض الإثيوبي لم تتغير. لقد أقرت مصر بالحلول الدبلوماسية ووقعت إعلان المبادئ عام 2015 ورغم ذلك لا تزال إثيوبيا تتحدث عن ملكيتها للسد والنهر وعن حقوق السيادة والكرامة الوطنية وكأننا أمام نهر إثيوبي داخلي وليس نهرا دوليا تحكمه الاتفاقات وقواعد القانون الدولي.

يرى الإثيوبي أنه يختلف عن الآخرين في إفريقيا وفي جميع أنحاء العالم. فما هي مصادر تلك الاستثنائية الإثيوبية؟ إنها يقينا ليست مستندة على العرق حيث تتألف البلاد من أكثر من تسعين جماعة عرقية وإثنية. ثمة جملة من الأفكار والرؤى استندت على نصوص مقدسة ثم أضحت فيما بعد بمثابة العقيدة السياسية الوطنية لكل من النخبة والجماهير، وتستند هذه العقيدة على ثلاث ركائز أساسية: أولها ورود اسم إثيوبيا أكثر من مرة في الكتاب المقدس وثانيا قيامها بحراسة تابوت العهد، وثالثا تبنيها المسيحية دينا للدولة.

أضف إلى ذلك أن الإثيوبيين يرون أن ‏لديهم أبجدية خاصة، كما أنهم الشعب الإفريقي الوحيد الذي  تغلب على الاستعمار الأوروبي. هذه الميثولوجيا الإثيوبية تجد أصلها في كتاب « كبرى نغست » أو مجد الملوك، الذي  يرى بأن ملوك إثيوبيا هم أحفاد سليمان من الملكة “بلقيس”.

وعلى الرغم من تعدد المغامرات العسكرية الإثيوبية في مناطق الجوار مثل حروب الأوجادين والصومال وإرتريا، التي استندت إلى مفاهيم التفرد والاستثنائية الإثيوبية فإن منطق الحلول السياسية والتفاوضية يمكن أن يتغلب في نهاية المطاف.

ويمكن النظر في الأسباب التي جعلت إثيوبيا بزعامة أبي أحمد تعتمد على تسوية سياسية وقانونية في نزاعها على الحدود الإقليمية مع إريتريا بدلا من الاعتماد على سياسة العصا الغليظة وقوتها العسكرية لإملاء شروط السلام مع إريتريا. ولعل تلك التسوية السلمية تقدم أملا كبيرا في إمكانية استخدام التسويات السياسية والقانونية  في النزاعات بالغة  الحساسية من الناحية السياسية مثل قضية سد النهضة.

ثمة مفتاح آخر لفهم الشخصية الإثيوبية يتمثل في تقليد الشمع والذهب باعتباره أساسا لعلم التأويل الإثيوبي. إنه شكل شعري مبني على طبقتين دلاليتين، وبعبارة أخرى، فإن المعنى المباشر للكلمات هو الشمع، في حين أن المعنى الخفي غير الظاهر هو الذهب. إنه أشبه بنظام التورية في العربية.

وإلى جانب حضوره في الأدب الإثيوبي، فتقليد الشمع والذهب له أصل ميتافيزيائي ميثولوجي، في لاهوت الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، وتوفر هذه الثنائية إطار عمل لفهم الواقع المعاش، حيث يعتقد أن هناك توترًا مستمرًا بين المادي والروحي، ولذا يجب على المسيحيين أن ينحازوا إلى العالم الروحي بدلا من العالم المادي، الذي، وفقًا لهذا المفهوم، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكل ما هو شرير.

هذا هو السبب في الاعتقاد بأن السلطات السياسية والكنسية لها جذور في العالم الروحي، لا في العملية الانتخابية السياسية فقط، ونتيجة لذلك، نجد توافقا بين القادة السياسيين والكنسيين، وفي بعض الأحيان يصل سياسيون إلى مصاف التقديس والتبجيل وهو ما حدث مع ظاهرة الهوس الديني بأبي أحمد والاعتقاد بأنه مرسل من السماء لحماية الأمة الإثيوبية.

يمثل كل ما سبق مصدرا مهما للتأويل، ومقدمة لازمة لفهم الشخصية الإثيوبية، ولكي نتعرف على أسلوب المفاوض الاثيوبي المتمثل في المناورة والخداع واختلاف الظاهر والباطن (الشمع والذهب)، ومع ذلك يظل تقليد “الرجل الكبير” في الثقافة السياسية الإثيوبية حاسما، فهل يصبح أبي أحمد رجل إثيوبيا الكبير بعد تخطيه الانتخابات المقبلة في أغسطس 2020 وعندها يُغلب القانوني والسياسي على تلك الموروثات الذهنية المتصورة في الثقافة الإثيوبية. ربما يمثل انسحاب إثيوبيا من مفاوضات سد النهضة إلى ما بعد الانتخابات إجابة على هذا التساؤل.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search