دراسات وتحليلات

مفهوم “الاستقرار الاستراتيجي”: كيف تُدير روسيا معاركها العسكرية قبل بدئها؟

ارتبط مفهوم الاستقرار الاستراتيجي Strategic Stability تقليديا بعلاقة نووية مستقرة بين القوى النووية الرائدة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي/ روسيا، وارتكز المفهوم على فكرة الردع النووي المتبادل، للحيلولة دون الاتجاه نحو تصعيد غير محسوب ربما ينتهي بحرب شاملة.

في عام 1990، حددت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الاستقرار الاستراتيجي بأنه غياب الحوافز لأي دولة لشن أول ضربة نووية، لكن مع بداية القرن الحادي والعشرين، تصاعدت مؤشرات تصدع الاستقرار الاستراتيجي، في ظل تآكل الاتفاقيات القائمة للحد من التسلح، فضلا عن التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، في الوقت الذي تتراجع فيه أشكال التعاون المؤسسي.

بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، قررت واشنطن أن القيود المتبادلة على سباق التسلح مع موسكو لم يعد يخدم مصالحها، باعتبار أن روسيا لم تعد منافسا مُكافئا لها، لذا أعلن الرئيس الأمريكي “جورج دبليو بوش” عام 2002 الانسحاب من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية ABM، والتي طالما اعتبرتها موسكو حجر الزاوية للاستقرار الاستراتيجي على مدار ثلاثين عاما، وجاء الرد الروسي عبر تطوير أسلحة هجومية استراتيجية تهدف للتغلب على أنظمة الدفاع الصاروخي.

مثّلت هذه المتغيرات بداية حقبة جديدة من التنافس الأمريكي-الروسي، تمخّض عنها العديد من التطورات، لعل أبرزها إعلان واشنطن (وأعقبها موسكو) عن تعليق مشاركتها في معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى INF عام 2019، ولا تزال الشكوك تهيمن على مستقبل المعاهدة الجديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية (نيو ستارت) عندما تنتهي صلاحيتها عام 2021، ما يهدد بسباق تسلح عالمي جديد.

لذا، فقد تغيّر مفهوم الاستقرار الاستراتيجي بشكل جذري خلال العقد الأخير، بما في ذلك أدوات منع نشوب صراع نووي، وبالتالي باتت هناك حاجة ملحة لإعادة بلورة العديد من المفاهيم وفقا لمعطيات القرن الحالي، للحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي.

في هذا الإطار، نشر المعهد الفنلندي للشؤون الدولية FIIA، دراسة جديدة للباحث “جيري لافيكاينين” تحت عنوان“نظرة جديدة لروسيا حول الاستقرار الاستراتيجي: معضلة أمنية في شمال أوروبا”، والتي تشير إلى المشهد الأمني ​​المعاصر لشمال أوروبا من المنظور الروسي، وكيف يؤثر مفهوم روسيا للاستقرار الاستراتيجي على تصورها للتهديدات العسكرية في شمال أوروبا، ثم الإشارة إلى مجموعة من الآليات التي تنتهجها موسكو للحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة.

كيف تُدير روسيا معاركها العسكرية قبل بدئها
غُلاف الدراسة

منظور روسي جديد للاستقرار الاستراتيجي

في عام 2016، اقترحت روسيا والصين استبدال مفهوم الاستقرار الاستراتيجي وإحلال “الاستقرار الاستراتيجي العالمي” بدلا منه، باعتبار أن المفهوم التقليدي للاستقرار الاستراتيجي، والذي ينطوي فقط على الأسلحة النووية، لم يعد فاعلا في السياق الدولي الراهن.

وتشير وثيقة عام 2016 إلى أن القدرات غير النووية والتوازن العسكري التقليدي لهما أيضا أهمية استراتيجية بالنسبة لروسيا، كذلك تشير الوثيقة إلى أن القضايا التي تؤثر على الاستقرار العالمي تشمل المشاكل العسكرية-السياسية، سواء على المستويات الإقليمية أو المحلية، وبطبيعة الحال، يشمل هذا أيضا شمال أوروبا.

يتضمن تعريف روسيا الجديد للاستقرار الاستراتيجي مفهومين رئيسيين يرتبطان بأمن شمال أوروبا، يشير المفهوم الأول إلى فكرة “الحشد العسكري المفرط”، والذي يُسمى في النسخة الروسية من النص “البناء العسكري” Voennoe Stroitelstvo، وهو مصطلح شامل لجميع الأنشطة التي تهدف إلى زيادة القوة العسكرية للدولة.

أما بالنسبة للمفهوم الثاني، الذي تم التعبير عنه في الوثيقة، هو أن روسيا “مجبرة” على استعادة التوازن من خلال التدابير المضادة.

ومن ثَمَّ، ففي حين يؤثر المفهوم الأول على تصورات روسيا للتهديدات العسكرية في شمال أوروبا، يؤثر الثاني على كيفية إدارتها لهذه التهديدات المتصورة.

وتجدر الإشارة إلى أن روسيا تُطبق نهجا شاملا للحفاظ على الاستقرار، والذي يستند إلى استجابات تستهدف استعادة ما تعتبره “الاستقرار المُقوَّض” في المنطقة، ويشمل ذلك النهج الحشود العسكرية والأعمال التي تهدف إلى ردع الآخرين عن زيادة إمكاناتهم الدفاعية.

لم يرد حلف شمال الأطلنطي “الناتو” على تحركات روسيا إلا بشكل معتدل من خلال التدريبات العسكرية التي تعزز القدرات للدفاع الجماعي والانتشار الرمزي، بيد أن روسيا تعتبر حتى هذه الأساليب مُزعزعة للاستقرار وتتطلب المزيد من الاستجابات، وتعكس الديناميكية الناتجة مؤشرات بشأن استمرارية التوترات العسكرية في شمال أوروبا.

جيري لافيكاينين
الباحث جيري لافيكاينين

شمال أوروبا في المنظور الاستراتيجي الروسي

تنظر روسيا منذ عشرينيات القرن الماضي إلى شمال أوروبا كمنطقة عازلة استراتيجية، حيث كانت تهدف إلى تقويض أو مواجهة أي وجود لقوى عظمى أخرى، بيد أن موسكو لم تنظر إلى بلدان الشمال الأوروبي نفسها على أنها تهديدات، لكنها كانت قلقة من أن أرضها يمكن أن تُستخدم من قِبل قوى عظمى أخرى لمهاجمة روسيا.

وتعتقد موسكو أنها بدأت تفقد عمقها الاستراتيجي في المنطقة منذ عام 2014، بسبب زيادة مشاركة الناتو في أمن شمال أوروبا، وقد انعكست هذه النظرة في العقيدة العسكرية الروسية لعام 2014، والتي أقرت بأن نشر الوحدات العسكرية الأجنبية في البلدان المتاخمة لروسيا يمثل تهديدا عسكريا لموسكو.

علاوة على ذلك، اعتبرت العقيدة العسكرية الروسية الجديدة أن جميع أشكال استعراض القوة أثناء التدريبات العسكرية في هذه البلدان والأراضي البحرية المجاورة بمثابة تهديدات عسكرية.

كذلك، لم تقتصر الاعتراضات الروسية على نشر الوحدات العسكرية أو إجراء التدريبات المشتركة، بل باتت تشمل البنية التحتية العسكرية للناتو، حيث اعترضت موسكو -على سبيل المثال- على بناء منظومة جديدة لمحطة رادار GLOBUS في فاردو في شمال النرويج، ورغم أن الغرض من هذه المنظومة غير معروف بدقة، فإن روسيا تشتبه في أنه يمكن استخدامه لنقل معلومات حول إطلاق الصواريخ الباليستية الروسية إلى نظام الدفاع الصاروخي الباليستي BMD التابع لحلف الناتو، وردت موسكو على ذلك بالإعلان أن نشر رادار أمريكي في هذه المنطقة ليس شأنا للنرويج وحدها، بل يتعلق الأمر بالسياق العام للحفاظ على الاستقرار والقدرة على التنبؤ في الشمال، ومن ثَمَّ سوف تقوم روسيا بالرد للحفاظ على أمنها الخاص.

وعندما نشرت الولايات المتحدة 330 من مشاة البحرية في النرويج عام 2016 (قبل أن يتم زيادة هذا العدد إلى 700 في 2018)، هددت روسيا بتوجيه أسلحتها النووية ضد النرويج ردا على ذلك.

كذلك، تعرضت الدنمارك لتهديد مماثل عندما قررت المشاركة في نظام الدفاع الصاروخي الباليستي التابع لحلف الناتو في عام 2015، وجاء الرد الروسي عبر نشر أربع مجموعات قتالية معززة التواجد الأمامي في منطقة بحر البلطيق عام 2016.

وعندما قررت الولايات المتحدة عام 2020 سحب مشاة البحرية من النرويج، حوّلت روسيا تركيزها إلى الاعتراض على التدريبات العسكرية لحلف الناتو، وكذلك الجهود الوطنية للنرويج لتعزيز الدفاع عن منطقة فينمارك الشمالية.

وبالمثل، انتقدت روسيا مسوّدة استراتيجية الدفاع السويدية لعام 2020، التي تسعى إلى إحياء قدرة السويد على الدفاع الإقليمي باعتبارها “معادية لروسيا”، لأن الوثيقة وصفت روسيا بأنها تهديد محتمل لأمن السويد.

وتجدر الإشارة إلى أن روسيا زعمت أن الناتو ضغط على السويد من أجل إضافة هذا البند في الوثيقة.

عناصر الجيش الروسي
عناصر الجيش الروسي

معضلة أمنية متشابكة

يبدو أن الطرح الخاص بأن روسيا يجب أن “تنتقم” للحفاظ على أمنها يُمثِّل “ممارسة معيارية”، جسّدتها التحركات الروسية خلال السنوات الماضية، فعلى سبيل المثال، نشرت روسيا أنظمة صواريخ إسكندر بشكل دوري في كالينينجراد ردا على نظام الدفاع الصاروخي الباليستي التابع لحلف الناتو والوجود العسكري الأمريكي، قبل أن يتم نشرها بشكل دائم عام 2018.

ويبدو أن أفضل تفسير لمنطق الإجراءات الروسية المضادة هو ما يشير إليه الخبراء الروس أنفسهم، والذين يصفون العلاقة النووية المستقرة والوضع العسكري السياسي على أنهما توازن تدعمه الردود التصحيحية من كل جانب، أو ما يُسمى “التوازن غير موضوعي”، أي أن الفواعل المختلفة غالبا ما تعتبر أن تحركاتها مستقرة، وتحركات خصمهم مزعزعة للاستقرار، وتعكس هذه الآلية “معضلة أمنية” لأنها تميل إلى تكثيف سباقات التسلح.

ويمكن تفنيد الإجراءات المضادة الروسية في شمال أوروبا إلى فئات متداخلة:

  1. البناء العسكري

تحافظ الأسلحة النووية الاستراتيجية على دورها في خطة الدفاع الروسية كرادع للحروب واسعة النطاق، لكن روسيا تسعى إلى إنهاء النزاعات قبل أن يصبح استخدامها للأسلحة النووية ضرورة.

لذلك، تولي روسيا أهمية حاسمة للسيطرة على الأعمال العدائية في وقت اندلاعها، وبالتالي، ترى القوات المسلحة الروسية الأسلحة ذات القدرة المزدوجة عالية الدقة كجزء لا يتجزأ من الردع الاستراتيجي، حيث توفر هذه الأسلحة خيارات للتغلب على الخصم في مراحل مبكرة من الصراع، حينما لا يكون استخدام الأسلحة النووية الاستراتيجية خيارا واقعيا.

وقد بدأت روسيا في إنشاء قدرات عالية الدقة عام 2011، وكان هذا البناء ناجحا للغاية، ففي ديسمبر 2020، صرّح وزير الدفاع الروسي “سيرجي شويغو” أن أصول صواريخ كروز الروسية قد زادت 37 ضعفا منذ عام 2012، كما تم تعزيز الأسطول الشمالي بهذه الأنظمة، وزاد عدد أسلحته الجاهزة من العشرات في عام 2012 إلى ربما عدة مئات في عام 2021.

اقرأ أيضًا: روسيا وأوكرانيا.. هل يتحول التصعيد السياسي إلى نزاع مسلح؟

من المتوقع أن يستمر التحديث في السنوات القادمة، حيث تشير استراتيجية التنمية القطبية الشمالية لعام 2020 لروسيا إلى أن نمو إمكانات الصراع يتطلب زيادة مستمرة في قدرات القوات المسلحة في القطب الشمالي.

وفي يناير 2021، اكتسب الأسطول الشمالي مكانة مساوية للمناطق العسكرية الروسية الأخرى، ويستعد الاسطول لنشر صاروخ Kh-47M2 Kinzhal على حاملات MiG-31K في عام 2021، ويمكن لهذا الصاروخ أن يصل إلى قواعد Bodø وKallax وRovaniemi الجوية، كما أن نطاقه يغطي كامل شمال أوروبا.

  1. “الردع” عن طريق التخويف

في حين يشير المفهوم الغربي للردع إلى منع العدوان، يشير المفهوم الروسي إلى التفاعل الاستراتيجي الكامل مع الخصم في كل من وقت السلم والحرب، وتتمثل طريقة روسيا في إدارة التهديدات عبر التأثير على عملية صنع القرار لدى الخصم، وتوجيهه نحو اتخاذ قرارات مواتية لروسيا باستخدام الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية والسيبرانية والمعلوماتية، حيث تتمثل وظيفة الردع في “استقرار” الوضع العسكري-السياسي، وإظهار الاستعداد لحماية المصالح الحيوية لروسيا في حالات الأزمات، بينما يتمثل أساس الردع العسكري الروسي في وقت السلم في إظهار الاستعداد للقيام بمهام قتالية.

وفيما يتعلق بإجراءات الردع الروسي في شمال أوروبا منذ عام 2013، فقد تراوحت التحركات الروسية بين ردود واضحة ومباشرة، أو الهجمات الوهمية ضد أهداف حقيقية، أو محاولات تعطيل تدريب الآخرين، إضافة إلى تعريض سلامة المدنيين للخطر، وقد تجسّدت الإجراءات الروسية الرادعة في التدريبات السريعة المباشرة التي يتم تنظيمها بالتزامن مع تدريبات الناتو، كما بدأت روسيا في الإعلان عن تجارب صاروخية متزامنة مع مناورات الناتو، في كثير من الأحيان دون إشعار مسبق، كما بدأت روسيا في تعطيل مناورات الناتو عن طريق التشويش على اتصالات GPS عند إجراء هذه التدريبات.

روسيا ودول حلف شمال الأطلسي
دول حلف شمال الأطلسي

خاتمة

ووفقا للمنظور الروسي، يرتكز الاستقرار الاستراتيجي بشكل أساسي على تصور العلاقات العالمية بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، ويتمخض عن هذا التفكير الاستراتيجي بأن على موسكو مواجهة جميع الإجراءات -مهما كانت صغيرة- التي تُشكِّل تحديات لتفوقها العسكري الإقليمي.

ووفقا لهذا المنطق، يمكن لبضع مئات من الجنود الأمريكيين أن يتسبّبوا في سباق تسلح إقليمي، لكن لا يمكن لعملية تراكم الأسلحة الاستراتيجية الروسية أن تُحدث ذلك.

من ناحية أخرى، ورغم أن روسيا قد تعتبر نهجها ناجحا نظرا لاستمرارها في الحفاظ على التفوق العسكري الإقليمي، فإنه أدى أيضا إلى نتائج عكسية في العديد من النواحي، حيث تواصل السويد الاستثمار في الدفاع والحفاظ على التعاون مع الناتو وشركائه في الشمال، كذلك زادت النرويج من تعاونها مع حلفاء الناتو.

حاصل القول، يجب أن تدرك دول شمال أوروبا أن مفهوم روسيا عن الاستقرار الإقليمي يختلف اختلافا جوهريا عن مفهومها، فقد تعتبر روسيا التعاون الدولي بين الآخرين أو حتى جهودهم للحفاظ على أمنهم الوطني مُزعزِّعا للاستقرار، ونظرا لأن الهدف من إجراءات الردع الروسية هو التأثير على عملية صنع القرار، فإن الاستعداد لمواجهتها يعد أمرا أساسيا في منع هذه الإجراءات من تحقيق تأثيرها المقصود.

المصدر: (اضغط)

عدنان موسى

باحث وأكاديمي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى