الأرض الهشّة للمفاوضات الليبية في بوزنيقة

شهد كلٌّ من الشرق والغرب الليبي تحركات سياسية داخلية وخارجية الهدف منها الوقوف على سقف التفاوض قبيل انطلاق أولى جولات الحوار بين الفرقاء الليبيين في بوزنيقة جنوب العاصمة المغربية الرباط، وذلك بعد ثلاثة أسابيع من مبادرة وقف إطلاق النار، وهي الجولة التي تمهد بدورها لحوار سياسي برعاية أممية يهدف لإنهاء فوضى ثماني سنوات من الاقتتال الأهلي في ليبيا.

وأتت زيارة رئيس حكومة الوفاق “فايز السراج”، لتركيا مؤخرًا، بعد فاصل من التوتر شهدته العاصمة الليبية عقب قرار وقف إطلاق النار، كإرساءٍ لمبدأ أن لأنقرة اليد العُليا في تحديد سقف التفاوض لحكومة طرابلس، وللحد من نزوع “السراج” للفكاك من الهيمنة التركية على صناعة واتخاذ القرار السياسي في طرابلس عن طريق الميليشيات الموالية لها هناك.

فالتوترات التي شهدتها العاصمة الليبية عقب مبادرة وقف إطلاق النار قبل أسبوعين عكست نزاعًا داخليًّا في أروقة حكومة الوفاق وما يدور في فلكها من ميليشيات وتنظيمات مسلحة، ليس آخرها الصراع الدائر بين رئيس الوزراء “فايز السراج” ووزير الداخلية في حكومته “فتحي باشاغا”، والذي بدا، حتى اللحظة، كصراع تتم هندسته تركيًّا للحفاظ على قدرة أنقرة على التحكم في قرار طرابلس بالتهدئة والتصعيد حسب مؤشرات المصالح التركية في صراع شرق المتوسط، والذي تمثل ليبيا فيه ورقة متعددة الاستخدامات.

فتحي باشاغا

فعودة “باشاغا” إلى عمله بتكليف ودعم تركي بعد توقيفه بقرارٍ من “السراج” إثر القمع الدموي للتظاهرات على يد ميليشيات تابعة للأول تشير إلى منهجية أنقرة الرافضة لتركز صناعة واتخاذ القرار في حكومة وشخص “السراج”، ليس فقط للتحكم في وتيرة التهدئة والتصعيد في ليبيا وتوظيفها في صراع شرق المتوسط، ولكن أيضًا للحيلولة دون تماهي “السراج” مع الخطوط العريضة للحل السياسي في ليبيا، والذي يقتضي -حسب مسودة وقف إطلاق النار قبل ثلاثة أسابيع- انطلاق عملية سياسية في كامل البلاد دون إقصاء أيٍ من مكوناتها السياسية والاجتماعية القبلية، بما في ذلك الأطراف المنتمية لنظام “القذافي”.

ويتقاطع السابق مع رغبة متنامية شرقًا، ومدعومة من القاهرة، يمثلها برلمان طبرق ورئيسه “عقيلة صالح”، بالمضيّ قُدمًا في وضع خارطة طريق لمستقبل ليبيا موحدة، حيث بلورة مسار سياسي طويل الأمد يُنهي سنوات من الاقتتال الأهلي وانفلات السلاح شرق وغرب ليبيا، شريطة أن تبادر طرابلس نحو هذا أولًا، وانطلاقًا من محددات أساسية على رأسها انتخابات الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور لضمان تمثيل كافة الليبيين فيها، ومن ثم انتخابات تشريعية تُشكَّل على أساسها حكومة وحدة وطنية، والتي من شأنها حال تشكيلها على النحو السابق أن تقضي على مظاهر عسكرة السياسة في شرق وغرب ليبيا، سواء هيمنة الميليشيات على حكومة طرابلس، أو سعي المشير “خليفة حفتر” للانفراد بالسلطة.

تناغُمُ كل من “السراج” و”صالح” (طرفا المفاوضات) فيما يخص السابق كان قد فجّر تناقضات داخلية في كل من مكونات شرق وغرب ليبيا، ناتجة عن مناخ من الريبة والتشكك في إنْ كان هذا المسار سيؤدي بالضرورة إلى الإطاحة بمجموعات ورموز هيمنت على المشهد الليبي منذ 2012، وخروجها دون ضمانات مستقبلية محلية وإقليمية تتعهد لها بدور سياسي أو اقتصادي (متعلق بنفط وغاز ليبيا) بعد انتهاء الاقتتال الأهلي، الذي بات في حد ذاته وخلال السنوات الثماني الماضية حاملًا اقتصاديًا وسياسيًا للفاعلين في بنغازي وطرابلس؛ سواء كفاعل محلي يسد فراغ غياب الدولة ومؤسساتها هناك، أو كدور وظيفي كوكلاء لصراع إقليمي تشكل الساحة الليبية أحد مسارحه.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، وبالتوازي مع التهدئة في ليبيا، فإن تصعيد تركيا في المتوسط وتحديدًا مع اليونان واللعب على حافة الصدام العسكري في القارة الأوروبية وبين أعضاء الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، كان قد أتى كمحاولة تركية لدفع القوى الأوروبية للتماهي مع أنقرة في تقويضها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الأخيرة بين القاهرة وأثينا.

وهو ما يعني حال عدم تحقق ذلك أن المرتكز الوحيد المتبقي لأردوغان في صراع شرق المتوسط هو اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة “فايز السراج”، الذي بات بدوره، وبالتفاهم مع “عقيلة صالح”، يدير توازنًا هشًّا وحساسًا على مستويات داخلية وخارجية بهدف الوصول إلى بلورة أجندة ليبية موحدة بأبعاد سياسية واقتصادية بعيدًا عن تعاطي الأطراف الإقليمية مع جغرافيا ليبيا كساحة للصراع فيما بينها.

لذلك فإن المراوحة التركية بين اعتماد “السراج” كممثل “شرعي” لغرب ليبيا، وبين تكريس السيطرة على قرار حكومته وإلزامها بسقف تفاوض في جولة الحوار المقبلة وغيرها؛ تشي بأن المرحلة القادمة من الأزمة الليبية بشقيها السياسي والعسكري ستكون رهنًا بتطورات سياسية وعسكرية في صراع شرق المتوسط، والذي بدوره دخل في حالة من الانتظار النشط لما ستئول إليه نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية ورؤية الإدارة القادمة تجاه الصراع في ليبيا.

هنا نجد أن سيادة مناخ الريبة والتشكك وتعدد مراكز اتخاذ القرار في كلٍّ من طرابلس وبنغازي قُبيل مفاوضات “بوزنيقة”، تعني أن أطراف النزاع الأهلي في ليبيا مُقيدة بمحددات خارجية لا تقف عند التهدئة والتصعيد حسب مصالح القوى الإقليمية والدولية المشتبكة هناك، والذين، عدا مصر لاعتبارات أمنية وجغرافية، ينظرون إلى الحل السياسي في ليبيا كجزء من تسوية أكبر على صعيد شرق المتوسط والمنطقة بشكل عام، بل تتجه نحو “سورنة” التفاوض، أي إدارته على نفس نمط مفاوضات الحل في سوريا التي تدخل عامها الرابع دون أي تقدم سياسي يُذكر.

وهو ما يعني على الصعيد الليبي بدء مرحلة من التسويف والمماطلة قد تستمر لسنوات دون التوصل لحل سياسي حاسم، بل وإمكانية عودة التصعيد العسكري سواء بين الفرقاء في ليبيا أو بين القوى الإقليمية المشتبكة هناك وعلى رأسهم القاهرة وأنقرة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

إسلام أبو العز

صحافي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search